تبياناً لكل شيء - الحلقة 22
معاني من سور سبأ وفاطر ويس
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله إخواني وأخواتي. مسابقة اليوم كما أعلنا لكم قبل قليل، سنبدأ باختصار الأسئلة إن شاء الله في العشر الأواخر، لكن نحاول أن يكون كل يوم فيه فائدة لكل من يحضر.
أسئلة جزء اليوم ستكون سهلة إن شاء الله، ويمكن السؤالان اللذان من أجزاء سابقة يكون فيهما بعض التشويق أكثر من الصعوبة.
السؤال الأول: منهجية الدعوة الفردية
يقول السؤال الأول: في محاولة إقناع من هم على باطل، لا تكتفي بدعوتهم وهم في جمع؛ إذ يغوي بعضهم بعضاً ويزايد بعضهم على بعض في القناعة بالباطل وعدم التأثر بالحق. اذكر آية تدل على هذا المعنى.
الجواب: هو قول الله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (سورة سبأ: 46).
هذه يا إخواننا من مبادئ الدعوة؛ عندما تدعو إنساناً ما، لا تدعه وسط الآخرين فقط. الدعوة الأكثر تأثيراً في العادة هي التي تكون بشكل فردي. أما إذا كان الإنسان المدعو وسط جماعة من أصدقاء السوء، فإنهم عادة ما يزايدون على بعضهم ليظهر الواحد منهم أنه لم يتأثر بالكلام. قد يتسرب نور الحق إلى قلبه، لكنه يخاف من نظرة أصدقائه، فيتحول مباشرة إلى الصد والرد وإلقاء الشبهات التافهة حتى لا يظهر قناعته. لذلك خذه على حدة: {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ}.
السؤال الثاني: ضوابط التعامل وطهارة القلوب
يتعذر بعض الشباب والفتيات في عدم انضباطهم في التعامل بأن "النوايا حسنة" و"القصد شريف" و"القلب أبيض". اذكر آية تجعل وجوب الانضباط من باب الأولى والأحرى.
الجواب: هو قول الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (سورة الأحزاب: 53).
الله عز وجل يخاطب هنا خير رجال الدنيا (الصحابة رضي الله عنهم) في شأن تنظيم العلاقة مع خير نساء العالمين (أمهات المؤمنين). والتعليل الرباني هو: {ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}. فإذا كان هذا الخطاب لأطهر القلوب، فمن باب أولى أن يكون هناك ضوابط في التعامل بيننا، ولا نتعذر بسلامة القصد لهتك هذه الضوابط.
السؤال الثالث: الحيلولة بين الإنسان وشهواته
كم من ظالم كان يرتع في الملذات غافلاً، كأن الدنيا دائمة له، وفي لحظة حُرم من كل شيء (المال، المراكب، الطعام، الشهوات) وانقطع عنه كل ذلك بلا عودة. اذكر آية تصور هذا الحال من جزء اليوم.
الجواب: هي الآية 54 من سورة سبأ: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ}.
هذه آية مخيفة جداً لمن وعيها. {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ} أي فُصل وحُجز بينهم وبين كل ما يشتهون. قد يكون الإنسان منعماً مسرفاً على نفسه بالمعاصي، ثم تأتي لحظة (كحادث سير في غفلة ثانية) تؤدي إلى أن يحال بينه وبين كل ملذاته، ويبقى في العذاب إن مات على غير الإسلام.
السؤال الرابع: النبي ﷺ أولى بنا من أنفسنا
النبي ﷺ له حق علينا أكثر من أنفسنا، فلا ينبغي لأحد أن يرى أوامره ونواهيه كأنها تدخل في شأنه الخاص، بل له ﷺ حق التصرف بنا أكثر من حقنا في التصرف بأنفسنا. اذكر آية تشير لهذا المعنى.
الجواب: قول الله عز وجل: {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} (سورة الأحزاب: 6).
ويدل على ذلك قصة تزويج النبي ﷺ لجليبيب رضي الله عنه من فتاة من الأنصار. عندما تردد أبواها، خرجت الفتاة المؤمنة العاقلة تقول: "أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ ادفعوني إليه فإنه لن يضيعني".
الله تعالى قرر هذه القاعدة لعلمه بشفقة نبيه على أمته؛ فهو يشفق علينا أكثر مما نشفق على أنفسنا، ويخاف علينا من المشقة أكثر مما نخاف على أنفسنا.
السؤال الخامس: المتاجرة بالدين وحق الله
هذا السؤال من الأجزاء السابقة وعليه 5 علامات.
من الظالمين من لا يقتصر على تضييع حق الله، بل يتاجر بالدين ويتخذه مطية لأهوائه، فيتظاهر بتعظيم حق الله بأن يجعل "شيئاً" من الأمر لله، وحقيقة الأمر أن هذا يؤول لأهوائه، بينما هم شحيحون جداً بمتاع الدنيا أن يصرفوا منه لتعظيم حرمات الله. اذكر الآية، واذكر لفتة عجيبة في مطلعها.
الآية المقصودة: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا...} (سورة الأنعام: 136).
الآن نأتي للفتة العجيبة في مطلع هذه الآية التي استشكلها البعض أو بحثوا عنها، وهي قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا}.
اللفتة البيانية في تقديم حق الله
التركيبة العجيبة هنا تكمن في تقديم لفظ الجلالة {لِلَّهِ} على كلمة {نَصِيبًا}. في لغة العرب، تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر أو الاهتمام، لكن هنا اللفتة التي ذكرها المفسرون (ومنهم ابن عاشور رحمه الله) أن هؤلاء المشركين -ومن سار على نهجهم في المتاجرة بالدين- يتظاهرون بتقديم حق الله باللسان، فيقولون "هذا لله"، لكنهم جعلوا هذا النصيب "نكرة" (نصيباً)، أي شيئاً قليلاً مبهماً لا قيمة له مقارنة بما يكتنزونه لأنفسهم ولأهوائهم ولشركائهم.
المتاجرة بالدين وتقديم الأهواء
العجب أنهم يقدمون اسم الله في الجملة {وَجَعَلُوا لِلَّهِ} ليوهموا الناس والأنفس أنهم يعظمون الخالق، لكن الحقيقة أنهم شحيحون؛ فما كان لله (بزعمهم) يسهل عندهم أن يذهب لشركائهم وأهوائهم، وما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله!
هذا حال من يتاجر بالدين؛ يجعل لله "نصيباً" هامشياً في حياته، في صلاته، في ماله، بينما المركزية الكبرى هي لهواه ولمصالحه الشخصية، ومع ذلك يتبجح بأنه "جعل لله نصيباً" وكأنه يتفضل على رب العالمين، وهذا منتهى الجهل والظلم.
ملاحظة من المحاضر:
أرى بعض الإخوة في التعليقات يكتبون "بزعمهم"، نعم هي كلمة قوية في الآية تدل على كذب هذا التقسيم، لكن اللفتة التي أردتها هي في تركيب "تقديم الجار والمجرور" مع "تنكير النصيب" لبيان حقارة ما قدموه مع ادعاء التعظيم.
ننتقل الآن للسؤال التالي...
ننتقل الآن إلى سؤال آخر من الأجزاء السابقة، وهو سؤال يحتاج إلى تأمل في حال القلب وتوكله على الله عز وجل.
السؤال السادس: كفاية الله لعبده
يقول السؤال: كثيراً ما يهدد أهل الباطل أهل الحق بقطع الأرزاق، أو بتشويه السمعة، أو بالتضييق عليهم في معايشهم، فيدخل الخوف إلى قلوب البعض. اذكر آية من الجزء الرابع والعشرين (سورة الزمر) ترد على كل هذه التهديدات بكلمات قليلة تقطع دابر الخوف من القلب وتورث الطمأنينة التامة.
الجواب: هو قول الله عز وجل: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (سورة الزمر: 36).
ما شاء الله، أرى الإجابات سريعة جداً. الأخ "أبو بكر" كان الأول، ثم الأخت "سارة"، ثم "عمر الفاروق".
وقفة مع "أليس الله بكافٍ عبده"
هذه الآية يا إخواني هي قاعدة الأمان النفسي للمؤمن. الله سبحانه وتعالى يطرح السؤال بصيغة الاستفهام التقريري: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}. والجواب الفطري واليقيني هو: بلى يا رب، أنت كافينا.
انظروا إلى الربط العجيب في الآية: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}. كل من يخوفك بغير الله، سواء كان مديراً في عمل، أو ظالماً في سلطة، أو عدواً يتربص بك، هو "من دونه"؛ أي أقل منه، وأضعف منه، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه.
فإذا تحقق العبد بعبوديته لله، كفاه الله كل هم، وصرف عنه كل سوء. العبرة هنا بكلمة {عَبْدَهُ}؛ فبقدر ما تزداد عبوديتك لله، تزداد كفاية الله لك.
توزيع العلامات:
أبو بكر: علامتان (لسرعة الإجابة وصحة النص).
سارة: علامة واحدة.
عمر الفاروق: علامة واحدة.
ننتقل الآن إلى سؤالنا الأخير في هذه الحلقة، وهو سؤال من سورة "يس" التي قرأناها اليوم في الجزء الثاني والعشرين.
السؤال السابع: إيجابية المؤمن ونبل المقصد
يقول السؤال الأخير من سورة "يس": رجل لم يمنعه بعد المسافة، ولا كونه فرداً وحيداً، ولا تكذيب قومه لثلاثة من الرسل، من أن يتحرك لدين الله بكل إيجابية ونصح. اذكر الآية التي تصف مجيئه، والآية التي تصف تمنيه الخير لقومه حتى وهو في جنات النعيم بعد قتله.
الجواب:
- آية المجيء: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} (يس: 20).
- آية تمني الخير: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} (يس: 26-27).
ما شاء الله، الأخ "أسامة ناصر" والأخت "أم محمود" إجابات دقيقة وسريعة.
وقفة مع مؤمن آل يس
انظروا يا إخواني إلى هذا النموذج الفذ في الإيجابية؛ {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}، لم يتعذر ببعد المسافة، {رَجُلٌ يَسْعَىٰ}، لم يمشِ وئيداً بل كان مسرعاً حريصاً. والأعجب من ذلك هو "سلامة صدره"؛ فبعد أن قتلوه ورأى كرامة الله له في الجنة، لم يقل "انتقم الله منهم" أو "يستحقون ما أصابهم"، بل قال بنبل المؤمن: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ}. تمنى لو أنهم يعلمون ما هو فيه من النعيم ليؤمنوا ويسعدوا مثله.
هذا هو قلب الداعية الصادق؛ يحمل الخير للناس حتى وهم يؤذونه، ويتحرك لدينه ولو كان وحيداً.
خاتمة الحلقة:
بهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية حلقتنا اليوم من "تبياناً لكل شيء". رأينا معاني عظيمة في سورة سبأ عن الدعوة الفردية، وفي الأحزاب عن طهارة القلوب وأولوية النبي ﷺ، وفي يس عن إيجابية المؤمن.
نبارك لكل من فاز معنا اليوم بالعلامات، ونلتقي بكم غداً إن شاء الله في حلقة جديدة ومعانٍ إيمانية متجددة من كتاب الله.
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.