مقدمة حول الموقف من الساحة السياسية المصرية
السلام عليكم ورحمة الله، إخوتي الكرام. المتابع لتعليقاتنا على أخطاء "مُسلمي الديمقراطية" المنخرطين في العمل السياسي، يلاحظ أننا توقفنا عن نشر أي شيء يتعلق بالساحة المصرية مؤخراً. وقد كان هذا عن عمد، نظراً لما استجد من احتقان بين الرئيس المصري ومعارضي قراراته؛ فلم نرد لنقدنا أن يبدو وكأنه مناصرة لخصوم الأحزاب المنتسبة للعمل الإسلامي، خاصة وأن كثيرين يفكرون بعقلية "إن لم تكن مع الأهلي فأنت مع الزمالك".
بالنسبة لنا، فالشريعة ليست موضوع الخصومة بين الطرفين، وبالتالي فمنهجنا لا يسمح لنا بالتدخل لنصرة طرف على طرف ما دام أن الشريعة خارج الحسبة أصلاً، ونحن ندور معها حيث دارت. وإن كنا يقيناً لا نتمنى أن يتغول أي طرف يعادي الدين صراحة، لكن تمنينا لأمرٍ قدراً شيء، ومناصرته شيء آخر.
التحذير من استخدام الشريعة كأداة للحشد السياسي
إلا أن ما دفعني بعد صمت إلى الحديث هو الدعوات التي تصاعدت مؤخراً إلى نصرة قرارات الرئيس من باب "نصرة الشريعة"، واستخدام الشريعة كـ "زر استحضار" للجماهير لحشد أكبر عدد ممكن. فيا من تستخدمون الشريعة، أجِلّوها عن هذا الدور نرجوكم!
لقد طوفتم من قبل ببعض المشايخ على المحافظات ليقول أحدهم وبكل صراحة: "إن اختيارنا للدكتور مرسي يعني اختيار الشريعة"، وكان مؤيدو مرسي يسمعون هذه الكلمة ولا ينكرونها. حتى إذا أصبح رئيساً وبدأنا نتساءل عن الشريعة التي اختيرت باختياره، رد علينا مؤيدوه بقولهم: "الإخوان لم يعدوا بتطبيق الشريعة، بل هم يريدون الإصلاح ما استطاعوا".
فإذا تم استخدام الشريعة بهذا الشكل مرة تلو الأخرى، فأخشى ما نخشاه انطباق قصة "الراعي والذئب"؛ بحيث إن خرجت دعوة قوية نقية صادقة لإحياء الشريعة، مجّ الناس شعاراتها وقالوا: "هذا إفك قديم".
حقيقة الموقف من الشريعة في الخطاب الرسمي
لا أريد الخوض هنا في نقاش مع من لم يتابعنا من عشرة أشهر ليعلم دوافعنا لما نقول، ولا أتكلم عن النوايا الباطنة، بل أقول لمن يقرنون نصرة الرئيس بنصرة الشريعة: الرئيس نفسه لم يدّعِ ذلك، فلا تُقوّلوا الرجل ما لم يقله.
وهي المبادئ التي اتفقت عليها النصرانية واليهودية المحرفتان، والبوذية والكونفوشيوسية والهندوسية، بل والرأسمالية والاشتراكية كذلك. هذه هي الشريعة عنده، وليست الشريعة التي تهيمن على الدستور هيمنة كاملة، ولا الشريعة التي تمنع من محاربة الإرهاب وتبادل السفراء مع الكيان الصهيوني، ولا الشريعة التي تحرم قروض صندوق النقد.
إنها الشريعة التي تتبنى نصوصاً توراتية في المناهج من باب التسامح والتعايش، وهي الشريعة التي تقول: "من بدل دينه فاحترموه"، كما في المناهج التي صيغت في العهد الإسلامي الجديد.
الرد على دعاوى النوايا الباطنة والتمكين
فإن قال قائل: "إن الرئيس يبطن في أعماق قلبه نية صادقة لتطبيق الشريعة، وأنه ما نهج السياسات التي انتقدناها حتى الآن إلا ليصل إلى مرحلة تمكنه من تطبيقها، حتى إذا ما تمكن فإنه سيغير الدستور الأسود الذي يقرّه حزبه الآن بما فيه من مصادمات لأصول الشريعة، وسيمتنع عن سداد ديون صندوق النقد الذي استدانه هو"، فإني لم أُؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم.
فيا من تخلطون نصرة الرئيس بنصرة الشريعة، أيدوا من شئتم وعارضوا من شئتم، لكن لا تقحموا الشريعة في هذا المخاض وأجِلّوها عنه، ولا تخلطوا الأوراق رجاءً؛ فالمعركة الآن ليست معركة الشريعة بأي شكل من الأشكال.
دعوة للصراحة والوضوح
كونوا صرحاء مع الناس وقولوا: "إنكم تؤيدون الرئيس خوفاً من أن يؤول الأمر إلى معادي الشريعة الصرحاء"، أو لأن "دولة ديمقراطية عادلة بمسحة إسلامية كافية في نظركم"، أو لأن "تطبيق الشريعة غير ممكن في الوقت الراهن في نظركم". قولوها بصراحة، وليوافقكم بعد ذلك من وافقكم وليخالفكم من خالفكم، لكن لا تقحموا الشريعة في هذه المعركة.
ختاماً، لا أقول هذا لأني من "الأهلي" أو من "الزمالك"، وإنما نصرة للشريعة. أسأل الله أن يفرج كرب المسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله.