مقدمة: كيف ينقض الإلحاد بنيان العقل؟
السلام عليكم أيها الأحبة. في الحلقة الماضية، بيّنَّا أن الملحد حين أنكر وجود الخالق، أدى به ذلك إلى نزع الموثوقيَّة عن المكونات الفطريَّة التي يجدها الإنسان من نفسه. وسنرى في هذه الحلقة كيف يؤدي هذا الإنكار إلى سلسلة من التراجعات: إنكار المسلمات العقليّة، والأخلاق، وسؤال الغاية، والإرادة الحرّة.
لماذا لا يمكن للملحد أن ينكر الخالق ويحافظ على هذه المسلمات التي يجدها في نفسه رغمًا عنه؟ لماذا يضطر للدخول في سلسلة المكابرة والضياع هذه؟ هذا ما سنناقشه بالتفصيل، بدءًا بالضرورات العقلية. سنبحث في دلالتها على وجود الله، وكيف يسقط الإلحاد المنهج التجريبي، وهل يحترم الإلحاد العقل أم يهدمه؟ كما سنناقش تناقض الملحدين ومقولة "الحقيقة نسبية".
المنظور الإيماني مقابل المنظور الإلحادي
بدايةً، الإيمان يؤسس كل شيء على وجود الله تعالى. ففي المنظور الإيماني، خلق الله السماوات والأرض بالحق، ووضع له بحكمته سنناً ثابتة، وفطر الإنسان على فطرة تنتج له مسلمات عقلية ضرورية، ينطلق منها العقل لاكتشاف حقائق الأشياء. يقول الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، وهذا من أشكال الهداية، حيث تشبه هذه الفطرة "نظام التشغيل" للحاسوب.
أما في المنظور الإلحادي، فالإنسان وليد الصُّدفة والعشوائية لا لحكمة، وليس هناك شيءٌ اسمه فطرة. وهنا يبرز السؤال: كيف تفسرون وجود البدهيات العقليَّة؟ تلك المسلَّمات مثل: "الكل أكبر من الجزء"، "1+1=2"، "النقيضان لا يجتمعان"، و"لكل حدث سبب". هذه قواعد يبني عليها الإنسان معارفه ولا تنبني هي على شيء قبلها، فلا بد أن هناك من أودعها في النفس.
رحلة التخبط الإلحادي في تفسير العقل
بدأ الملحدون بمحاولة تفسير هذه القواعد عبر "المدخلات الحسِّيَّة" وأداة الاستقراء. زعموا أن الإنسان حين يرى تفاحة تنضم لأخرى فتصبحان اثنتين، تتكون لديه قاعدة رياضية. لكن الملحد بذلك عكس المسألة؛ فجعل المدخلات هي التي تصوغ القواعد، وهذا يشبه القول بأن كثرة البيانات المدخلة لبرنامج (Excel) هي التي تخلُق المعادلات البرمجية القادرة على تحليلها!
حتى لو زادت البيانات إلى الملايين، لا يمكن للمدخلات أن تخلق نظام التحليل. أدرك الملحدون هذه المشكلة، لكنهم أصروا على الهروب من فكرة "البرمجة المسبقة" (الفطرة) لأنها تستلزم وجود "مبرمج" أودعها في النفس.
إنكار مبدأ السببية وهدم العلم التجريبي
حين اصطدم الملحدون بمبدأ السببية (أن لكل حادث سبباً)، وجدوا أنفسهم أمام حتمية وجود سبب لهذا الكون. هنا اضطر بعضهم للقول بأن استنتاجات العقل ليست حقائق مطلقة بل هي "استقراءات ناقصة". زعموا أن السببية تعمل في حدود مشاهداتنا فقط، ولا يمنع أن يحدث شيء في زاوية من الكون بلا سبب!
وصل بهم الأمر إلى إنكار الضرورات العقليَّة بالكلِّية، والادعاء بأن ما نراه "أسباباً ونتائج" هو مجرد "اقتران أحداث" تعاقبت بلا علاقة حقيقية بينها. فعلوا ذلك ليسوغوا فكرة "كون من لا شيء" أو أن الكون "أحدث نفسه بنفسه".
هذا الكلام، وإن كان يغلف بأسماء علماء كبار، إلا أنه يهدم "العلم التجريبي" من أساسه. فالعلم قائم على رصد العلاقات السببية؛ فإذا أنكرنا السببية، يصبح البحث عن علاج لمرض ما عبثاً، لأن المرض -وفق منطقهم- قد يكون بلا سبب كالكون تماماً!
التناقض العملي للملحد
الملحد الذي ينكر السببية نظرياً، لا يمكنه تطبيق ذلك عملياً. فإذا صدم أحدهم سيارته، لن يقبل منه القول: "ارتطام سيارتي بسيارتك ليس سبباً في التلف، بل هما حدثان وقعا بالاقتران فقط!". الملحدون يمارسون الاعتراف بالمبادئ العقليَّة في حياتهم اليومية، لكنهم يتنكرون لها فقط عندما تتعلق المسألة بالحقيقة الكبرى: وجود الخالق.
التشكيك في مصداقية العقل البشري
حين يُحاصر الملحد بسؤال: "كيف تفسر اقتناع الناس جميعاً بالضرورات العقلية وعملك بها في الواقع؟"، يلجأ المنظور الإلحادي إلى "التطور الداروينى". يقولون: بما أن الإنسان جاء نتيجة طفرات عشوائية وانتخاب طبيعي هدفه "البقاء" لا "الحقيقة"، فما الذي يضمن أن عقولنا طورت لنا قدرة على الوصول إلى حقائق الأشياء؟
هنا يصل الإلحاد بصاحبه إلى أبعد من إنكار المسلمات؛ يصل به إلى التشكيك في موثوقية العقل البشري نفسه. فإذا كان عقلك قد يضللك أو يخدعك بمجرد أوهام ليحقق لك البقاء، فكيف تثق باستنتاجاتك الإلحادية أصلاً؟ أنت تستند إلى العقل لتنفي الخالق، بينما إلحادك يطعن في مصداقية هذا العقل!
من الغريب جداً أن يزعم الملحدون "احترام العقل" ويتهموا المتدينين بامتهانه، بينما الحقيقة أن الإلحاد يقود في النهاية إلى هدم موثوقية العقل. الملحد يصدق عقله المشكوك في قدرته على الدلالة على الحقيقة لمجرد أن عقله قال له: "صدقني".
مأزق "نسبية الحقيقة" والعدمية
كيف خرج الإلحاد من مأزق الاعتماد على عقل قد يضلل؟ أجابوا بإنكار وجود "حقائق مطلقة" أصلاً! قالوا: ليس للأشياء حقائق في ذاتها، بل هي مجرد قراءات لحواس الإنسان، وكل إنسان يرى الحقيقة بلونه الخاص، ولا سبيل لأحد أن يخطئ الآخر.
وهنا يجب التفريق بين الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية:
- الحقيقة المطلقة: هي الشيء في نفسه (مثل كون الخط المرسوم خطاً واحداً، فمن قال إنهما اثنان فهو مخطئ يقيناً).
- الحقيقة النسبية: هي ما يختلف باختلاف الأشخاص (مثل كون هذا الخط مفهوماً للياباني وغير مفهوم لغيره).
للأسف، يردد بعض أبناء المسلمين عبارة "الحقيقة نسبية" ظناً منهم أنها قمة الانفتاح، وهم لا يعلمون تبعاتها. فإذا قال أحدهم: "لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة"، نسأله: "هل عبارتك هذه حقيقة مطلقة؟". إن قال "نعم" فقد نقض قوله، وإن قال "لا" فهي مجرد رأي شخصي لا يلزمنا به.
هذه الميوعة والعدمية أوجدت بيئة مناسبة لفكرة "النص المفتوح" في التعامل مع الوحي، حيث يُزعم أن نصوص الدين ليس لها حقيقة واحدة أرادها الله، بل الفهم نسبي وكل الأفهام صحيحة، وهذا هدم للدين من داخله.
الخاتمة: العلم بالله أصل كل معلوم
تظهر تبعات الإلحاد حين ينكر العبارات المفتاحية التي يقوم عليها المنظور الإيماني: (الله، الخلق، الحكمة، السنن الثابتة، الفطرة، المسلمات العقلية، العقل الموثوق، الحق، الحقائق المطلقة). لدى الملحد، ينفرط عقد كل شيء، فلا حقيقة ولا علم موثوق يمكن تعميمه.
يتبين لنا أنه لا تقوم حقيقة بغير الإيمان بوجود الله تعالى، الذي له الكمال المطلق. ومن هنا نفهم عبارة أهل العلم العميقة: "العلم بالله أصل للعلم بكل معلوم". فمن لم يدرك وجود الله، لم يتمكن برهانياً من تأسيس نظرية معرفية متماسكة.
وكما قال ابن القيم رحمه الله: "فإنكار صانع الكون وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده لا فرق بينهما". بل إن دلالة الخالق على المخلوق عند العقول الزكية أظهر من العكس.
بهذا ندرك لماذا كانت القيمة العليا في الإسلام هي "الحق"، وبه ندرك عمق قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ}. كانت هذه مناقشة لدلالة البرمجة الفطرية للمسلمات العقلية، وفي الحلقات القادمة سنناقش دلالات فطرية أخرى بإذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.