الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi
الحساب على التويتر @Dr_EyadQun
الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi
الحساب على التويتر @Dr_EyadQun
الحمد لله، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله، الفتن تموج كموج البحر كقطع الليل المظلم، لا يثبت فيها ولا ينجو إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى. والمشكلة أن قلب الإنسان سريع التقلب، قال عليه الصلاة والسلام: «لقلب ابن آدم أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً». فالماء لما يفور ويتقلب، يكون قلب الإنسان أكثر منه تقلباً وتغيراً وتحولاً.
لو نظرت في الناس من حولك اليوم، ترى الفتنة في كل مكان؛ على المستوى السياسي ترى المكر بالمسلمين ومخططات مراكز التخطيط الاستراتيجي، وعلى الناحية الاجتماعية ترى التفاخر بالاختلاط في الجامعات، وفي المجال الاقتصادي يحاولون إيقاع المسلم في الربا بشتى الطرق، حتى وصل الأمر لعرض تقسيط الأضحية بالربا! وحتى على المستوى الديني، نجد الصف الإسلامي مفترقاً وهناك اختلاف تضاد بين المناهج والمسلم فيه محتار.
لقد تكلمنا سابقاً عن خطورة هذه الفتن، وفي هذه الخطبة أحب أن نتدارس سوية وسائل لتحصيل الثبات أيام الفتن، وهي مسألة عليك أن تعمل عليها طوال عمرك لتكون مستعداً للاختبار.
تذكروا قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا}. إن الموازنة بين الرجاء والخوف تقتضي أن نعلم أن الله قد ينجيك برحمته رغم ذنوبك، لكن المسلم الفطن يعلم أن الذنب رقم مئة قد يغفره الله، والذنب رقم مئة وواحد قد يكون فيه مصرعك ومقتلك، فاحذر المعاصي فإنها سبب الزلل.
قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}. طاعة الله ورسوله هي حصنك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً... يبيع دينه بعرض من الدنيا». أنت في سباق مع الفتن، فأكثر من الصالحات حتى لا تبادرك الفتن فتهوي بك.
الثبات يأتي بالثبات. سأل عمر رضي الله عنه حذيفة عن الفتن، فأجابه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض... والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه». الفتن الصغرى هي "مطاعيم" للفتن الكبرى؛ فمن ثبت أمام فتن الشهوات والشبهات الصغيرة، ثبته الله عند الفتن العظمى كفتنة الدجال.
قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا}. القرآن فيه قصص الأنبياء الثابتين لثبات فؤادك. وفي الحديث: «إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به». والمقصود هنا هو التمسك بالقرآن تدبراً وعملاً، لا مجرد القراءة السطحية. فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من زمان يختلس فيه العلم رغم قراءة القرآن، لأن الناس يقرؤونه ولا يجاوز حناجرهم، كحال أهل الكتاب الذين لم تغنِ عنهم التوراة والإنجيل شيئاً لأنهم لم يعملوا بها. إن الكرامة الحقيقية للقرآن ليست في حماية الورق من الرصاص، بل في تحويل الأرواح إلى أرواح صلبة لا تخترقها الفتن.
الحكم على الشيء فرع عن تصوره. قد تظن نفسك ثابتاً وأنت ثابت على باطل بسبب جهلك بالواقع. قال تعالى: {يَا أَيُّهًا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}. وسائل الإعلام توجه الأفكار، ولا بد للمسلم أن يكون مؤثراً لا مجرد متأثر. البعض يفني عمره في تفاصيل تاريخية جزئية لا تنفع، ويعرض عن فهم واقعه ومعرفة الحق من الباطل في الاتجاهات والأحداث، وهذا تفريط يؤدي لاتخاذ مواقف خاطئة.
قال الله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأموراً بصحبة الصالحين ليثبت، فكيف بنا؟ أحياناً تتزعزع قناعاتك بسبب ضغط الواقع، فإذا جلست مع عالم ورع أو عابد على بصيرة، ثبّتك الله به. يقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية: "كنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة".
الثقة المطلقة بالله هي المنجاة. إن ما يدفع الناس للانحراف أيام الفتن هو الخوف من الأذى أو الحرص على المنفعة. تذكروا وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك... واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». عندما يصدق توكلك، تنال صلاح الدنيا والآخرة وتخرج سالماً بدينك.
إياك أن تعجب بنفسك أو تقول إن ثباتك هو بسبب شجاعتك أو تربيتك. دائماً اعْزُ الفضل لربك، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين». وفي الحديث: «لو لم تكونوا تذنبون لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجب». وقال مطرف بن عبد الله: "لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً، أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً".
الجزاء من جنس العمل، والرحمون يرحمهم الرحمن. إذا رأيت في عيون من حولك حيرة وقلقاً فثبتهم بالكلام الإيجابي وبشرهم بالجنة، فإن الله يثبتك في المقابل. أما من يكون سبباً في زعزعة الناس وتيئيسهم، فكيف يرجو من الله الثبات؟
تأملوا في قصة خباب بن الأرت رضي الله عنه، حين كشف عن ظهره لعمر بن الخطاب فإذا هو كتلة من اللحم المشوه، فسأله عمر عن ذلك، فقال: "كانت توقد لي النار ثم أسحب عليها، فما يطفئها إلا ودك (دهن) ظهري". ورغم هذا العذاب، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب... ما يصرفه ذلك عن دينه». إن النظر في سير هؤلاء يجعل ثباتنا يبدو متواضعاً ويشحذ الهمم للصمود.
وهي من أعظم الوسائل، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف يشاء. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك»، ودعاء الصالحين في القرآن: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}.
نختم بحديث شداد بن أوس رضي الله عنه، حين قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، وأسألك لساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب».
اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك. اللهم أصلح أحوال المسلمين، ووفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا.
وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.