الصفحة الشخصية على الفيس بوك: https://www.facebook.com/EyadQunaibi
الحساب على التويتر: @EYADQUNAIBI الحساب على جوجل gplus.to\eyadqunaibi
الصفحة الشخصية على الفيس بوك: https://www.facebook.com/EyadQunaibi
الحساب على التويتر: @EYADQUNAIBI الحساب على جوجل gplus.to\eyadqunaibi
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إخوتي الكرام؛ نود في هذه الكلمة أن نستعرض دوافع الصراع في مالي، والتوقعات المستقبلية لها، وواجبنا تجاهها.
بدايةً، مالي من حواضر الإسلام العريقة؛ أُنشئت فيها جامعة "تمبكتو" الإسلامية قبل حوالي تسعمائة عام، فتعد بذلك من أقدم جامعات العالم. عاشت مالي في ظل دول مسلمة لقرون، منها مملكة "السونغاي" التي تحالف سلطان المغرب مع إليزابيث الأولى ملكة بريطانيا لغزوها عام 1591 ميلادي، فدمروا حضارتها واستعبدوا أهلها وعلماءها مثل أحمد بابا التنبكتي.
وما لا يعرفه الكثيرون أن عدداً ممن استعبدهم الغرب الصليبي قسراً في مالي ودول إفريقيا الأخرى كانوا خريجي جامعات وعلماء مسلمين، مثل عمر بن سعيد السنغالي (المتوفى عام 1864 ميلادي) والذي لا تزال له صور في الأرشيف التاريخي الأمريكي.
بعد ذلك احتلت فرنسا مالي في أواخر القرن التاسع عشر ومارست فيها جرائمها، ولم تدعها إلا بعد أن زرعت فيها نظاماً عميلاً تضمن به استمرار سيطرتها على مالي ونهب ثرواتها. وقد قامت الأنظمة المتعاقبة بقهر أبناء الشعب المسلم، خاصة الطوارق والعرب المتوزعين على شمال مالي وفي الدول المجاورة.
قامت حركات تحررية تطالب بحكم ذاتي وبتحسين الأوضاع المعيشية، لكن هذه الحركات لم تكن إسلامية الطابع، مما جعل المجتمع الدولي ينهج معها أسلوب الاحتواء والدعوة إلى المفاوضات مع الحكومة المركزية وتعليقها بوعود لا تلبث أن يظهر زيفها.
ثم ظهرت صحوة إسلامية في أوساط الطوارق، وظهرت جماعات اتضحت رؤيتها وعلمت أن لا خلاص لها إلا بتطبيق الشريعة التي تجمع أبناء العرقيات على كلمة سواء، وتحرر البلاد من التبعية لفرنسا ومن فساد واضطهاد الحكومات المركزية العميلة، وتحقق للمسلمين خير الدنيا والآخرة.
من هذه الجماعات "جماعة أنصار الدين" بقيادة إياد غالي -حفظه الله- والذي كان قد جرب طرق الدبلوماسية وعمل من قبل قنصلاً لدولة مالي بالسعودية، ثم اعتزل هذه الطرق وأسس جماعة أنصار الدين التي تحالفت معها جماعات إسلامية أخرى بالرؤية التحررية ذاتها.
تتسم أدبيات جماعة أنصار الدين بنقاء منهج وتوازن وحكمة ورحمة وثبات وواقعية، تنم كلها عن وجود علماء أكابر في هذه الجماعة وعن وجود مشروع حضاري متكامل لديهم على الرغم من قلة الموارد. يظهر ذلك بجلاء في المقابلات مع "سند ولد بوعمامة" المتحدث الرسمي باسم الجماعة، حيث نص على أن من أهداف الجماعة:
إن الحركات التحررية التي نشأت في كثير من أنحاء العالم بعد الحرب العالمية الثانية قامت على أفكار سياسية مثل الاستقلال والمساواة، وهي طموحات قابلة للتفاوض في نظر الغرب. لكن ما لا يقبل التفاوض عندهم (What can't be negotiated) هو إعادة الخلافة، وفرض الشريعة، ورفض القيم الليبرالية الغربية.
يقول المسؤولون الغربيون إن هذه القيم هي أسس حضارتهم وهي غير قابلة للتفاوض. وما عاد عاقل يغتر بحرص المجتمع الدولي على حقوق المرأة أو حرية التعبير، وهي تنتهك في سوريا وبورما وغيرها. المسألة ببساطة أن المجتمع الدولي لا يتحمل أبداً فكرة تطبيق الشريعة في أي مكان في العالم؛ لأنها تعني ظهور نموذج مشرق تتعطش له البشرية التي عانت من استعباد الرأسمالية وجشعها، وتعني إبطال سحر الآلة الإعلامية التي عملت طويلاً على تشويه مفهوم الشريعة.
إخواننا في أنصار الدين كانوا إذا ما دخلوا منطقة نشروا فيها الأمن ورحموا الناس وأوقفوا الضرائب والاستغلال، ووزعوا الموارد بالتساوي وحفظوا لأهل الأديان الأخرى حقوقهم، وآثروا الضعفاء على أنفسهم. إن نجاح هذا النموذج بأرض مالي يتيح للشعوب المجال أن تقارن بالأنظمة الوضعية التي أفلست إنسانياً وجرعت البشرية الويلات، ويحرم الغرب من سرقة ثروات البلاد.
كذلك الأنظمة العربية لا تتحمل نجاح هذا النموذج الذي سيصبح نبراساً ومثالاً يحتذى للشعوب الباحثة عن الكرامة، وسيكشف زيف فتاوى "ولاة الأمر" ومرحلة الاستضعاف والمصلحة والمفسدة، لذا فقد أوغلت هذه الأنظمة في الخيانة والتواطؤ مع فرنسا ضد أنصار الدين.
المجتمع الدولي الذي أشرف على نزع فتيل الثورات في مصر وتونس وليبيا، وأشرف على انتخاباتها الديمقراطية لأنه يعلم أنها ستفني أعمار الشعوب في دهاليزها ولن تحررهم من العبودية للغرب، هو ذاته الذي تحرك بعنف ودموية ورفض للتفاوض في مالي، كما فعل من قبل في أفغانستان والصومال؛ إذ هذه البقاع جميعاً تريد تطبيق الشريعة.
المتحدث باسم أنصار الدين "سند ولد بوعمامة" قال: "جماعة أنصار الدين في مرحلة تفرض عليها قبول التفاوض والبحث عن حل مع أي طرف له تأثير في هذه الأرض، ولكن بشرط واحد لا تنازل عنه وهو أن لا يكون حجر عثرة في طريق تحكيم دين الله الذي لأجله حملنا السلاح وخضنا الحرب، وما دون ذلك فإننا نقبل النقاش فيه رحمة بالناس وإعذاراً إلى الله".
بل كانت الجماعة قد أثنت على وساطة الجزائر في المفاوضات من قبل، مع أنها تعي جيداً أن الجزائر في النهاية جزء من المنظومة الدولية ومنفذة لسياساتها، إلا أن أنصار الدين كانوا يبدون كل بادرة لتجنب استعداء الأنظمة المجاورة. لكن بالنسبة للمجتمع الدولي، فتحكيم دين الله ببساطة لا يقبل التفاوض.
بدأت الحرب وانسحب المجاهدون من المدن رفقاً بالناس؛ لأن الصليبيين وأعوانهم يقصفون المدن بعشوائية طالما أن المجاهدين فيها. وتكررت المشاهد ذاتها التي رأيناها من قبل في أفغانستان والصومال ونيجيريا والشيشان؛ كلما دخلت القوات النظامية مدينة كانت قد احتضنت المجاهدين نكلت بالناس وأعدمتهم في الشوارع وانتهكت الأعراض عقوبة لهم على تأييدهم للمجاهدين.
لكن باستعراض التاريخ الاستعبادي الأسود للغرب في مالي، ثم اضطهاد الحكومة العميلة للطوارق والعرب وفسادها، فإن جذور الصراع ستبقى حية حتى لو قضت فرنسا على عامة عناصر أنصار الدين والجماعات الإسلامية الأخرى؛ فأرحام نساء مالي اللواتي اخترن الكرامة ستبقى تنجب الأبطال بإذن الله.
هذه منطقة جديدة للصراع بين الحق والباطل، فسيبقيان يتصارعان إلى أن يزهق الله الباطل ويتفجر بركان الإسلام بإذن الله من جديد. وفي الوقت ذاته نتوقع أن يتعرض إخواننا في مالي لبلاء شديد يمحصهم، فإن الذهب يصفو إذا أدخل الكير.
قبل أحد عشر عاماً عندما غزا العالم أفغانستان، ظننا كما ظن كثير من المسلمين أن الله تعالى سيحسم الأمر سريعاً بخارقة من عنده وينصر عباده في طالبان، ثم إذا بالمدن تسقط والمجاهدون يؤسرون ويقتلون بالآلاف، ونشرت صور مؤلمة لمجاهدين نُكل بهم. كانت هذه الصور صاعقة لنا إذ أننا لم نكن ندرك عملياً سنن الله تعالى في تمحيص عباده وتربيتهم واتخاذ الشهداء منهم، وبدا الأمر للكثيرين وكأنه لن تقوم لدين الله قائمة في تلك الأرض لعقود.
ثم ها نحن اليوم نرى العالم يستجدي مجاهدي أفغانستان للجلوس على مائدة المفاوضات، وتجتمع مئة وتسع وثلاثون دولة في مؤتمر "بون" لتناقش ورطتها مع المجاهدين. قد يكون أكثر عناصر الطالبان قد قتل خلال هذه السنين، لكنهم أوقدوا بدمائهم شعلة التحرر وحب الشريعة في نفوس أبناء الشعب.
كذلك إخواننا في مالي، سيبقون بإذن الله ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ولا من خانهم. قد أوقدوا شعلة الشريعة والتحرر من رق العبودية للبشر، فحتى لو اختار الله عامة عباده المجاهدين لجواره، فإن الشعلة التي أوقدوها لن تنطفئ بإذن الله حتى تلامس زيت الفطرة في نفوس المسلمين، وينفجر بركان العزة ليحرق الأرض من تحت الطغم الحاكمة وأعداء الإنسانية ومسترقيها، ويقود المسلمين إلى مجد جديد.
فليختر كل منا لنفسه مكانه من هذه الشعلة؛ فمن أسهم فيها بسهم خير فهنيئاً، ومن نفخ عليها ليطفئها فالله متم نوره ولو كره الكافرون، ومن وقف متفرجاً فليعد لموقفه أمام الله جواباً. فلنعمل إخواني لتوضيح حقيقة هذه الحرب الصليبية وخيانة المشاركين فيها من بني جلدتنا، ومناصرة إخواننا الذين لهم حق علينا، كل بما يستطيع من نصرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.