https://www.facebook.com/EyadQunaibi4
@EYADQUNAIBI
www.al-furqan.org
https://www.facebook.com/EyadQunaibi4
@EYADQUNAIBI
www.al-furqan.org
نفتش في أعمالنا فنرى أننا أخطأنا في حق الله كثيراً، نندم حينئذ، وهذا الندم أمر مطلوب حتى يدفعنا إلى التوبة الجادة. لكن هذا الندم ينبغي أن يكون إحساساً مؤقتاً يدفعنا فوراً إلى إصلاح أخطائنا بإيجابية وحسن ظن بالله؛ أنه سيعيننا ويقبل منا توبتنا ويعطينا فرصة أخرى لتصويب أوضاعنا.
لكن أحياناً تسير الأمور مع الواحد منا بطريقة مختلفة، فبدلاً من هذه الإيجابية وحسن الظن بالله، يتجمد عند مرحلة الندم واجترار الذكريات وجلد الذات ومقت النفس، فتفسد نفسه وتتكدر. ويبدأ يشعر بأن هذا البلاء عقوبة محضة لا رحمة فيها، وأنها "قاصمة الظهر" التي ليس بعدها قائمة؛ لأن الله تعالى -بعدما أعطاه فرصاً في الماضي فلم يستغلها- قد مقته وسخط عليه ولن يعطيه فرصة أخرى.
ثم يتسرب إليه الشعور بالجفوة بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، يحس بأن الباب قد أغلق، والدعاء قد رُد، والشقاوة قد ضربت عليه ما امتدت به الحياة. أخي، أختي، احذر! هذه مكيدة من الشيطان، بل هي من أخطر مكائده.
فهو يجعلك تتوهم في البداية أن لوم نفسك بهذا الشكل مطلوب لأنه اعتراف بالذنب، لكن الشيطان أوقفك عند مرحلة اللوم والندم وجعلك تبالغ فيها ليقودك إلى توهم شيء خطير للغاية: أن تتوهم قسوة القدر ومن قدّره سبحانه. وفي هذه اللحظة من سوء الظن ستحس بالضياع المخيف. أنت عندما يشتد بلاؤك تشكو بثك وحزنك إلى الله، فإذا ساء ظنك بالله، فإلى أين تفر؟ وإلى من تلتجئ؟ وإلى من تتضرع؟ ومن ترجو؟
ستحس بالضياع المخيف، وهذا ما يريده الشيطان؛ فهو مطرود من رحمة الله، فلا يحب أن يرى مرحومين أو طامعين في رحمة الله تعالى.
لاحظ أن الشيطان لن يأتيك من باب التشكيك في مغفرة الله هكذا مباشرة، لن يقول لك: "الله ليس غفوراً رحيماً"، فهذه محاولة فاشلة بوضوح. لكنه سيأتيك من باب آخر، سيقول لك:
ماذا يريد الشيطان من هذا؟ يريد أن يوقعك في الاكتئاب؛ الاكتئاب الذي يشل إرادتك عن إصلاح وضعك والعودة إلى ربك سبحانه وتعالى. هناك مصطلحات علمية توصف بها أعراض الاكتئاب المرضي، منها: الشعور العميق بالحزن، وشعور مبالغ فيه بالذنب، وانعدام القيمة، ونقص الدافعية.
الشيطان يجمدك عند مرحلة الإحساس بالذنب، ويجعل التفكير بالذنب يسيطر عليك بطريقة وسواسية، ويشعرك أنك عديم القيمة، غير قابل للإصلاح، وغير قابل لأن تكون من عباد الله المقربين؛ ليشل إرادتك للطاعة ودافعيتك للتغيير وهجر المعصية، ولتفقد السعادة والفرح بربك ومولاك سبحانه وتعالى.
لا يريد لك الشيطان أن تحب ربك. إخواني، إن الولد الذي يعاقبه أبوه يحب أباه إذا علم أن هذه العقوبة دافعها محبة أبيه له وحرصه على مصلحته، أما إن ظن أن أباه يعاقبه بدافع الكراهية فإن قلب الولد سيقسو تجاه أبيه، ولله المثل الأعلى.
فاعتصم بحبل حسن الظن بالله التواب العفو الغفور، إنه تعالى أرحم من أن يتربص بذنوب عباده المؤمنين فيبطش بهم ويخرجهم من رحمته ولا يعطيهم فرصة أخرى.
في الحديث الذي رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه عز وجل قال:
"أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك".
طبعاً لا يوحي الله تعالى إلى عبد أن "أذنب وسأغفر لك مهما فعلت" استهتاراً، فمعنى الحديث أنه قد سبق في مشيئة الله تعالى أن العبد مهما عمل، إن كان في كل مرة يتوب بصدق ويعزم على عدم فعل المعصية، فإن الله تواب سيبقى يتوب عليه، غفور سيغفر له، عفو سيعفو عنه، وهو يعلم سبحانه أن هذا العبد التائب قد يذنب في المستقبل.
أخي، لا تقنط من رحمة الله في أن يعينك على التقرب إليه والتمتع بالحظوة عنده. إذا جاءك الشيطان فقال لك: "أنت لا تستحق رحمة الله"، فقل: "نعم، أنا لا أستحقها بعملي، لكنه تعالى سيرحمني لأنه أكرم من أن يعامل عباده بما يستحقونه".
إن قال لك الشيطان: "لن يعطيك الله فرصة أخرى فقد نجاك من قبل ولم تحفظ المعروف"، فقل: "بلى، سيعطيني وينجيني فهو العفو الغفور". إذا قال لك الشيطان: "إن الله يبتليك عقوبة لأنه يكرهك"، فقل له: "بل يبتليني ليطهرني ويربيني".
إذا قال لك الشيطان: "أنت أحط من أن تستأهل رحمة الله"، فتذكر قصة ذلك العبد الذي أيقن أنه قصر في حق الله كثيراً، وكان الله سبحانه وتعالى قد أعطاه فرصاً وابتلاه ابتلاءات أخف ليصحو من غفلته، خاصة فيما يتعلق بترتيب الأولويات في حياته وأعمال القلوب، لكن هذا العبد الضعيف عاد إلى الأخطاء ذاتها.
فجاء هذا البلاء الأشد؛ فندم وتألم وخاف من أن هذه العقوبة ستطول وتشتد، ولربما تتجاوز استطاعته وتحمله، فزاد هذا من ألمه وندمه. ثم شاء الله تعالى أن يقرأ صاحبكم حديثاً عظيماً، قرأه من قبل لكنه هذه المرة جاء كحبل نجاة من الله وبلسماً لجراحه.
الحديث رواه مسلم، وفيه أن الله عز وجل يشفع بعض خلقه في إخراج أناس من النار الخير فيهم قليل جداً، ومع ذلك رحمة الله ستشمل من هم دونهم أيضاً، فيقول الله عز وجل:
"شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين".
سبحان الله! يخرج ربنا سبحانه وتعالى أناساً بعدما طهرهم بالنار ويدخلهم الجنة برحمته لا بأعمالهم. هز هذا الموضوع من الحديث كياني وأيقظني ونجاني من الاكتئاب الذي كان الشيطان يحاول إيقاعي فيه. قلت لنفسي: "نعم أخطأت، لكن أحسب أن الله جعل فيّ خيراً أكثر من هؤلاء الذين أخرجهم برحمته المحضة، فإن كانت رحمة الله شملتهم فستشملني في الدنيا والآخرة". فانقذفت في قلبي دفعة كبيرة من محبة الله والاطمئنان إلى رحمته.
إخواني وأخواتي، الله تعالى أرحم بكثير بكثير مما قد يهيئ لنا الشيطان في لحظات اليأس. قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
خلاصة الحلقة: لا تدع الشيطان يوقعك في فخ الاكتئاب وشلل الإرادة، بل حوّل ندمك إلى قوة إيجابية وتوبة صادقة للتقرب من الله التواب العفو الغفور.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.