الحلقة الثانية: لماذا "رحلة اليقين" مهمة للمؤمن؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في سلسلتنا لبناء اليقين، سنبدأ بإثبات وجود الله تعالى؛ فهذا هو الأصل الذي ينبني عليه كل شيء. قد يقول المتابع المسلم: "أنا مؤمن بوجود الله، إذن هذا الكلام ليس لي"، لكن في الحقيقة، حتى المؤمن بوجود الله إيماناً عميقاً يحتاج إلى هذه الحلقات.
سأذكر ست فوائد مهمة لتعميق اليقين، يمكن عنونتها بـ:
- تعميق الجذور.
- إحسان الظن بالله.
- تكوين الدافعية.
- الثبات والتثبيت.
- إدراك النعمة.
- إحياء العزة.
الفائدة الأولى: تعميق الجذور
اليقين درجات وليس درجة واحدة. قد يتساءل البعض: أليس اليقين تصديقاً جازماً لا يخالطه شك؟ بلى، ولكن هذا التصديق بدوره يتفاوت. حين تصدق بوجود الله تصديقاً جازماً، تكون قد أفلتَّ من جاذبية الشكوك والتردد، لكن الناس بعد ذلك يتفاوتون في "التحليق".
تأمل في أشجار الحديقة؛ كلها أشجار حية قائمة على سيقانها، لكنها ليست سواء. ستجد شجرة قائمة على جذور قريبة من سطح الأرض يسهل اجتثاثها، وأخرى عميقة الجذور يصعب اجتثاثها، وثالثة أكثر عمقاً لا مطمع في اجتثاثها أبداً؛ قد تُقطع أو تُقتل، لكنها لا تُجتث.
وكذلك اليقين في النفوس؛ قد يكون لدى مجموعة من المسلمين يقين حي، لكن شتان بين ثباتهم إذا تعرضوا للفتن، وشتان بين إثمارهم؛ فمنهم من لا ينفع إلا نفسه، ومنهم من يتساقط ثمره على الناس ويستظلون بظله. لذا، فصاحب اليقين بحاجة لسقي شجرة يقينه بالتفكر الذي حث عليه ربنا بقوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
يقول الله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}. وعندما قال إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، قال ابن عاشور في تفسيرها: "ليثبت ويتحقق علمي، وينتقل من معالجة الفكر والنظر إلى بساطة الضرورة بيقين المشاهدة... انكشافاً لا يحتاج إلى معاودة الاستدلال ودفع الشبه". فإبراهيم عليه السلام أراد إحكام الأساس لينعم ببرد اليقين.
الفائدة الثانية: إحسان الظن بالله
طريقتنا في تناول أدلة وجود الله لن تكون جافة، بل المقصود منها تعميق المحبة لله واليقين بعدله وحكمته ورحمته. كلما نظرت في أدلة وجود الله وصحة دينه، تزداد يقيناً برحمته سبحانه أنه أقام كل هذه الشواهد، وتقول في نفسك: "ما أرحمك يا رب بعبادك!".
ستزداد يقيناً بعدل الله حين يعاقب من كفر به بعد كل هذه الأدلة الواضحة، وتعلم أنه ليس للناس على الله حجة. هناك مسلمون لديهم إشكالية في مسألة عقاب الكافر، وهذا قد يوقع العبد في سوء ظن برحمة الله وعدله. لذا، فاليقين الذي ننشده هو يقينان:
- يقين بوجود الله.
- يقين بأن أدلة وجوده كافية، شافية، وملزمة تقوم بها الحجة على الخلق.
الفائدة الثالثة: تكوين الدافعية
كلما أحكمت مسألة اليقين، انطلقت بهمة وحيوية في طريق الجنة، وتفجرت طاقاتك في خدمة دين الله والاستقامة على أمره. كلما سُقي اليقين، تجدد النشاط وتلاشى الفتور. لذلك كان أول وصف للمتقين في سورة البقرة: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}؛ فهذا هو المحرك لكل شيء.
الفائدة الرابعة: الثبات والتثبيت
نحن في زمن فتن خلعت أناساً من إيمانهم. واجب المسلم أن يحصن نفسه ويضرب جذور يقينه في الأرض ليثبت أمام العواصف ويثبت من حوله.
تأمل قول ابن تيمية رحمه الله:
"فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو وُلدوا على الإسلام والتزموا شرائعه... فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئاً فشيئاً إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شُككوا لشكوا".
حتى لو كنت راضياً عن يقينك، فماذا عن أبنائك وأهلك في زمن الحرب الفكرية؟ نحن نسمع كثيراً عن تأثر الشباب بالشبهات. يقول تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}. بالعلو في مراتب اليقين، تتأهل لتكون من الأئمة الذين ينصر الله بهم الدين، وتجيب على الشبهات بثبات وعلم بدلاً من التلعثم أو العصبية.
الفائدة الخامسة: إدرك نعمة الله عليك
حين ترى الفرق الكبير بين المؤمن والمنكر، تستشعر بعمق معنى الآيات: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ}. تدرك تبعات إنكار الله وكيف يهوي بصاحبه في مكان سحيق، فيزيدك ذلك تمسكاً بدينك.
ذكر ابن تيمية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". فهؤلاء لا يدركون عظمة النعمة، وقد تتقلص عندهم المسافة بين الحق والباطل فيسقطون في وديان الشك.
الفائدة السادسة: إحياء العزة
مع تأمل الأدلة، تشعر بالعزة والانسجام مع نفسك وأنت تظهر شعائر دينك، لأنك تدرك أنك على الحق المبين. لن تحتاج لتعديل مظهرك أو إخفاء هويتك ليتقبلك الآخرون، ولن تشعر بالغربة حتى لو مشيت عكس التيار؛ لأنك تشعر أنك "الأصل". لسان حالك يقول: "يا ناس، ألا ترون ما أرى؟ ألا ترون هذه الشمس في رابعة النهار؟".
لأجل هذه الأسباب كلها، فإن هذه الحلقات لن تكون نافعة للمتردد فحسب، بل لكل مسلم ليعمق جذوره ويحيي العزة في نفسه.
في الحلقة القادمة، سنبدأ معكم بإذن الله بالأدلة الفطرية على وجوده سبحانه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.