إلى المرابطين بحمص والغوطتين، لِمَ تحزنون؟
الصفحة الشخصية على الفيس بوك: https://www.facebook.com/EyadQunaibi7
الحساب على التويتر: @EYADQUNAIBI الحساب على جوجل gplus.to\eyadqunaibi
إلى المرابطين بحمص والغوطتين، لِمَ تحزنون؟
الصفحة الشخصية على الفيس بوك: https://www.facebook.com/EyadQunaibi7
الحساب على التويتر: @EYADQUNAIBI الحساب على جوجل gplus.to\eyadqunaibi
السلام عليكم ورحمة الله، هذه رسالة لإخوتي المرابطين في حمص والغوطتين، أرسلها على خجل منكم، لكن هذا غاية ما أملك لكم. يا من فداكم نفسي، أن أدعو لكم وأتذاكر معاني الإيمان معكم، وأسعى في ترشيد الجهاد لتتوجه الجهود إلى نصرتكم، وأبرأ إلى الله من خذلان من خذلكم.
يا سادتي المرابطين في حمص والغوطتين، ما الذي يحزنكم؟ أطول البلاء وشدته؟ فإنكم ما جاهدتم إلا وقد رضيتم بالله رباً، وتعلمون أن ربكم ما جعل الدنيا دار جزاء بل دار بلاء، وما وعدكم أن لا يبتليكم، بل وعد أن يبتلي: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.
لقد مكث بنو إسرائيل في تذبيح أبنائهم واستحياء نسائهم أكثر مما مكثتم، الواحد منهم كان يرى ابنه يقتل أمامه، وامرأته تؤخذ أمامه لتغتصب ثم هو يعذب. حصل هذا قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، لكن بمجرد أن توفي المؤمنون فهم في نعيم في حياة البرزخ، وبمجرد أن هلك فرعون وجنده فهم في عذاب شديد. من حكمة الله تعالى أن جعل هناك نعيم قبر وعذاب قبر وأعلمنا به ليكون في ذلك تصبير عظيم لنا.
أصحاب النبي ﷺ منهم من لبث في حياة الشدة بمكة عشر سنين قبل الهجرة، حتى قالوا للنبي: "ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟"، فذكرهم بقوم قبلهم كانوا أشد بلاءً؛ ينشرون بالمناشير ويمزق لحمهم عن عظامهم وهم أحياء، ما يصدهم ذلك عن دينهم.
إخوة الإيمان، نحن إذ رضينا بالله رباً نعلم هذا كله، ولم يعدنا الله بغيره ويخلف وعده، حاشاه سبحانه. إخوانكم الذين ماتوا قبلكم ويموتون، أين هم الآن؟ وأين فطائس أعدائكم؟
لِمَ تحزنون ونبينا ﷺ قال: "لو أن رجلاً خرَّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في طاعة الله عز وجل، لحقره ذلك اليوم"؛ أي لاستقل عمله يوم القيامة، ولودَّ أنه رُدَّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. ما مرَّ بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط.
لِمَ تحزنون وقد علمتم أن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة كما في صحيح مسلم؟ فمعاناتكم لشهور تخفف عنكم في ذلك الموقف العصيب بإذن الله، وصفقتكم رابحة. أتحزنون إخواني لأنكم ترون النفوس تموت سدى، ما أحدثت في عدو هزيمة ولا جلبت للمسلمين نصراً؟ فلا والله ما ذهبت سدى، فمن مات لأجل دينه وعرضه فهو شهيد، وإن كان يموت جوعاً وحصاراً.
هذه نفوس يصطفيها الله من بين خلقه {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}، والله لا حاجة له بنكاية في عدو، ولا أنتم ملزمون إن اصطفاكم الله بنصر للمسلمين، بل قد وقعت على الله أجوركم، وما كان الله ليضيع إيمانكم.
في الحديث الذي رواه مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم".
وفي القصة التي أوردها البخاري أن سبعين من خيرة الصحابة كانوا يسمون "القراء" -أي كثيري قراءة القرآن وكانوا من القوامين بالليل- أرسلهم رسول الله ﷺ إلى قبائل رعل وذكوان وعصية وبني لحيان ليعلموهم الإسلام، فغدروا بهم وطعنوا أحدهم برمح في ظهره نفذ من صدره فقال: "فزت ورب الكعبة". فاز لأنه قتل على طاعة الله، ثم قتل الغادرون بقيتهم.
تصوروا يا إخوتي هذا الحادث الأليم؛ سبعون من خيرة الصحابة يقتلون وما علموا الناس دينهم بعد، ولا أحدثوا في أعدائهم نكاية، ولا حققوا للمسلمين نصراً ظاهراً، ومع ذلك ماذا كان مصيرهم؟ قال أنس بن مالك: "فقرأنا فيهم قرآناً ثم إن ذلك رفع: بلغوا عنا قومنا أننا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا". آيات تلاها الصحابة فيهم قبل أن تُنسخ، فأي فوز أعظم من هذا؟
والله ما تذهب نفوس من يموت منكم سدى، والله ببركتها وبركة غيرها سيقيم للمسلمين مجداً ولو بعد حين. لا يجدون ما يأكلون، وزلزلوا زلزالاً شديداً، وتوفاهم الله على هذا الحال مؤمنين صابرين محتسبين، أو جعل الله لهم بعد ذلك مخرجاً من حيث لم يحتسبوا.
فأنتم يا إخوتي صناع المجد ومنارات الثبات، وإن احتسبتم الأجر فلعل الله يجعل من استن بسنة صبركم بعدكم إلى القيامة في صحائف أعمالكم، وانظروا حال أصحاب الأخدود الذين ضربهم الله مثلاً للمؤمنين إلى قيام الساعة.
لذا فإني أتجه بالكلام إليكم الآن، وأترك من ليس في مثل حصاركم ممن قصر في نصرتكم، فأنتم أرفع شأناً وأبقى أثراً وأعز إلى قلوب المؤمنين. أتحزنون قائلين: "ليتنا ما بدأنا الثورة ولا شاركنا فيها"؟ فإنما هذه نجوى شيطان يحزن بها الذين آمنوا، فالزموا غرز نبيكم إذ قال: "ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل".
بغض النظر عن بدايات الثورة، أنتم الآن في حال بيدكم أن تجعلوه لصالحكم؛ عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. يا سادتي، أتحزنون لأنكم توقعتم نصراً قريباً؟ فوالله إن أفرادكم لأقرب الناس إلى النصر، فما هي إلا شهور أو أيام أو ساعات، فمن مات منكم بعدها في قصف أو مواجهة أو جوع صابراً، فهنيئاً له قول ربه جل وعلا: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فاز}.
أما النصر العام للمسلمين فأمره إلى الله وله الحكمة البالغة، وما استكمل المسلمون أسباب هذا النصر لينجز الله لهم وعده بعد. أتحزنون لأن أكثر الناس خذلوكم؟ ولأن بعض المعول عليهم انشغلوا بقتال بعضهم البعض بدلاً من نصرتكم؟ فيا إخوتي خير لكم أن تيأسوا منهم ومن نصرتهم سواء كانوا ظالمين أو مظلومين، فكل من قطع الرجاء من الخلق وتعلق القلب بالخالق على شدة البلاء ارتفعت الدرجات، وأتيتم ربكم بقلوب سليمة من التعلق بغيره سبحانه، فاختار لكم فتنة الضراء رحمة بكم. ولا تنسوا أن لكم إخوة لم يخذلوكم بل يحاولون نصرتكم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أتحزنون وأنتم ترون أنفسكم تأكلون ما لا يصلح لبشر؟ فوالله ما ينقص هذا من قدركم، وقد علمتم أن المؤمنين إذ حوصروا في شعب أبي طالب كانوا يأكلون أوراق الشجر وهم أعز على الله منكم، وإنما العبرة بما تأكلونه بعد ذلك أبداً إن توفاكم الله على الإيمان، بينما أعداؤكم {لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ}.
فيا إخوتي لا تحزنوا، إن الله معكم ما دمتم راضين بقدره سبحانه. يا إخوتي حسبكم أن تكونوا ممن قال فيهم نبينا ﷺ: "لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك". بغض النظر هل أمر الله الذي سيأتيكم فرج لم تتوقعوه أو موت بأي تهيئة، المهم أن تبقوا قائمين بأمر الله.
وتذكروا ما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل". أسمعتم؟ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل، لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل.
على هذا فموتوا؛ ليغفر الله لكم، ويتقبل أعمالكم، ويعوضكم عن معاناتكم، وينسيكم آلامكم، ويرفع درجاتكم، ويحشركم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويريكم وجهه الكريم.
يا رب اجعل لإخوتي المحاصرين فرجاً ومخرجاً. يا رب من أحييته منهم فرضه بقضائك، وعلقه بك، واربط على قلبه، وأذهب عنه الحزن. ومن توفيته منهم فتقبله، واجعل ما لقيه سبباً في رحمتك بأمة محمد جمعاء. يا رب اغفر لنا تقصيرنا بحق إخواننا وأعنا على نصرتهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله.