مقدمة: هل الإلحاد مجرد فكرة أم منهج حياة؟
تخيَّل أنَّنا في بلدٍ يكثرُ فيها القرود ويشاطرون السكَّان البشريين لقمة العيش، ومع ذلك أطعمنا هذه القرود، وزوَّدناها بالمساكن، وعالجناها وعاملناها كالبشر تماماً، وكان هذا كله على حساب البشر الحقيقيين؛ فلم نوازن بين الرفق بالحيوان والرفق بالإنسان، فتكاثرت القرود وتلاشى البشر. هل يكون هذا تصرَّفاً أخلاقيًا؟ وما علاقة هذا بالإلحاد؟ هذا ما سنعرفه في هذه الحلقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. رأينا في الحلقة الماضية دلالة النزعة الأخلاقية على وجود الله، وأن المنكر لوجوده تعالى يفقد أي أساسٍ للأخلاق. اليوم سنرى أن هذا الإنكار -أي الإلحاد- لا يقف عند هذا الحد، بل هو السبب في الإجرام والعدوان.
الداروينية كبديل عن الخالق
الملحدون حين أنكروا الله لجأ معظمهم إلى ما يعرف بنظريَّة التطوُّر لداروين كتفسيرٍ لوجود الإنسان، وسنناقش هذه النَّظريَّة نقاشاً علمياً في الموضع المناسب بإذن الله. وإنما يعنينا هنا الإشارة إلى بعض النَّتائج الأخلاقية للتطوُّر الدارويني؛ لنرى هل هذا الذي تبنَّى التطوُّر كبديلٍ عن وجود الله، زوَّده هذا البديل بأيَّ أساسٍ للأخلاق، أم على العكس تماماً؟
التطور الدارويني يقوم على أن الكائنات جاءت عبر تطور خلية أولية بطفرات عشوائية وانتخاب طبيعي. الانتخاب الطبيعي يعني أن البقاء في هذه الطبيعة هو للكائن الأصلح في قدرته على التكيف مع الطبيعة، والبقاء للأصلح يعني الصراع مع الكائنات الأخرى "الأحط" في السلم التطوري؛ فالصراع هو قانون الطبيعة حسب داروين.
نشر داروين ذلك في كتابه "أصل الأنواع"، ثم في كتابه "أصل الإنسان" (The Descent of Man) سحب نظريته على الإنسان، واعتبر أنه تطور من أصل شبيه بالقرود. وحين يتكلم داروين عن الإنسان الأرقى تطورياً، فإنما هو يعني "الأوروبي الأبيض"، أما باقي الأجناس فهم عند داروين في مرحلة وسطى بين القرود والغوريلا وسلفهم وبين الإنسان، يعني لم يكتمل تطورهم بعد.
الداروينية الاجتماعية وإبادة الأعراق
بنى داروين ذلك على كون هذه الأجناس أقرب من الأوروبيين إلى القرود في نظره في بعض الصفات؛ كلوْن البشرة، أو محيط الرأس، أو تفلطح الأنف، أو بروز الجبهة للأمام، أو كبر حجم الفك أو الشفتين. ثم استنتج داروين أن الأعراق الرَّاقية من الإنسان لن تتابع الارتقاء التطوري إلا من خلال الصراع لإبادة الأعراق "المنحطة"، وهذا هو أساس "الداروينية الاجتماعية"، والتي تعني تنزيل قوانين داروين في الأحياء على علم الاجتماع.
وعليه، فلا مانع أن تقوم الأجناس التي تعتبر نفسها أكثر تطوراً داروينيًا باستعبادنا في الطرقات وسلب ممتلكاتنا وتسخيرنا لمنفعتهم، تماماً كما نفعل نحن بالحيوانات؛ لأننا حسب داروين مجرد حيوانات أكثر تطوراً من سائر الحيوانات، فما نفعله نحن بالحيوانات يمكن أن يفعله بنا من هم أكثر تطوراً منا.
لحظة، هذا ليس مجرد افتراض، هذا حصل بالفعل! كيف؟ يقول تشارلز داروين في كتابه "أصل الإنسان" في الفصل السادس: "في فترة ما من المستقبل، ليست بالبعيدة بمعيار القرون، فإن الأعراق البشرية المتحضرة ستبيد وتستبدل الأعراق الهمجية في كل أنحاء العالم".
أطلق داروين بأفكاره هذه الرصاصة على إنسانية الإنسان، واستند عليها الأوروبيون للقيام بإباداتٍ جماعية وحملات تطهيرٍ عرقي، خاصةً ضد الإفريقيين وسكان الأمريكتين وأستراليا الأصليين؛ فهؤلاء أقرب للحيوانات في نظر الداروينيين. صحيحٌ أنَّ كثيراً من الممارسات الإجرامية كانت تتم قبل انتشار فكرة التطوّر الدارويني، لكنَّ هذه الفكرة أراحت ضمائر المجرمين، فقد أصبح لجرائمهم مبررٌ علمي، فاستمروا في أفعالهم، بل وتصاعدت وتيرتها.
شواهد تاريخية صادمة: الأجيال المسروقة وحدائق الإنسان
ملف الإجرام الذي مورس كبيرٌ جدًّا لا يتسع له المقام، لكن إشاراتٌ سريعة تقرب لك الصورة:
بعد فكرة التطور الدارويني بدأت حملات إبادة سكان أستراليا الأصليين في أواخر القرن التاسع عشر. وقال نائب رئيس الجمعية الملكية في تاسمانيا (إحدى جزر أستراليا) جيمس برنارد عام 1890: "لقد أصبح مسلمةً بديهية أنه، ووفقًا لقانون التطور والبقاء للأصلح، فإن الأعراق الأحط من الجنس البشري يجب أن تُفسح المجال للأنواع الأعلى".
وشملت الحملات سرقة أعداد كبيرة من الأطفال الأستراليين الأصليين، وتم إرسال أعداد كبيرة منهم إلى متاحف التاريخ الطبيعي في أمريكا وبريطانيا لتحديد ما إذا كانوا يشكلون "الحلقة المفقودة" في طريق تطور الحيوان إلى إنسان. وقد اعتذر رئيس وزراء أستراليا كيفين رود للأجيال المسروقة قبل سنوات فقط، في 13 فبراير 2008.
هذا بالإضافة إلى إحداث العقم بشكل قسري، والذي كان يمارسه الداروينيون عبر العالم على العرقيات التي يعتقدون أنها أحط تطورياً، أو الذين يحملون صفات وراثية غير مرغوب بها، وبالتالي فهؤلاء عبءٌ على الطبيعة، فوجب إحداث العُقم فيهم لينقرضوا ويتحقق "تحسين النسل" أو ما يعرف بـ (Eugenics).
وللعلم، فقبل عامين فقط في فبراير 2015، وافق نواب البرلمان الأمريكي على حصول كل ضحيةٍ ما زال حياً من ضحايا التعقيم القسري على 25 ألف دولار، وذلك بعد ماراثون طويل، نتيجة ما أقرته المحكمة العليا الأمريكية في 1927 من قانون التعقيم لتحسين النسل في ولاية فيرجينيا.
يعتذرون عن الأجيال المسروقة، ويعوضون عن التعقيم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هم بذلك يتبرؤون من التطورية الداروينية ويتراجعون عنها؟ هل هم باعتذارهم يقررون بأن الناس جميعاً سواسية من الناحية البيولوجية؟ أبداً، بل لا زالوا يتبنّون الداروينيَّة، ولا زالت عقيدتها في نفوسهم.
وبدافع الداروينيَّة أيضاً، أقنع البيض بعض القبائل الإفريقيَّة أنَّها أرقى تطوُّرياً من قبائل أخرى، لاختلاف طول الأنف أو ارتفاع القامة إلى آخره، وكان ذلك أحد الدوافع لحروب إبادةٍ بين هذه القبائل التي كانت تعيش بسلام، كما في مأساة رواندا بين التوتسي والهوتو.
حدائق الإنسان: حين يُعرض البشر كالحيوانات
في الأخلاقيات الدارونية فإنه لا مانع لأمة أن تضع من تراهم أقل منها تطوراً في "حدائق إنسان" تماماً كما نضع الحيوانات في حديقة الحيوان. والمفاجأة أن هذا ليس افتراضاً بل حصل بالفعل، بل وشكل ظاهرة في أمريكا ودول أوروبية عديدة، تجد عنها معلومات وصوراً على الإنترنت تحت عنوان (Human Zoos).
هناك أرشيف صور مؤلم ومقالات كثيرة عن الموضوع، حيث كانوا يتركونهم عراةً تماماً، رجالاً ونساءً، والمطلوب منهم أن يخرجوا لزوار الحديقة، ويستديروا ليتأمل هؤلاء "الرَّاقون" تلك المخلوقات على اعتبار أنهم حيوانات.
هذه طفلة في بروكسل ببلجيكا عاملها البيض على أنها أحط منهم في السلم التطوري، فكانوا يحتفظون بها في قفص ويطعمونها كالحيوانات. وهذا "أوتا بنغا" عام 1906، والذي قتل التجار أهله وقبيلته في إفريقيا، ليبيعوه إلى الداروينيين الذين اعتبروه دليلاً على التطور، وكان مطلوباً منه أن يتصور مع الشمبانزي في حديقة برونكس في نيويورك، ومثله كثير. وقائمة المآسي الداروينية تطول.
الداروينية والحروب العالمية: صراع الغابة
بل لم يسلم الداروينيون من شرِّ أنفسهم، وباسم الداروينية أيضاً، فبعضهم رأى نفسه أرقى من البعض الآخر تطوُّرياً. فبعد أربعين عاماً من كتاب داروين "أصل الإنسان"، قامت الحرب العالمية الأولى.
ما علاقة الحرب العالمية الأولى؟ أليس سببها حسب ما تعلمناه في المدارس هو اغتيال ولي عهد النمسا وزوجته من قبل طالب صربي؟ هذه كانت مجرد شرارة لا تفسِّر اشتعال أوروبا كلِّها خلال أيام لتنخرط في هذه الحرب، إنما كانت هناك عوامل شحنت النفوس للحرب؛ أسباب دينية وسياسية، ومن أهم الأسباب انتشار "الداروينية الاجتماعية"، التي هيأت كثيراً من الأوروبيين المؤمنين بها لدخول الحرب والتصرّف فيها كحيوانات برِّية، فالصراع وسفك الدماء هو قانون الطبيعة عندهم.
وقد ذكر هذا الدور للداروينية في الحرب كثير من الكتاب، كالكاتب البريطاني جيمس جول في كتابه "منابع الحرب العالمية الأولى"، وكذلك ريتشارد هافستاتر في كتابه "الداروينية الاجتماعية في الفكر الأمريكي". بل وأنتج الفكر الدارويني كبار السفاحين كهتلر، الذي أسَّس النازية على تميُّز العرق الآري الألماني، وستالين الذي بدأ القراءة لداروين وأصبح ملحداً في سن مبكرة.
وقبل عامين نشرت "سميثسونيان" الأمريكية تقريرًا بعنوان "الحرب مظهرٌ من مظاهر الداروينية الاجتماعية" خلصت فيه إلى العبارة التالية: "عندما تلعب الداروينية الاجتماعية في غابة السياسات الدولية فإن الحروب تبدو حتمية".
وضع المرأة في الميزان الدارويني
ما القيم التي ينادي بها كثير من الملحدين الداروينيين هذه الأيام؟ الحرية، المساواة، حقوق الإنسان، حقوق المرأة. تعالوا نرى وضع المرأة حسب الأسس العلميَّة الداروينيَّة.
كان داروين قد بذر بذور وصف المرأة بالدونيَّة تطوُّرياً، ففي كتابه "أصل الإنسان" عقد فصلًا بعنوان "القدرات الذهنيَّة للرجل والمرأة". يقول غوستاف لوبون (أحد علماء الاجتماع المتأثرين بالداروينية): "هناك عدد كبير من النساء اللواتي تقترب عقولهن في الحجم من عقول الغوريلا أكثر من اقترابها من عقول الرجال الأكثر تطوراً.. هن أرقى بكثير من الرجل المتوسط، لكنهن استثناء كولادة أي مخلوق مشوه، على سبيل المثال، وعل برأسين، وبالتالي فيمكننا أن نهمل وجود هؤلاء النساء تماماً". انتهى كلام لوبون، وأعتذر لأخواتي المتابعات، لكن كما يقال: ناقل الكفر ليس بكافر.
التناقض الأخلاقي للملحد المعاصر
مما سبق أظنّه أصبح واضحًا أنّه على أساس التطوّر الدارويني الذي يتبناه الملحدون لا مساواة ولا حرّية ولا حقوق إنسان ولا حقوق مرأة؛ فهذه القيم التي ينادون بها تهدمها داروينيّتهم.
سيقول لك بعض الملحدين: "نحن لا نتفق مع كل هذه التصرّفات التي تمّت باسم الداروينية والإلحاد، بل نؤمن بقيام المساواة بين البشر". لكنّ السؤال لهم حينئذٍ: ألا تخونون داروينيَّتكم بهذا؟ أنتم بهذا تحيدون عن النَّتائج العلميَّة لنظريَّة داروين تحت وطأة انتشار شعارات حقوق الإنسان. فحسب داروينيَّتكم، عليكم أن تكونوا أوفياء للصِّراع -قانون الطَّبيعة- الذي جاء بكم إلى هذه الدنيا، وأن لا تمنعوا الطبيعة من السَّير قدماً في مشروع الانتخاب الطَّبيعي للأقوى.
أنت أيها الملحد أمام أحد خيارين: إما أن تتَّبِع أسلافك هؤلاء، وتتَّبِع نهجهم الإجرامي (الأخلاقي حسب داروينيَّتكم)، أو أن تُقِرَّ بالقيم الأخلاقيَّة وقيم المساواة بين البشر من حيث الأصل، وترفض الممارسات الداروينيَّة المذكورة، وحينئذ فأنت تناقض نفسك؛ لأنَّ تفسيرك المادِّيَّ للكون لا يصلح كأساسٍ للقيم المعنويَّة، ولأنَّ اقتراضك لأخلاقٍ من خارج منظومتك الفكريَّة المادِّيَّة هو اعترافٌ ضمنيٌ منك بفشل منظومتك المادية وعدم كفايتها.
البديل الإسلامي: كرامة الإنسان والتقوى
تفهم بعد هذا كله نعمة تأكيد الإسلام على مساواة البشر بعضهم ببعض من حيث الأصل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
فجعل مجال التنافس أمرًا يملك الإنسان أن يسعى لتحصيله؛ وهو "التقوى"، لا لون البشر ولا حجم الشفتين ولا تفلطح الأنف. وتدرك بعد هذا كله نعمة الإسلام الذي يقول نبيه عليه الصلاة والسلام: "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى"، ويقول: "النساء شقائق الرجال".
فالحمد لله الذي هدانا إلى أننا لم نوجد في هذه الأرض من أجل الصراع، بل لعبادة الله الذي جعل من أهم وسائل عبادته إحسان الإنسان للناس والرحمة بضعفائهم وإيثارهم على نفسه. والسلام عليكم ورحمة الله.