مقدمة: وفاء النبي ﷺ وملابسات فتح مكة
هناك موقف عظيم جداً، اسمحوا لي أن نطيل النفس فيه، فقد سطرته بأسلوب أدبي بعض الشيء. قبل أن أذكر هذا الموقف الذي يعبر عن وفاء النبي ﷺ، لا بد من شرح الملابسات؛ ذلك أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة وعفا عن أهلها، طوى بذلك صفحة من الآلام والعذاب والإيذاء الذي تعرض له هو وأصحابه في مكة لعشر سنوات، بالإضافة إلى ثلاث سنوات من الدعوة السرية.
بعد عشر سنوات من المعاناة الشديدة، من الضرب والاستهزاء والتكذيب والسخرية والتعذيب والقتل لأصحابه ﷺ، طوى صفحة هذه العذابات والآلام، يضاف إليها ثماني سنوات بعد الهجرة في الحروب. كان ﷺ حريصاً أن يفتح قلوب أهل مكة للإسلام، وليس فقط فتح الأراضي؛ كنا نريد فتح القلوب، وكان يتحين الفرص لذلك.
غزوة حنين: الاختبار الصعب والثبات العظيم
كانت غزوة حنين، التي تحالفت فيها قبائل العرب الباقية على الشرك محاولةً القضاء على الإسلام في آخر محاولة لهم، هي الطلقة الأخيرة التي حاولوا فيها جمع كل طاقتهم للتخلص من النبي ﷺ. فخرج إليهم رسول الله ﷺ وأصحابه من المهاجرين والأنصار، وخرج معهم أهل مكة حديثو العهد بالإسلام (مسلمو الفتح)، ومن لم يسلم أيضاً؛ حيث كان هناك أناس بقوا على شركهم ولم يجبرهم النبي ﷺ على الإسلام، لكنهم خرجوا للدفاع عن مكة.
وفوجئ رسول الله وجيشه بهجمة شرسة مباغتة من المشركين الذين كانوا على طرفي الوادي، فبينما هم سائرون، إذا بالرماح والنبل والسهام تنهال على جيش المسلمين من كل حدب وصوب. انتشر الرعب في صفوف المسلمين وتخلخلت صفوفهم ففروا في كل اتجاه، لكن ثبت رسول الله ﷺ في قلب المعركة كالجبل الأشم.
حين نتكلم عن أحداث غزة وأحداث المسلمين اليوم، نستقي الشجاعة وقوة القلب ورباطة الجأش من سيدنا محمد ﷺ في مثل هذه المواطن. ثبت ﷺ وجرد سيفه واندفع باتجاه المشركين على بغلته، ويقول العباس عم النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "وطفق رسول الله يركض على بغلته قِبَل الكفار"، والجيش منفض عنه، وهو مندفع نحوهم والعباس يحاول إمساك لجام البغلة ليكفها من خطورة الموقف، وهو ﷺ لا يألو يسرع نحو المشركين.
يقول البراء بن عازب: "فما رؤي من الناس يومئذ أشد منه"، أي لم يُرَ أحد أثبت ولا أشجع من النبي ﷺ، وقال: "كنا والله إذا احمر البأس نتقي به". كان عمره ﷺ حينها 61 سنة، وقبيل وفاته بسنتين، وكان الشجاع من الصحابة هو الذي يحاذيه في القتال، فلا أحد يقدر أن يتقدم عليه.
نداء الوفاء: يا أصحاب السمرة
في تلك اللحظات المروعة التي تشيب لها مفارق الولدان، والمسلمون في هلع وجزع، عرف رسول الله ﷺ أن هذه اللحظة تحتاج كلمة تحرك الأبطال، فقال لعمه العباس -وكان جهوري الصوت-: "يا عباس، اصرخ قائلاً: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة". و"السمرة" هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان على الموت.
نادى العباس بأعلى صوته، فما إن سمع الأنصار النداء حتى عطفوا دوابهم باتجاه الصوت، وانقلبوا من الفرار إلى الهجوم في تحول عجيب (180 درجة). هذا هو تأثير الكلمة والتربية على الإسلام؛ تربية الابن على النخوة والنجدة واحترام الكلمة والوفاء بالعقد. تذكروا البيعة والعقد الذي تم تحت الشجرة، فرجعوا وهم يقولون: "لبيك لبيك".
حتى الذين لم تطاوعهم دوابهم من شدة الهلع، كانوا ينزلون عن ظهر البعير ويأخذون سيوفهم وتروسهم ويسرعون ركضاً باتجاه صوت العباس. وهكذا أوفى الأنصار وبقية أصحاب السمرة بالعهد، وقاتلوا ببسالة حتى أنزل الله نصره، وفلت جموع الكفر منهزمة مخلفة وراءها النساء والصبيان والأموال.
تأليف القلوب وتوزيع الغنائم
بعد الانتصار، جاء دور توزيع الغنائم. النبي ﷺ الذي عفا عن أهل مكة بالأمس، لم يعاقبهم اليوم على فرارهم، بل ولم يعاتبهم، بل أعرض عن ذلك صفحاً. والأعجب من ذلك أنه وزع أكثر الغنائم عليهم ليشرح صدورهم للإسلام، ليعلموا أنه ما فتح مكة ليحتل أرضهم أو يسلب أموالهم.
أعطى سادات القوم مئات من الإبل ليتألف قلوبهم وقلوب من تحتهم، وأعطى فقراء المهاجرين، ولكن ماذا عن الأنصار؟ أبطال الميدان الذين ثبتوا واستبسلوا، كان نصيبهم من الغنائم "صفراً".
أما نصيب القائد الشجاع ﷺ، فتخبرنا عنه أمنا عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي رواه البخاري: "توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بـثلاثين صاعاً من شعير". لقد كان ﷺ ينفق أمواله أولاً بأول، وكان يقول:
"والذي نفس محمد بيده، ما يسرني أن أحداً (جبل أحد) يحول لآل محمد ذهباً أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت وأدع منه دينارين، إلا دينارين أعدهما لدين".
عتاب المحبين ووفاء سيد المرسلين
وجد الأنصار في أنفسهم (حزنوا وعتبوا) حين رأوا الغنائم تذهب لقريش وقبائل العرب وهم لا شيء، وقال قائلهم: "لقي والله رسول الله قومه". كانوا يخشون أن يتركهم النبي ﷺ ويبقى في مكة بعد أن فتحها الله عليه.
دخل سعد بن عبادة على النبي ﷺ وقال: "يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء". فسأله النبي ﷺ: "فأين أنت من ذلك يا سعد؟" قال: "يا رسول الله، ما أنا إلا امرؤ من قومي". فقال ﷺ: "فاجمع لي قومك".
وقف النبي ﷺ فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟" قالوا: "بلى، الله ورسوله أمنُّ وأفضل".
ثم قال ﷺ: "ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟" قالوا: "بماذا نجيبك يا رسول الله؟ ولله ولرسوله المن والفضل". فقال ﷺ:
"أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدقتم: أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك".
لقد كان ﷺ يلقنهم ما يمكنهم الرد به، ليظهر للعالم أجمع فضلهم وأدبهم، وليؤكد لهم أنه لم ينسَ تضحياتهم. ثم قال لهم الكلمات التي جففت دموعهم:
"أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار".
بكى الأنصار حتى أخضلت لحاهم، وقالوا: "رضينا برسول الله قسماً وحظاً". لقد عرفوا أن النبي الوفي لن يفارقهم، وأنه سيعود معهم إلى المدينة، وفاءً للعهد القديم: "الدم الدم، والهدم الهدم".
هكذا تجلت أسمى معاني الوفاء في سيرة المصطفى ﷺ، فلم يكن الوفاء عنده مجرد رد للجميل، بل كان منهج حياة وعقيدة راسخة. لقد كان بإمكانه ﷺ أن يستأثر بالغنائم لنفسه أو لآل بيته، أو أن يغدق على الأنصار من حطام الدنيا ليُسكت عتبهم، لكنه أراد لهم ما هو أبقى وأسمى؛ أراد لهم "رسول الله" نفسه.
مكانة الأنصار في قلب النبي ﷺ
لم يتوقف وفاء النبي ﷺ عند تطييب الخواطر في حنين، بل جعل حب الأنصار علامة من علامات الإيمان، ووصية باقية لأمته من بعده. ففي الحديث الصحيح يقول ﷺ:
"الأنصار شعار، والناس دثار".
والشعار هو الثوب الذي يلي جسد الإنسان مباشرة، أما الدثار فهو الثوب الخارجي. وفي هذا الوصف دلالة عميقة على شدة قربهم من قلبه الشريف ﷺ، فهم البطانة والخاصة الذين استودعهم سره ونصره.
الوصية الخالدة بالأنصار
وفي مرض وفاته ﷺ، لم ينسَ أن يوصي بهم الأمة، فصعد المنبر وعصب رأسه وقال:
"أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم".
هذا هو الوفاء النبوي الذي يعلمنا أن الرجال لا يُقاسون بما يأخذون من الدنيا، بل بما يقدمون من تضحيات. لقد علم النبي ﷺ الأنصار -وعلمنا من خلالهم- أن عزة المؤمن في تعففه عن الدنيا، وأن أعظم غنيمة يخرج بها المرء من هذه الحياة هي القرب من رسول الله ﷺ والسير على نهجه.
دروس من قصة الوفاء
إن هذه القصة تضع أيدينا على حقائق إيمانية غائبة في واقعنا المادي المعاصر:
- القدوة في الزهد: حين يرى الجند قائدهم يرهن درعه من أجل صاع شعير وهو يملك توزيع آلاف الإبل، تذوب في نفوسهم شهوة الدنيا وتكبر في عيونهم قيمة المبادئ.
- العدل والرحمة: كيف وازن النبي ﷺ بين تأليف قلوب حديثي العهد بالإسلام بالمال، وبين إكرام الأنصار بالحب والوفاء والبقاء معهم.
- الثبات عند الشدائد: الشجاعة النبوية في حنين لم تكن شجاعة عسكرية فحسب، بل كانت شجاعة إيمانية وثقة مطلقة بنصر الله.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى استحضار هذه المعاني، لترطب قلوبنا التي قست بالحياة المادية، ولترفع هممنا في نصرة المستضعفين والوفاء بعهودنا مع الله ومع خلقه، اقتداءً بسيد الرجال وأوفى البشر ﷺ.