Les mouvements politiques islamique (La psychologie de la déviance 2)-Dr. Eyad Qunaibi
الصفحة الشخصية على الفيس بوك: https://www.facebook.com/EyadQunaibi4
الحساب على التويتر: @EYADQUNAIBI الحساب على جوجل gplus.to\eyadqunaibi
الصفحة الشخصية على الفيس بوك: https://www.facebook.com/EyadQunaibi4
الحساب على التويتر: @EYADQUNAIBI الحساب على جوجل gplus.to\eyadqunaibi
السلام عليكم ورحمة الله، إخوتي الكرام. تكلمنا في الحلقة الماضية من "سيكولوجية الانحراف" عن أسلوب "الالتزام والتوافق" الذي استخدمه المحققون الصينيون في استدراج الأسرى الأمريكيين لتغيير مبادئهم والتعاون معهم. اليوم سنتأمل إسقاطات هذا الأسلوب على واقع الحركات المنتسبة للعمل السياسي الإسلامي.
رأينا في سيكولوجية الانحراف أن الأسير كان يُطالب بداية بتصريح يبدو عديم الأهمية وعديم التبعات، ينتقص فيه ولو قليلاً من نظام دولته، أو يلين قليلاً لنظام الدولة المعادية. بدأ الأسير بعبارات مثل: "أمريكا ليست كاملة" أو "لا بطالة في الشيوعية"، وتدرج به الأمر حتى أصبح في النهاية واشياً عن رفقاء سلاحه إن حاولوا الهروب من معتقلهم.
قارن ذلك بتصريحات بدأت بها الحركات الإسلامية السياسية مثل: "الديمقراطية مبدأ باطل يتعارض مع الإسلام، لكنها الوسيلة الوحيدة المتاحة للوصول إلى الحكم الإسلامي، فسنتخذها مطية لذلك لا هدفاً". إذن بدأ الأمر بإنكار الديمقراطية لكن مع اعتبار التعاطي معها ضرورة.
ثم تطورت الأمور فأصبحنا نسمع اعترافاً بالديمقراطية، فإذا ما روجعوا قالوا: "نحن لا نتكلم عن الشق التشريعي من الديمقراطية، إنما عن آليات الديمقراطية ووسائلها". إذن أصبحت كلمة ديمقراطية عندهم حمالة وجوه، يجوز إقرارها بنية الوجه الصحيح منها الذي لا يتعارض مع الإسلام.
ثم تطورت الأمور إلى أن أصبحنا نسمع عبارات مثل: "لا بد من الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، إرادة الشعب هي الفيصل في المبادئ والأفكار"، وهذه التصريحات هي خلاصة الديمقراطية التشريعية، خلاصة الديمقراطية كمنهج حياة. ثم وصل الأمر إلى إيجاب التصويت بـ "نعم" للدستور الديمقراطي، معللاً بعضهم ذلك بالعبارات المقيدة في المضابط الخافية عن عيون الناس، بينما يعترف البعض الآخر بأنه دستور شركي، لكن يرى إقرار هذا الشرك هدفاً مرحلياً لمنع استبداد العلمانيين والفلول.
هذا فيما يتعلق باللين للنظام غير الإسلامي، أما فيما يتعلق بانتقاص الأسير من نظام دولته شيئاً فشيئاً، فيشبهه في واقعنا التصريحات المتتالية التي فيها غض من قيمة الشريعة أو اجتزاء منها بطريقة أو بأخرى.
فبدايةً كانت الشريعة كاملةً هي المطلب الأوحد الذي لا نكوص عنه في حال الوصول إلى الحكم، ثم إذا ببعض الحركات السياسية الإسلامية تشارك في السلطة فتلتزم بالقانون الوضعي، مما أثار عليها المطالبين بتحكيم الشريعة. فوجدت الحركات السياسية نفسها وسط معركة الرد والإفحام مضطرة للدفاع عن نفسها وعما تبنته من ديمقراطية، ومنتقصة لخصومها وما يدعون إليه من تطبيق الشريعة.
وهنا الخطورة؛ فالانتصار للنفس وللمنهج المنحرف كان في المحصلة على حساب الشريعة، وأدى إلى الانتقاص منها بوجه أو بآخر:
لاحظ أنه حتى تلك المرحلة كان يُسلّم بوجوب تطبيقها إنما بشروط ومحددات، ثم إذا بنا نسمع شعارات مثل: "الحرية قبل الشريعة"، "الاستقرار قبل الشريعة"، في سياقات تصرح أحياناً بأن هذه القيم مقدمة على الشريعة.
إلى أن وصل الأمر وسط معركة الجدال إلى أن نسمع من إسلاميين لمزاً بالشريعة وأقوالاً لا تختلف في مؤداها عن أقوال العلمانيين، وكأنهم انتهوا حيث بدأ العلمانيون. فسمعنا من مفتي حركة مدافعاً عما فعلته حركته بجماعة منادية بتطبيق الشريعة قوله: "هؤلاء يتباكون على الشريعة المعطلة في نظرهم، ولا يهدأ لهم بال حتى يروا رؤوساً تتطاير وأيدياً تقطع وظهوراً تجلد"، وهذا فيه لمز واضح بالحدود الشرعية ونفور وتنفير منها للأسف الشديد.
وسمعنا في فتنة الدستور من شخصيات معتبرة عبارات مثل: "لا مكان حالياً لإقامة الخلافة، اذهبوا وأقيموا دولتكم وطبقوا الشريعة في الصحراء"، وهي عبارات لا تختلف عن عبارات العلمانيين، والله المستعان. كما وصل الأمر إلى أن يبرر المبررون بأن هذا الحزب الإسلامي أو ذاك لم يأتِ أصلاً لتطبيق الشريعة، هو حزب مدني بمرجعية إسلامية ولن يطبق الإسلام!
بدأ الأمر بتصريحات بسيطة، كلمة هنا أو جملة هناك يعتبرها البعض غير ذات قيمة، لكن قائليها التزموا بها واضطروا للدفاع عنها، ثم إذا بالركب ينحرف بشكل كامل. الانتقال من تنازل لآخر كان انسيابياً ولا شعورياً أحياناً، وساعد في هذا الانتقال عوامل منها:
أن كل تصريح منحرف خطير كان يلقى جيشاً من المبررين المغلبين للعاطفة، الذين يحسبون حسن الظن نافعاً على كل حال، ولا يعلمون أنهم بوضع حسن الظن في غير موضعه يساعدون في انجراف الناس إلى الهاوية. فتعذر هؤلاء المبررون بداية بأن هذه التصريحات سياسية يراد بها مراوغة العدو، لكنهم انتهوا بتبرير الباطل ذاته في النهاية.
التنازلات عن الثوابت موثقة توثيقاً مرئياً ومسموعاً ومكتوباً، ولذا حرصت الأنظمة وصاغة الدساتير على إلزام النائب والرئيس بالقسم على احترام الدستور الذي يجعل التشريع لغير الله تعالى، وهذا من أكبر فخاخ الالتزام والتوافق.
ثم عند كل تنازل، لم يهدأ بال لأعداء الإسلام الصرحاء حتى حشروا هؤلاء المتنازلين في الزاوية وألزموهم بتبعات تصريحاتهم، فأقر بها المتنازلون علناً. قالوا لهم: "هل سترضون بنتائج الصندوق أياً كانت؟" ردوا: "نعم أياً كانت"، فشكلت هذه التصريحات مواقف تنازلية جديدة.
فتح هذا الالتزام العلني جبهة جديدة مع من يحاكم مواقفهم إلى شريعة الله تعالى، فوجد المتنازلون أنفسهم محاصرين وسط مثلث من الضغوط:
الذين يحس المتنازلون تجاههم بعقدة النقص، ولا زالت أرواحهم محبوسة في سجونهم الفكرية وإن أخرجت أجسادهم الثورات. هؤلاء الأعداء لن يسكتوا إن تراجع المتنازلون عن تصريحاتهم أو حاولوا تأويلها بما يتوافق مع الشريعة، بل سيطالبونهم بالمزيد من "المدنية" و"العلمنة".
وهم الذين ينادون بحق بحرمة التنازلات، لكن لا يحسن بعضهم التوازن بين بيان فساد المنهج من جهة، والرحمة بالمخالفين وإرادة الخير بهم من جهة أخرى؛ مما يجعل العزة بالإثم تأخذ هؤلاء المتنازلين، ويطغى عليهم الانتصار للنفس بدلاً من الانتصار للحق.
العوام الذين يعلمهم المتنازلون في المساجد أن التذبذب والمراوغة ليست من صفات المؤمنين، وهم يحبون الشجاعة والجرأة. لذا يحرص المتنازلون على إرضاء قاعدتهم الشعبية وإقناعهم بسداد منهجهم وإبطال منهج مخالفيهم، فكان لا بد من أن يظهروا منسجمين مع تصريحاتهم ومواقفهم.
وكما بينا في الحلقة الماضية، يبدو الشخص الذي يتصرف بأشكال متناقضة في عيون الناس متقلباً، غير واثق، مشتت الفكر، وغير جدير بالثقة. ولتجنب هذا التضارب أمام شعبهم، انبرى المتنازلون للدفاع عن مواقفهم المصادمة للشريعة، حاطبين في الليل لأي دليل شرعي أو عقلي يشهد لها، على طريقة "اعتقد ثم استدل"، وهي طريقة لا يصيب حاملها الحق أبداً.
حتى يقنعوا الناس، كان لا بد أن يقنعوا أنفسهم أولاً، ففاقد الشيء لا يعطيه. وخدعوا أنفسهم للأسف حتى أقنعوها، وحصل تغير حقيقي في النفسيات التي أصبحت تصريحاتها ومواقفها جزءاً من كيانها.
وبهذا قاد "الالتزام" إلى "التوافق"؛ التزموا بتبعات تنازلاتهم، ثم وافقوا نفسياتهم مع هذه التبعات. هذا التغير النفسي سهل تقديم تنازلات أكبر، وفي كل مرة ينقشع غبار المعركة عن تحويل مسألة من القطعيات إلى مسألة ظنية اجتهادية، وهكذا جاء الهدم على الثوابت واحداً تلو الآخر.
والعجيب أن هؤلاء المتنازلين كثيراً ما يبررون تنازلاتهم الجديدة بعبارات لا تعني إلا أنهم وقعوا في الفخ، وهي قولهم: "لنكن صريحين، فالذي يقبل بالديمقراطية وشروطها عليه أن يقبل باستحقاقاتها، لا يجوز أن نتحدث عن العدالة والمساواة والحرية ثم نضع الشروط المانعة (أي الشروط الشرعية)". يذكرون هذه العبارة الببغائية وكأنها الدليل الناسخ لكل دليل، وما هي إلا تعبير صريح عن أنهم نصبوا لأنفسهم فخاً محكماً أعانوا أعداءهم عليه ثم وقعوا فيه.
كان هذا ما يتعلق بعاملي التوثيق والالتزام العلني، وسنتكلم في المرة القادمة بإذن الله عن عاملي "بذل الجهد الإضافي" و"الدافعية الذاتية". لكن نقول ختاماً: لأجل هذا كله، ولِحِكَمٍ يعلمها الله، حذر عز وجل من الانحراف البسيط وغلّظ عقوبته، فهو سبحانه يعلم هذه العواقب الوخيمة.
نحن كبشر أضعف من أعدائنا الذين يكيدون ويوظفون العلوم النفسية والاجتماعية لحرفنا عن ديننا، إلا أن نعتصم بحبل الله ونعض على سنة نبينا بالنواجذ. انظر إلى قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}.
هذا "الشيء القليل" لن يكون فعلاً كفرياً يقيناً، فالفعل الكفري ليس شيئاً قليلاً، ومع ذلك لو وقع منه ﷺ لأذاقه الله عذاباً مضاعفاً. وانظر إلى قوله تعالى: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، وقوله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}.
لا والله، لن تنصر المتنازلين تنازلاتهم في الدنيا، ولن تنصرهم من عذاب الله في الآخرة إلا أن يتداركهم برحمته ويردهم إلى الحق رداً جميلاً. {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ}.
فإذا كان هذا الوعيد فيمن قال "سنطيعكم في بعض الأمر"، فكيف بمن أطاعهم في الديمقراطية كمنهج حياة؟ فمن تعامى عن هذه النداءات الإلهية فقد الحصانة، وضره كيد أعدائه، فلا يلومن إلا نفسه. نسأل الله أن يهدي الضالين ويصلح أحوال المسلمين.