السلام عليكم. في ظل خضوع ساسة العالم للغطرسة الأمريكية وتواطئهم معها على إذلال الشعوب وذبح المسلمين في غزة وغيرها، وفي ظل الخضوع للكيان الصهيوني وجثو كثيرين عند حذائه أذلة صاغرين، أصبح الناس بحاجة إلى رؤية أي نموذج يخرج في الظاهر عن هذه القبضة المحكمة والسيطرة المقيتة.
أصبحوا يتعطشون لرؤية اللوبي الصهيوني في أمريكا يفشل ولو مرة في تنجيح من يريد في الانتخابات. وفي ظل نهب خيرات بلاد المسلمين ورؤيتها تصرف لتمويل ذبحهم في السودان ودعم كل شر في كل زاوية في هذا الكوكب، أصبحوا يتعطشون لرؤية من يعد منتخبيه بحياة أفضل وإصلاحات اقتصادية واجتماعية. وفي ظل المكر ضد كل محاولة للمسلمين للنهوض، أصبحوا يتعطشون لرؤية من ينتسب إلى الإسلام ينجح في شيء ما، يبحثون عن أي بارقة أمل وسط هذا المشهد القاتم.
هذا كله متفهم يا إخواني، لكننا كمسلمين مطالبون بأن لا تجنح بنا العاطفة كورقة في مهب الريح، بل لدينا ثوابت ومعايير ربانية نبصر بها حقائق الأشياء، ولدينا كتاب رباني نتخذ على أساسه المواقف.
لن أناقش معك الأبعاد السياسية لوصول "ممداني" إلى منصب عمدة نيويورك، ولا الممكن وغير الممكن أن يفعله في دولة كأمريكا لها سياساتها بغض النظر عن طبيعة الأشخاص الذين ينتخبون لتنفيذ هذه السياسات. كما أنني لن أنكر على أحد أن يفرح بمؤشر هذا الحدث على تراخي القبضة السياسية الصهيونية وتململ الرأي العام الأمريكي من القبضة الإعلامية الصهيونية، وإنما الذي يعنينا هنا هو معالجة تشوه المفاهيم الذي يظهر في التعامل مع أحداث كهذه؛ من حيث تشوه مفهوم الإسلام ومن حيث التطبيع مع الفواحش.
لذلك فنقاش "هو أحسن من غيره" لا يعنينا، لسنا بصدد مقارنة الأشخاص وإنما تصحيح الأفكار.
مع أنهم يعلمون أنه يعبر عن نفسه بأنه "مسلم اشتراكي ديمقراطي داعم للمثلية"، فإن جمع الإسلام مع هذه الأوصاف هو جمع للمتناقضات التي يستحيل اجتماعها، والذي يقتنع بأن هناك من يجمعها معاً فهو لم يفهم معنى الإسلام. إن تبني الاشتراكية والديمقراطية، وأن فعل قوم لوط حق من حقوق أصحابه، هو تبنٍ لما يعارض الإسلام من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والأخلاقية، فماذا بقي من الإسلام بعد ذلك؟
الفعل الذي سمى الله فاعله في القرآن الكريم بالمجرمين: قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ
وفي الآية الأخرى: إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ
وقال تعالى حكاية عن لوط: قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ
فعلٌ وصف الله فاعليه بأنهم مجرمون، فاسقون، مفسدون؛ والذي يقول "بل هو حق من حقوقهم" ويخرج في مسيراتهم رافعاً أعلامهم، هذا مكذب لله تعالى وآياته. ففي سورة الأعراف: بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ويقول هؤلاء: بل هم يمارسون حقهم!
وفي سورة الشعراء: بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ فيقول هؤلاء: بل هذا الفعل ليس فيه اعتداء على أحد ما دام بالتراضي!
وفي سورة النمل: بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فيقول هؤلاء: بل هذا فعل لا شيء فيه!
يقول تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ فيرد هؤلاء: ليس فيه جريمة، بل يجب أن يُجرّم من يجرّمهم، ويعاقب بنص القانون من يتهجم عليهم!
نحن هنا يا إخواني لا نتكلم عن صغيرة من الصغائر، بل نتكلم عن أصل الاستسلام لله تعالى على ملة إبراهيم عليه السلام إذ قال: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ
قد نقع في ذنوبٍ ومعاصٍ، لكنك معترفٌ لله تعالى بأنها ذنوب ومعاصٍ: وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
إن من أعمال القلوب التي لا يكون المرء مسلماً إلا بها هي أن ينقاد المسلم لحكم الله تعالى، حتى إذا فعل خلافه في الواقع، إلا أنه يقر بأن حكم الله تعالى هو الحق والعدل وما عداه هو الباطل والظلم.
ندرك أن كثيراً من المسلمين محبط ومتألم من الواقع ويريد بارقة أمل، لكن هذا لا يعني يا كرام أن نشوه مفاهيم الإسلام ونلغي تعريفه من أساسه، فهذا والله لا يزيدنا إلا بعداً عن العزة والنصر والتمكين، وإذا هان علينا حق الله كنا على الله أهون.
الثناء على من يدافع عن الفاحشة التي وصف الله أصحابها بما سمعنا هو تطبيع مع هذه الفاحشة، بل وتدمير للمعيارية الأخلاقية الإسلامية برمتها؛ فيصبح مقبولاً لدى الناس أن يقال: "صحيح أن فلاناً يدافع عن حقوق (الفلانيين) -الكلمة التي لا نستطيع قولها على مواقع التواصل- لكنه مع ذلك ينصر القضية الفلسطينية، ويقول لا للساسة الأمريكان واللوبي الصهيوني، ويعمل لصالح مدينته ومجتمعه، وهو شخص محبوب متواضع"، وتبدأ المقارنات الفارغة بين السيء والأسوأ.
لو قلت لك: "صحيح أن فلاناً يقتل الأطفال ويشويهم، صحيح أنه يسرق أموالنا ويطردنا من بيوتنا، لكن فيه خصالاً حسنة أحترمه من أجلها"، فأظنك سوف تستبشع هذا الكلام ولن تصفه بأنه توازن وحكمة ووسطية واعتدال. فكيف أصبح تبديل شرع الله واستحلال ما حرم الله أمراً هيناً نسبياً أمام حسنات الأشخاص ما داموا ينصرون قضية فلسطين ويسعون لتحقيق الرفاه لمجتمعاتهم؟
لا والله لن تنتصر فلسطين إذا بقي المسلمون هكذا، ولن يزاح عنهم تسلط أهل الخزي والعار إذا بقوا هكذا، ولن يتحقق لهم عز ولا رفاه ولا كرامة دنيا ولا آخرة إذا بقوا هكذا. ومرة أخرى، لا ننكر عليك أن تفرح بمؤشرات الأحداث، لكن هذا لا يعني أن تعتبرها فوزاً وعزاً للإسلام، وأن هذا الشخص يمثل الإسلام أو أنه قدوة.
أيضاً، العتاق من الهيمنة الأمريكية والصهيونية ليس شيئاً نفرح بمؤشراته فحسب ثم نقف موقف المتفرجين، بل يجب أن نعمل له بكل ما أوتينا من قوة. أحداث غزة وما تبعها من تحولات في الرأي العام هي فرصة منحنا الله إياها وعلينا أن نستثمر هذه الفرصة بكل طريق مشروع. تميع المفاهيم والاستهانة بحرمات رب العالمين ليس من هذا العمل المطلوب، بل لا يزيدنا إلا هواناً على الله وخسارة للفرص.
ولاحظوا يا كرام أننا في هذا كله تكلمنا عن جانب واحد، وإلا فتبني "ممداني" للاشتراكية والديمقراطية لا يقل باطلاً وسوءاً عن دعمه لفاعل الفاحشة. نحن هنا لا نتكلم عن دخول الانتخابات الديمقراطية سعياً لتحقيق منافع معينة مع الإقرار بأن حق التشريع هو لله تعالى -فلا يقل لنا أحد إن هناك من العلماء من أباح الدخول في هذه الانتخابات، فليس هذا موضوعنا- بل نتكلم عن شخص يعلن تبنيه للديمقراطية والاشتراكية كمنهج حياة، وهذا لا يمكن جمعه مع الإسلام بحال من الأحوال.
إن رفض مرجعية الشريعة هو أصل كل فساد أخلاقي واجتماعي وسياسي واقتصادي وكل أنواع الفساد. ونذكركم يا كرام في النهاية: أنت مسلم ترد الأمر كله إلى حكم الله ورسوله، وإلا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
والله المستعان، والسلام عليكم ورحمة الله.