https://www.facebook.com/EyadQunaibi4 @EYADQUNAIBI gplus.to\eyadqunaibi al-furqan.org
https://www.facebook.com/EyadQunaibi4 @EYADQUNAIBI gplus.to\eyadqunaibi al-furqan.org
السلام عليكم ورحمة الله، إخوتي الكرام. أحد أكثر الكتب مبيعاً في أمريكا هو كتاب "Influence: The Psychology of Persuasion" (التأثير: سيكولوجية الإقناع) للبروفيسور الأمريكي روبرت تشيالديني (Robert Cialdini).
يتناول هذا الكتاب في الفصل الثالث منه أسلوب "الالتزام والتوافق" (Commitment and Consistency) كواحد من أنجح الوسائل في الإقناع. وقد استخدمه المحققون الصينيون لإقناع الأسرى من الجنود الأمريكيين بالتعاون معهم في الحرب الكورية.
قام الأخ محمد الكلاني بترجمة هذا الفصل وإسقاطه على واقع الحركات المنتسبة إلى العمل السياسي الإسلامي، والتي تُستدرج إلى فخ "الالتزام والتوافق" لحرفها عن مسارها. وسنرى إن كان هذا ينطبق أيضاً على ما يحصل الآن في سوريا من استدراج لبعض الفصائل المقاتلة للالتحاق بالمجلس العسكري وإفشال مشروع الدولة الإسلامية.
سنعرض بداية لما جرى مع الأسرى الأمريكيين لنفهم من خلاله أسلوب الالتزام والتوافق. تبدأ قصتنا مع الأسرى العائدين من معسكرات الاعتقال في الصين الشيوعية بعد الحرب الكورية في الخمسينيات من القرن الماضي.
تفاجأت القيادة الحربية الأمريكية بنجاح مقلق للمستجوبين الصينيين في استمالة الجنود الأمريكيين واستخراج المعلومات منهم بدون استخدام الأساليب الوحشية أو التعذيب. فقد كان الأسرى متعاونين إلى أقصى الحدود في الإبلاغ عن محاولات الهروب لزملائهم، وكانوا يقدمون هذه المعلومات دون إكراه، وبمجرد أن تُعرض عليهم مكافأة لا قيمة لها ككيس من الأرز.
على إثر ذلك، شكلت القيادة الحربية الأمريكية فريق التقييم النفسي والعصبي بقيادة الدكتور هنري سيجال، الذي قام باستجواب الأسرى العائدين بشكل مكثف للوقوف على طرق الصينيين في استمالتهم وتغيير قناعاتهم.
تبين أن الصينيين يعتمدون طريقة: "انتزع تنازلاً صغيراً ثم ابنِ عليه". حيث ينتزعون من الأسير الأمريكي أي تنازل يسير، ثم يوثقون هذا التنازل، ثم يستدرجون الأسير إلى الاعتراف بتبعات ولوازم هذا التنازل.
فيلتزم الأسير بهذه التبعات ويقر بها إلى أن يجد نفسه يغير نفسيته ليصبح منسجماً مع موقفه الجديد، ومن ثم تتفاقم تنازلاته إلى أن يصبح في النهاية عميلاً من حيث لا يشعر. هذه هي خلاصة أسلوب الالتزام والتوافق.
بداية، كان الصينيون يطالبون الأسير الأمريكي بأن يعطي تصريحات تبدو في غاية البساطة وبدون أي تبعات تذكر، مثل: "الولايات المتحدة الأمريكية ليست كاملة" أو "لا توجد مشكلة بطالة في الدولة الشيوعية".
ولكن ما إن تتم تلبية هذه الطلبات البسيطة حتى يُطالب الأسرى باتخاذ موقف آخر يبدو نتيجة تلقائية للتصريح الأول، لكنه يمثل تنازلاً أكبر. فمثلاً، الأسير الذي يوافق على أن الولايات المتحدة ليست كاملة، يُطلب منه كتابة قائمة بهذه المشاكل، ثم يوقع باسمه عليها، ثم يُطلب منه قراءتها في مجموعة نقاش، وصولاً إلى كتابة مقال مفصل يُبث عبر الراديو.
لاحظ الفريق النفسي أربعة عوامل مهمة للغاية لضمان فعالية هذا الأسلوب في تغيير موقف الأسير وقناعته:
ضرورة أن يوثق الأسير موقفه أو تصريحه؛ حيث إن التوثيق أقوى في تغيير انطباعه عن نفسه وانطباع زملائه عنه. فالشخص يستحضر لا شعورياً مواقفه السابقة، وخاصة الموثقة منها، وكأنها المصدر الرئيسي لمعلوماته عن نفسه وتحديد شخصيته.
الذي يتخذ موقفاً معلناً يكون أكثر التزاماً به ودفاعاً عنه ممن لا يعلن موقفه على الملأ. فالشخص يسعى دائماً لأن يبدو أمام الناس وأمام نفسه كإنسان لديه مبدأ ثابت، واثق، وسديد الرأي، ويتجنب كل ما يمكن اعتباره تضارباً في مواقفه.
كلما بذل الشخص جهداً وعناءً أكبر في سبيل الحصول على شيء ما أو اتخاذ موقف ما، فإنه يعطي هذا الشيء أهمية أكبر بكثير. كتابة مقال موسع سعياً للفوز في مسابقة لم تكن أمراً سهلاً، مما يعزز الالتزام بالنتيجة.
وهو العامل الأكثر أهمية. كان الصينيون يحرصون على أن تكون الجوائز ذات قيمة زهيدة (مثل السجائر أو الفاكهة) بدلاً من جوائز كبيرة. والهدف هو أن يشعر الأسير بأنه فعل ذلك بمحض إرادته وليس طمعاً في جائزة كبرى، مما يجعله يتحمل المسؤولية الذاتية الداخلية عن عمله ويشعر بأنه ملزم بالدفاع عنه.
كانت هذه خلاصة تجربة الأسرى الأمريكيين الذين قدموا تنازلات تبدو عديمة التبعات في البداية، لكنهم وصلوا في المحصله إلى تغيير مبادئهم والتعاون مع العدو.
ما علاقة هذا كله بانحرافات الإسلاميين في العمل السياسي، وانحرافات الفصائل المقاتلة في سوريا، بل وانحراف الأفراد وبعض الدعاة؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة بإذن الله، وهي حلقة في غاية الأهمية، فتابعونا.
والسلام عليكم ورحمة الله.