مقدمة: وحدة الهوية الإسلامية
السلام عليكم ورحمة الله.
قال الله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.
نحن لنا هوية واحدة هي الإسلام؛ فلا فضل لعربي على كردي ولا لكردي على عربي إلا بالتقوى. الأتقياء هم منا ونحن منهم، كرداً كانوا أو عرباً أو غير ذلك. الأتقياء هم الذين يقدمون هوية الإسلام على كل هوية، ويحتكمون إلى شرع الله تعالى، لا إلى قوانين وضعية ولا أعراف قومية.
وهؤلاء موجودون بكثرة في الأكراد وفي العرب، وقد زرت كردستان ولي فيها إخوة وأحبة، وأشهد أنهم من خير وأحب وأطيب من عرفت -فيما أحسبهم والله حسيبهم-. الأتقياء هم الذين ليس لديهم تبعية، لا لأمريكا ولا لإسرائيل، ولا ينفذون أجندات أحد، وإنما شعارهم قول ربهم عز وجل: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
التحذير من مثيري الفتن والنزعات القومية
أما مثيرو الفتن فنحن برآء منهم، عرباً كانوا أو أكراداً. أقول هذا وقد ظهر أن الأحداث تجاوزت حدود سوريا، وبدأ بعض المغرضين يستغلها لإحياء نزعات قومية ولزرع الفتنة بين مكونين مسلمين. وهذه الدعوة الجاهلية -من حيث درى أصحابها أم لم يدروا- فيها تنفيذ لأجندات أعداء المسلمين الحريصين على تفتيت المفتت وتقسيم المقسم.
وللأسف، انجرّ وراءها بعض من فيهم خير دون تفريق بين الصالح والطالح. قال نبينا ﷺ: "إنَّ أعظمَ الناسِ جُرمًا إنسانٌ شاعرٌ يهجو القَبيلةَ بأَسْرِها، ورجلٌ تَنفَّى من أبيه". هذا فيمن يهجو قبيلة، فكيف بمن يهجو عرقاً من الأعراق فيه ملايين المسلمين؟
دور العلماء والدعاة في وأد الفتنة
نحن ندعو إخواننا العلماء والدعاة، العرب والأكراد، إلى أن يقوموا بدورهم الذي كلفهم الله به؛ أن يردوا الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ. فالعلماء أمنة للأمة، بهم يحفظها الله من الضلال والضياع. فلا يليق بعالم ولا داعية -أياً كانت عرقيته- أن ينجر وراء إعلام خبيث يزرع الفتن، بل شعار العلماء قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ}، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
أيها العلماء والدعاة، لا تحرككم العواطف المهيجة من مثيري الفتن، وإنما أنتم الذين تثبتون غيركم، وإلا فما فائدة أن تكونوا علماء ودعاة؟ ليس عيباً أن تشعر في قلبك بشيء من التعاطف مع من يشاركك اللغة أو العرقية أو التاريخ، لكن إذا رأيت منه فساداً في القضية التي يدافع عنها ويدعو إليها، وتبعية لمشاريع أعداء الأمة، فيجب أن تنفضوا عنهم حتى تعروهم وتظهروهم على حقيقتهم؛ أنهم دعاة فتنة لا دعاة انتصار للمظلومين.
مسؤولية الصدع بالحق
كما أني أذكر نفسي وإخواني الدعاة -عرباً كانوا أو أكراداً- بأنه لا يسعنا الصمت في مثل هذا المقام. إن اخترتم السكوت عن تفاصيل الأحداث السياسية، فلا أقل من التذكير ولو بهذه المعاني العامة والأصول العظيمة للإسلام الذي يجمعنا؛ خاصة وأن هناك خبثاء اتخذوا الأحداث مناسبة للطعن في الإسلام نفسه تحت شعارات قومية.
فإذا سكت العلماء والدعاة فمن لهؤلاء؟ ومن للناس يرشدهم ويبصرهم؟ في مثل هذا المقام تعجز "المواطنة" والمعاني المصطنعة عن رأب الصدع وجمع القلوب، ولا ينفع الناس إلا منطق العقيدة والتذكير بأخوة الإيمان وقول ربهم عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}.
تلاحم الأمة والعبرة من السنن الإلهية
ولا ننسى أنه كان ولا زال لإخواننا الأكراد دورٌ كبيرٌ في غوث إخوانهم في غزة، ومن قريب نشرنا عن حملاتٍ في غزة المنكوبة -على ما فيها- لغوث إخوانهم في كردستان بعد الفيضانات؛ فهي أمةٌ واحدة فيها الكثير من الخير.
لست أقول هذا لأني أرى الجميع سواسية في الخير والشر، ولا لأني أجهل أن بعض الجهات مدفوعة لإحداث الفتن والفساد، بل أدرك ذلك جيداً، ولا أعتبر بعض هذه الجهات إخوة نوجه إليهم الخطاب، بل الخطاب موجه لمن اغتر بهم، مع أن تاريخهم يدل على سوء وتبعية لأعداء الأمة.
أتكلم بالعموم لسبب واحد: أن يجتمع الأتقياء على كلمة سواء، ولا يلتهوا عنها بالدخول في التفاصيل. ولنا يا كرام فيما يحدث عبرة؛ أنه لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بإقامة شرع الله عز وجل وإيثار مرضاته على كل مرضاة، فإذا حدنا عن شيء منه ابتلينا بالفتن تدب بيننا.
في الحديث الصحيح العظيم قال نبينا ﷺ: "يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم، وأعوذ بالله أن تدركوهن..."، ماذا كانت الخامسة؟ قال عليه الصلاة والسلام: "...وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جُعل بأسهم بينهم".
فقد يظن البعض أن إرضاء الشرق أو الغرب ومسايرتهم على حساب الدين سيأتي بالخير والسلام والرفاه، ولا والله، بل "إلا جُعل بأسهم بينهم".
اللهم احقن دماء المسلمين أجمعين، واجمعهم على كتابك وسنة نبيك، وألف بين قلوبهم.
والسلام عليكم ورحمة الله.