الاستسلام للشيطان: قصة "الجندر" والدروس المستفادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل تذكرون قصة "النوع الاجتماعي" وعائلة "رايمر"؟ كيف سلّم الوالدان ابنيهما (بروس وبراين) للسافل "جون موني"؟ ذلك الذي أشرف على قطع أعضاء من بروس ورميها في النفايات، وعذب الولدين لأكثر من عشرة أعوام، وأجرى عليهما تجارب جنسية حقيرة كوجهه ليثبت نظرياته الشيطانية عن النوع الاجتماعي؛ والتي أصبحت الآن "حقيقة علمية" يُراد فرضها علينا بشكل متسارع.
هل تذكرون النهاية المأساوية للأخوين الضحيتين؟ كثير منكم تساءل: كيف سلّم الوالدان ابنيهما لهذا المجرم ليفعل هذا كله بهما؟ أين كان عقل الوالدين؟ كيف استمرا في هذه المهزلة الأليمة لأكثر من عشرة أعوام مع أن الفشل كان واضحاً من البدايات؟
هذه الحلقة ليست قصة للتسلية يا إخواني، وإنما فيها ثلاثة دروس يحتاجها كل واحد فينا عن خطوات الشيطان، فتابعونا.
الدرس الأول: فخ عدم الاعتراف بالخطأ والتمادي في الباطل
مع مرور الوقت، ظهر أكثر فأكثر أن تجربة "موني" فاشلة ولا أخلاقية، لكن الأم كانت تتعامى عن ذلك. لماذا؟ لأن الاعتراف بالفشل يعني أنها أخطأت حين سلمت ابنها للوغد موني، وهي لا تريد الاعتراف بأنها أخطأت؛ لأن تبعات الاعتراف بهذا الخطأ ثقيلة، والبديل مؤلم.. ستندم، وهي لا تريد أن تندم، وهذا ما قالته بالضبط في مقابلتها.
وكلما تقدم الوقت، زاد حجم خطئها وزاد حجم الندم إذا قررت أن تواجه الحقيقة، فبقيت تكذب حقيقة أنها أخطأت، بل سلمت ولدها "براين" أيضاً للمجرم موني ليدمر نفسيته مع "بروس" في التمثيليات الجنسية التي كان يقوم بها. فهذه المصيدة الأولى لشياطين الإنس والجن: استغلال رفضك للاعتراف بالخطأ.
كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما عندما ولاه القضاء:
"لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".
الحق قديم ثابت لا يبطله شيء؛ لا أبحاث علمية مزعومة، ولا جون موني، ولا أن تدس رأسك في التراب وتكذب الحق. في النهاية اعترفت الأم بالخطأ، لكن بعد أن دمرت نفسية ابنيها، ولو أنها اعترفت من اليوم الأول حين قطع "بروس" ملابسه الأنثوية، لكان حجم الضرر أصغر بكثير.
اقتصاديات الباطل وشبكة المنتفعين
تعالوا الآن ننظر نظرة أعم من قصة والدي بروس وبراين. كانت كذبة موني قد التصقت ونمت كالسرطان. خلال هذه الفترة، وقبل كشف كذبة موني، أصبح عشرات الآلاف من الأشخاص -وربما أكثر- يعتبرون كذبة النوع الاجتماعي "سبوبة" بالنسبة لهم؛ فهي مصدر أموالهم ومعيشتهم وشهاداتهم ومناصبهم.
أصبحوا باحثين اجتماعيين، وعلماء سلوك، وعلماء نفس، وعلماء بيولوجيا من خلال أبحاث نشروها ومحاضرات ألقوها، ودرجات ماجستير ودكتوراه بنوها على كذبة "الجندر". وأجريت عشرات آلاف عمليات التحويل الجنسي مع ما يتبعها من علاج هرموني وجلسات علاج نفسي، ودرّ ذلك الأرباح على المنتفعين.
تصور عندما تأتي لواحد من هؤلاء وتقول له: "ما بنيت عليه مكانتك ووضعك الاجتماعي وشهاداتك هو كذبة حقيرة من سفالات كينزي وموني وسيمون دي بوفوار. بيتك الذي لا تزال تدفع أقساطه، سيارتك، لقب بروفيسور، أرصدتك.. كل هذا أصله كذبة وعليك أن تعترف بأنها باطل حتى وإن فقدت امتيازاتك". هل تتصور أن يعترف؟ طبعاً لا! بل سيحارب بكل ما أوتي من قوة ليثبت "الجندر"، ويثبت أنك أنت "أصولي، ظلامي، رجعي، متطرف، متخلف، وجاهل عدو للعلم".
إذا كنا نرى أحياناً مسلمين يصعب عليهم حذف منشور أو فيديو ثبت خطؤه بعدما حصل على آلاف المشاركات، فكيف بهذه الجموع التي لا تؤمن أصلاً بالله ولا باليوم الآخر؟ هؤلاء لا يمكن أن ينسحبوا لأن تكلفة الانسحاب عالية جداً مادياً ومعنوياً، وفضيحة "بجلاجل"؛ لذلك لا بد لكذبة النوع الاجتماعي أن تبقى "حقيقة" بالنسبة لهم.
الدرس الثاني: عدم الاغترار بالألقاب والشهادات المصادمة للفطرة
ذكرت الأم أن ما جعلها تثق بجون موني في البداية هو أنه كان ذا كاريزما، ذكياً جداً، وواثقاً بما يقول. وهذا مدخل ثانٍ لشياطين الإنس يضلون به الناس. جون موني كان حاصلاً على الدكتوراه من جامعة "هارفارد"، وكان يعمل في مستشفى "جونز هوبكنز"، وكلاهما من أرقى المؤسسات في أمريكا.
نتعلم من هذه القصة أنه حين تسمع ما يصادم الفطرة والعقل، فهذا كله تلفه وتلقيه في أقرب سلة مهملات. لا تؤجر عقلك لأحد، ولا تنبهر بأحد؛ فالله امتن عليك بعقل سليم وفطرة سليمة تميز الحق من الباطل إذا أزيلت الموانع. إنما يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.
لعن الله الذكاء بلا إيمان! قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا}
"فرقانًا" تفرقون به بين الحق والباطل. بينما العاصي الذي لا يتقي يكون مهزوز الشخصية والثقة بعقله وفطرته، فيسهل أن يقع فريسة لشياطين الإنس والجن.
الدرس الثالث: التمسك بحبل الوحي والمرجعية الثابتة
والدا بروس وبراين لم تكن لديهما بوصلة ولا مرجعية ثابتة من الوحي. لم تكن بالنسبة لهما حقيقة مطلقة أن الله خلق الناس من ذكر وأنثى لحكمة. أنت كمسلم، بداية الانحراف هي أن ترخي يديك عن حبل الوحي، فتنطلي عليك دعاوى "نسبية الحقيقة".
في الإسلام، كل شيء مخلوق بحكمة ومقدر تقديراً؛ لا عبث ولا صدفة، ولا "أنثى محبوسة في جسم ذكر" أو العكس. هناك حقائق مطلقة عليك أن تؤمن بها ولا تتخلى عنها.
قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}.
وقال نبينا ﷺ: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله".
وقال أبو بكر رضي الله عنه: "لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به؛ وإني لأخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ".
ونحن أيضاً نخشى أن نزيغ، وانظروا إلى نهايات الزيغ ما أبشعها! فالدرس الثالث هو أن تحمد الله على ما حفظه لك من كتاب وسنة، وتتمسك بهما وتعض عليهما بالنواجذ.
يبقى سؤال مهم جداً: كيف يستطيع مروجو هذه الفضلات الفكرية (النوع الاجتماعي) نشرها بين الناس بعد كل ما ظهر من سوئها؟ هذا ما سنجيب عنه في الحلقة القادمة بإذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله.