الإيمان الأعمى وسد الفجوات المعرفية
يؤمن الملحدون إيماناً أعمى يسدون به فجواتهم المعرفية؛ فحين أنكروا وجود الله، وبالتالي أنكروا الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وقعوا في مأزق كبير، وهو أنهم لا يملكون تفسيراً لأي من الظواهر الفطرية، كنزعة التدين، أو النزعة الأخلاقية، والشعور بالغائية، والإرادة الحرة، والغرائز.
بما أن هذه الظواهر غير مادية في جوهرها، فقد بحثوا عن تفسيرات مادية لها، وادعوا أن كل هذه الظواهر لها أسباب مادية ضمن إطار التطور الدارويني. فزعموا إما أن تكون الظاهرة الفطرية ناتجة عن جين معين أو مجموعة جينات، وإما أن تكون ناشئة عن صفات أخرى متعلقة بالجينات انتخبتها الطبيعة، أو أن الظاهرة قد تم انتخابها داروينياً دون أن نعرف كيف ظهرت ابتداءً.
المنهج العلمي في إثبات العلاقة الجينية
والسؤال هنا: هل ادعاؤهم هذا عليه دليل علمي؟ أما الاحتمال القائل "لا نعرف كيف ظهرت" فهو إحالة على مجهول، وهي عبارة لا يقبلها الملحدون أنفسهم من المؤمنين بالله في تفسير الظواهر. يبقى التفسير الذي يمكن فحصه واختبار صحته هو ربط الظواهر الفطرية بالجينات.
وحتى تدعي أن صفة ما في كائن ما لها علاقة بجين معين، فهناك طرق علمية محددة لإثبات ذلك:
- إضافة جين (Gene Insertion): للبويضة المخصبة.
- حذف جين (Gene Deletion): ومتابعة ما إذا أدى ذلك إلى ظهور أو اختفاء صفة معينة، وهذا ممكن في الحيوانات مثل ما يسمى بـ "الفئران محذوفة الجين" (Knockout mice)، لكنه لم يتم إجراؤه في الإنسان، بالإضافة إلى تداخل عوامل معقدة كالآليات التعويضية التي قد تعوض عن الجين المحذوف.
- المسح الجيني: وهي الطريقة الممكنة في الإنسان، وقد ربطت بعض الصفات الجسمية والأمراض بأسباب جينية.
"درونة" كل شيء بلا دليل
لقد أجرى الملحدون والداروينيون عملية "درونة" لكل شيء، وكان مما درونوُه الظواهر الفطرية. وهناك قائمة طويلة من الكتب التي قامت على هذا الأساس، مثل: "الجين الإلهي"، "الأساس التطوري للنزعة الأخلاقية"، "الأساس التطوري للحرية"، "نظرة داروينية للمحبة الوالدية"، و"تطور الرغبة الجنسية".
لكن هل تم تحديد أي جين مسؤول عن أي نزعة فطرية؟ الجواب الصادم هو: لا. إنما هي ادعاءات لا أساس علمياً لها، بل هو إيمان أعمى دارويني. فهذه المؤلفات تتجاوز سؤال "هل يوجد سبب مادي بالفعل للظاهرة الفطرية؟" وتعتبر الإجابة محسومة، ثم تنتقل لمناقشة فائدة وجود الظاهرة تطورياً في كلام إنشائي عقيم.
هذه "الدرونة" لكل شيء انتقدها حتى بعض الداروينيين الملحدين أنفسهم، ومنهم بروفيسور البيئة والتطور "جيري كوين" (Jerry Coyne)، حيث قال في كتابه "لماذا التطور حقيقة":
"هناك ميل آخذ في التزايد بشكل مزعج من قبل علماء نفس وبيولوجيين وفلاسفة لدرونة كل جانب من الجوانب السلوكية للإنسان، لتتحول تلك الدراسات إلى لعبة علمية جماعية. إن إعادة تشكيل الطرق التي يحتمل أن الأشياء تطورت من خلالها اعتماداً على الخيال الواسع ليست علماً، إنها مجرد حكايات".
خرافة "الجين الإلهي" وتعقيد الشفرة الوراثية
كاستثناء، نرى "دين هامر" (Dean Hamer) قد تكلم عن جين معين لتفسير نزعة التدين، لكن هامر هذا هو بطل الادعاءات التي لا دليل عليها، بل يكذبها باقي الباحثين، حتى أن بعض الملحدين سخروا منه قائلين: "لا يوجد إله ولا جين إلهي".
والحقيقة أن الذين يدعون العثور على جين مرتبط بنزعة فطرية، إما أنهم جاهلون بعلم الجينات جهلاً مخزياً، أو أنهم يخادعون جمهورهم. فمعلوماتنا تؤكد أن ارتباط الجينات بالصفات أعقد بكثير مما كنا نظن. ففي ورقة علمية نشرت في مجلة "نيتشر" (Nature) عام 2008، تبين أن فك الشفرة الوراثية خيّب الآمال؛ حيث وجدنا أنه حتى الصفات الجسمية كطول القامة، والأمراض العقلية كالفصام (الشيزوفرينيا)، لا يمكن عزوها إلى جين واحد ولا حتى مجموعة جينات محددة.
وتنص دراسات أخرى على أن صفة سلوكية واحدة قد تكون مرتبطة بآلاف الجينات التي يسهم كل منها إسهاماً طفيفاً، ومع ذلك تعترف الدراسات بعدم القدرة على تحديد هذه الجينات المفترضة.
التسطيح الإعلامي والمغالطات المنطقية
ومع ذلك، يأتي أمثال "هامر" ليحدثوك عن "الجين الإلهي"، وترى في الإعلام الغربي عناوين تسطيحية مثل: "هذا الجين المحدد قد يقرر إذا ما كنت ستصوت لصالح الجمهوريين أو الديمقراطيين!"، وهذا استخفاف بعقول الناس. ومن العجيب أن يتداول هذه الادعاءات أشخاص لديهم مبادئ البحث العلمي أو طلاب في المجال الطبي.
نحن لا نرى مانعاً من الناحية النظرية أن يخلق الله تعالى في الإنسان جينات تعين على تكوين النزعات الفطرية، وهذا إن وجد سيكون دليلاً آخر على عظمة الخالق. لكن المعيب هو أن يُنكر علينا الملحدون إيماننا الغيبي بوجود الله (الذي قامت عليه الأدلة)، بينما لا يجدون حرجاً من الإيمان الغيبي بوجود جينات أو تفسيرات لم تكتشف بعد ولا دليل عليها.
حقيقة سد الفجوات المعرفية
المعيب حقاً هو أن يدعي الملحدون أن إيماننا بوجود الخالق هو من قبيل "سد الفجوات المعرفية"؛ أي أننا لا نعرف سبب بعض الظواهر فنفترض وجود الله لتفسيرها، وهذا ادعاء غير صحيح في المنظومة العقدية الإسلامية. بينما في المقابل، نجد الملحدين يمارسون هذا "الإيمان الأعمى الدارويني" لتفسير ظواهر فشلت ماديتهم في تفسيرها.
لقد نفوا وجود الخالق، فكان لا بد لهم من بديل مادي ينفي الروح والفطرة، فبنوا على هذا البديل قصوراً ومزاعم وقصصاً، وألفوا كتباً وأقاموا محاضرات على "لا شيء"، بل على وهم كبير. فهل هناك إيمان أعمى أكثر من هذا؟ وهل هناك تأجير للعقل أو تحيز علمي وأحكام مسبقة أكثر مما يفعله هؤلاء؟
المصادمة مع الواقع والعلم التجريبي
هذه التهم التي يرمون بها المسلمين، هم أولى بها. فهم يدعون وجود خصومة بين الإسلام والواقع، وخصومة بين الإسلام والعلم التجريبي، مع أنهم في قولهم مثلاً: "لا إرادة حرة لدى الإنسان بل تحركه الجينات"، يتجلون في قمة المصادمة للواقع الذي يفرض أن للإنسان إرادة حرة مهما أنكروا. كما يتجلى عدم احترامهم للعلم التجريبي في دعاوى الجينات التي يطلقونها بلا دليل.
وهذا كله هو ضريبة معاندة الأدلة الفطرية على وجود الله تعالى. لقد اقتربنا بهذا من نهاية الحديث عن الأدلة الفطرية، ولا نريد أن نستطرد كثيراً بعيداً عن الموضوع، لكننا نود أن نذكر مثالاً للتضليل الذي يمارسه الملحدون والداروينيون باسم العلم، وهو تبرير "الشذوذ الجنسي" بادعاء وجود أساس جيني له.
سيكون هذا مثالنا الأخير على ضرائب التنكر لفطرية الغرائز البشرية ومحاولة تفسيرها تفسيراً مادياً بحتاً، وهو ما سنناقشه في الحلقة القادمة بإذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.