نزعة التدين كأصل فطري في النفس البشرية
في الحلقة الماضية، أوضحنا حزمة المكونات الفطرية التي تشكِّل مأزِقًا للمُلحد، يتهرَّب منه بإنكار وجود هذه المكونات أو بتفسيرها تفسيرًا ماديًّا. سنرى اليوم هذا السلوك الإلحادي مع أول مكوِّن، ألا وهو نزعة التديّن.
ونقصد بالتديّن: إدراك الإنسان أن له ولهذا الكون خالقًا مدبِّرًا، والرغبة في عبادة هذا الخالق والتقرب منه، والشعور بالحاجة إليه، وكذلك اللجوء إليه عند الشدائد. المنظور الإسلامي يذكر وجود هذه النزعة كحقيقة مسلمة، وذلك في آيات كثيرة كقول الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا}. ذكر "الإنسان" عموماً لأنها فطرة مزروعة في كل إنسان.
وقولنا بفطرية التديّن يعني أنه مكوّن صميمي راسخ في النفس البشرية، وجزءٌ أصيلٌ من تكوينها، توجد جذوره منذ ولادة الإنسان بغض النظر عن المؤثرات الخارجية.
الرد على دعوى "التدين المكتسب"
في البداية، أنكر الملحد فطرية التديّن وقال: بل إيمان الناس بوجود خالق أمرٌ مكتسبٌ بتأثير التربية وتناقل الأجيال لهذه الدعوة، ولو ترك الإنسان ونفسه فليس هناك ما يدعوه للإيمان بوجود خالق. ويقول لك الملحد: هناك معتقدات كثيرة يؤمن بها أصحابها مع أنها مجرد خرافات، كـ "بابا نويل" الذي يأتي على عربةٍ من السماء ليلة عيد الميلاد، أو "التنين الذي ينفث النار".
فنقول: حتى لو تجاوزنا حقيقة أن المعتقدات الخرافية لا دليل عليها، بينما وجود الخالق يدل كل شيء عليه، فإنه يوجد فرقٌ جوهري من الناحية الشعورية بين معتقداتٍ خرافية يغذَّى بها الأطفال ويكتشفون عندما ينضجون زيفها وأنها لا تمتلك أي أساسٍ ولا برهان ويضحكون من أنفسهم أن آمنوا بها يوماً ما، وبين نزعة التديُّن.
هذا الشعور العميق الذي يجده الناس من أنفسهم، حتى الذي ينكره يغالب نفسه مغالبةً لإنكاره، ويبقى سؤاله يهجم عليه ويفرض نفسه عليه مرَّةً بعد مرَّة، حتى يضطرَّ الملحد إلى البحث عن تفسيراتٍ مادِّيَّةٍ لوجوده، زاعماً أن الدين أشبه ما يكون بشيء قد تم "تسليكه" في الإنسان؛ أي أنه مكونٌ صميميٌ مختلطٌ بلحمه ودمه كالشرايين والأعصاب.
التدين حقيقة تاريخية وواقعية
وهي حقيقةٌ ضاربةٌ في عمق التاريخ، حتى قال المؤرِّخ الإغريقي بلوتارك: "إذا سافرت عبر العالم، فمن الممكن أن تجد مدنًا بلا أسوار، بلا آداب، بلا ملوك، بلا ثروة، بلا مسارح، ولكن لم يكن هناك يوماً -ولا يمكن أن يكون في يوم من الأيام- مدينة بلا معبد يمارس فيه الإنسان العبادة".
والأمر لا يحتاج دراسات ولا نظراً في التاريخ، بل الإنسان يجده من نفسه؛ فإذا وقع في الشدائد تحرك في نفسه معنىً لا يستطيع دفعه بأن ثمَّت قوَّةً عليا بمقدورها إنقاذه، ووجد من حاله طلبًا والتجاءً لربِّه أن يخلِّصه من هذا المأزق. لذلك يقال في الأمثال الغربية: "لا يوجد ملحدون في الخنادق" (No atheists in foxholes)، والمقصود خنادق الحرب عندما يتعرَّضون لأخطارٍ تهدد حياتهم.
التناقض النفسي للملحد
قد يكابر الملحد، وقد تجد مجموعةً من الجنود يكتبون لوحة عليها "ملحدون في الخنادق" تبجحاً، لكن ترديدهم المرضي لمثل هذه العبارات بمناسبة أو بدون مناسبة، وشتمهم لله (مع أنهم لا يؤمنون بوجوده أصلاً)، يدل على نفسياتٍ متصارعة تغالب صوتًا عميقًا فيها وتحاول كبته.
ولفراغٍ يعصف بكثيرٍ من الملاحدة بعد أن أنكروا هذا المكون الفطري، بدأوا بتأسيس لون من التجمعات الإلحادية على نحو طقوسي مشابه إلى حد بعيد للتجمعات الدينية، مثل ما يعرف بـ "كنائس الملاحدة" التي بدأت بالانتشار في أمريكا وكندا وبريطانيا، في تعبيرٍ واعٍ أو غير واعٍ عن مكنون فطري يبحث عن شكل من أشكال المتنفس.
محاولات التفسير المادي (الجين الإلهي)
أقرَّ كثيرٌ من الملحدين بأنَّ نزعة التديّن والتصديق بوجود الله تتجاوز التأثير الخارجيَّ والبيئي وأنَّه مكوِّنٌ مركزيٌ في الإنسان. لكن هل آمنوا؟ لا، بل بحثوا عن أي متعلَّق آخر غير الإيمان بالله، فقالوا: نزعة الإيمان بالخالق ليست بالضرورة أن تكون مطابقة للحقيقة، بل قد تكون مُجرَّد توهمٍ أنتجته العشوائية، أو صفةً انتخبتها الطبيعة لتساعد الإنسان على البقاء.
وبدأت بالفعل تتشكّل مجالاتٌ معرفيَّةٌ خاصةٌ لدراسة هذه الظاهرة، فقد تفرَّع عن علم الأعصاب ما بات يُعرف بـ "Neurotheology" (علم الأعصاب اللاهوتي)، وهو مجالٌ بحثي يسعى للكشف عن طبيعة الصلة بين الجهاز العصبي وظاهرة التديّن. بل بلغ الأمر إلى التفتيش عن جينٍ مسؤولٍ عن هذه النزعة، حيث نشر عالم الجينات الأمريكي دين هامر كتابًا بعنوان "The God Gene" (الجين الإلهي: كيف ضُمّن الإيمان في جيناتنا؟)، وكتاب ماتيو ألبر "The God Part of the Brain".
تكامل الحزمة الفطرية
نقول للملحدين: على فرض أنكم وجدتم تفسيراً مادياً لنزعة التدين، فماذا عن المكونات الفطرية الأخرى؟ ما هذه الحزمة المتناسقة الموجهة التي تجعل الناس:
- مؤمنين بوجود خالق ومحبين لعبادته.
- مالكين لضرورات عقلية يفهمون بها مراده.
- لديهم نزعة أخلاقية منسجمة مع أوامره.
- لديهم شعور بالغائية يدفعهم للبحث عن الغرض من وجودهم.
- يملكون إرادةً حرةً يختارون بها الطاعة أو المعصية.
إن وجود هذه الحزمة المتكاملة ليس إلا دليلاً آخر على عظم هذا الخالق الذي أودعها في البشر وجعلها منسجمةً مع أوامره الشرعية.
في الحلقات القادمة، سنرى نتائج قول الملحد بأن ما يجده الإنسان من نفسه ضرورةً لا يلزم أن يكون حقاً، ومحطتنا التالية هي مع "الضرورات العقلية".