تبيانا لكل شيء - الحلقة ٤: معاني في الجزء الرابع من سورة آل عمران
مقدمة وإعلان الفائزين
السلام عليكم ورحمة الله، حياكم الله إخواني وأخواتي، نرحب بكم في الحلقة الرابعة من مسابقة "تبيانا لكل شيء".
بداية نحب أن نعلن أسماء الفائزين في حلقة أمس:
- السؤال الأول: الأخت نان محمد من غزة.
- السؤال الثاني: هاجر هاجر من ألمانيا.
- السؤال الثالث: محمد حنفي من مصر.
- السؤال الرابع: نور عمر.
- السؤال الخامس: سليم قصيباتي من ألمانيا.
- السؤال السادس: محيي الدين من ألمانيا.
نتابع اليوم إخواني ونسأل أسئلة من سورة آل عمران، والصحيح أن جزء اليوم (الجزء الرابع) له مكانة خاصة في القلب؛ يشفي الصدر ويقوي العزيمة في البلاء. القرآن كله كلام الله وكله جميل بلا شك، لكن حتى عند الله سبحانه وتعالى القرآن يتفاضل، فخير القرآن سورة الفاتحة. وحقيقة هذا الجزء جميل جداً، خاصة إذا ما تأمله الإنسان في البلايا؛ يصبر، يثبت، ويرفع الهمم.
السؤال الأول: الضيق النفسي الذي يكون رحمة
سنبدأ معكم بالسؤال الأول، وقد يكون فيه بعض الصعوبة، لكن اعتدنا أن عندنا إخوة وأخوات يتخطون كل الحواجز.
السؤال الأول: اذكر رقم آية تبين أن التعرض لضيق نفسي قد يكون رحمة من حيث إنه يخفف من الإحساس بضيق نفسي آخر؟
بمعنى أوضح: قد يتعرض الإنسان لمشكلة تسبب لديه شعوراً سلبياً قوياً (خوف، حزن، ندم)، ثم بعد ذلك يتعرض لما يسبب لديه شعوراً سلبياً أقوى من الأول إلى درجة أنه ينسيه الشعور الأول، وعند زوال هذا المسبب الثاني يشعر الإنسان بارتياح لأن الأول قد تضاءل بسبب الثاني. اذكر آية تدل على ذلك؟
الإجابة والتفسير
أول من أجاب هي الأخت قطرة الندى. الآية هي قول الله عز وجل في سورة آل عمران (الآية 153): {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
الذي يقرأ الآية قد يستشكل المعنى في البداية: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا}، فكيف يكون الغم سبباً لعدم الحزن؟ المتوقع عقلياً أن الغم يجلب الحزن.
تفسير الآية والله أعلم: أصيب الصحابة بادئ الأمر بغمين؛ غم انقلاب المعركة عليهم ووقوع القتل فيهم في أحد، وغم فوات الغنيمة. فقدر الله عليهم غماً جديداً وهو ما أُشيع من "قتل النبي ﷺ"، وهو غم كبير تضاءل بجانبه الغمان السابقان. فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ بعافية، سُرِّيَ عنهم هذا الغم بعدما أنساهم الغمين الأولين. فكانت إشاعة مقتل النبي ﷺ رحمة وتخفيفاً عنهم لأنها جعلت إحساسهم بالغم الأول يتضاءل.
وقد وجدت أثراً عن ابن عباس رضي الله عنه يوافق هذا المعنى، أخرجه الإمام أحمد والحاكم، وفيه قال ابن عباس: "ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا" (أي حين رأوا النبي ﷺ حياً).
السؤال الثاني: قاعدة التكليف والضمان
السؤال الثاني: اذكر آية تكلف المؤمنين بتكليف وتضمن لهم ضماناً يريح قلوبهم من الخوف من مؤامرات أعدائهم وقوتهم؟
أجاب الأخ عمر صباح. الإجابة في قول الله عز وجل: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.
شرح قاعدة التكليف والضمان
هذه القاعدة تكلم عنها ابن القيم رحمه الله؛ الله عز وجل يكلفك بأمر ويضمن لك ضمانات. الفطن الكيس هو من ينشغل بالتكليف (الأمر) ويثق بالضمان.
في هذه الآية:
- التكليف: {تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا}.
- الضمان: {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}.
يقول ابن القيم: "فمن علامات السعادة صرف اهتمامه إلى أمر الله دون ضمانه، ومن علامات الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام بأمره والاهتمام بضمانه". فإذا صبرتم واتقيتم، فلا تخافوا من طائرات ولا صواريخ ولا مؤامرات، لأن الله بكل شيء محيط.
السؤال الثالث: التقييد أم التشنيع؟
السؤال الثالث: اذكر آية فيها عبارة قد يظن أنها "للتقييد" بينما هي "للتشنيع"؟
مثال ذلك قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ}، فقوله "بغير حق" ليس قيداً (وكأن هناك قتلاً بحق)، بل هو لبيان شناعة الفعل. نريد آية أخرى على نفس المنوال من جزء اليوم.
أجاب الأخ إسحاق صندوقة. الجواب هو قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
محل الشاهد: {أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً}. قد يظن ظان أن الربا إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة فهو جائز، وهذا خطأ. فالقيد هنا خرج مخرج الغالب لبيان شناعة فعلهم وابتزازهم للناس، والربا محرم قليله وكثيره بنصوص أخرى صريحة. ومثله قوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}، فالدنيا كلها ثمن قليل مقابل آيات الله.
السؤال الرابع: أسلوب خطاب الرب للعبد
السؤال الرابع: اذكر آية تتحدث عن موقف أحسن فيه النبي ﷺ التصرف جداً، لكن الآية مع ذلك نسبت الفضل إلى الله وحده في توفيق نبيه، مما يدل على أن القرآن كلام الله وليس من تأليف البشر؟
أجابت الأخت إسراء محمود والأخت قطرة الندى. الآية هي (159) من سورة آل عمران: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ...}.
وقفة مع الآية
النبي ﷺ في أحد تولى عنه أصحابه، وشُج وجهه، وكُسرت رباعيته، وكان له كل الحق في عتابهم، لكنه لم يفعل ولان لهم. هنا جاء القرآن لينسب هذا الخلق العظيم إلى رحمة الله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}.
لو كان القرآن من تأليف بشر يريد تمجيد نفسه، لنسب هذا الفضل لنبله الشخصي وسمو أخلاقه، لكن القرآن يخاطب النبي ﷺ بصفته عبداً مأموراً، وينسب كل فضل لله عز وجل.
السؤال الخامس: الجملة المعترضة "ليس لك من الأمر شيء"
السؤال الخامس: جملة معترضة جاءت في مكان بديع، يتجلى فيها أن النبي ﷺ مبلغ عن ربه وليس له أن يتوقع أو يختص لنفسه من ظالميه، بل عليه التسليم لتصاريف القدر؟
أجاب الأخ سعيد محمد والأخ محمد جاب الله. الجواب هو قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}.
سياق الجملة
عندما شُج النبي ﷺ في أحد وجعل يمسح الدم عن وجهه قال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟"، فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}.
هذه الجملة جاءت معترضة في سياق الحديث عن مصير الكفار: إما القتل، أو الكبت، أو التوبة، أو العذاب. فالله يقول لنبيه: إن تصاريف القدر بيدي أنا، لست أنت من يقرر فلاحهم من عدمه. وبالفعل، تاب الله على كثير منهم كخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وأصبحوا قادة للإسلام. هذا الخطاب لا يكون إلا من إله عزيز لعين عبده المصطفى.
ختام الحلقة وتنويه للمستقبل
كانت هذه الأسئلة الخمسة لليوم، وبصراحة لظروف معينة في انشغال الوقت اقتصرنا على هذا القدر، وإلا فإن هذه الصفحات -وأريد أن أغششكم مقدماً- مليئة بالعبر والفوائد واللطائف، وإذا قدر الله في الأيام القادمة أن نفتح المسابقة للقرآن كاملاً، فتوقعوا ورود العديد من الأسئلة من هذه الصفحات تحديداً.
استشارة للمتابعين
نحن نفكر في تصعيب المسابقة قليلاً لأن ما شاء الله عندنا إخوة وأخوات نتعلم منهم، لذا قد نغير نظام المسابقة ابتداءً من الغد أو بعد غد:
- إما أن تصبح المسابقة مفتوحة في القرآن كاملاً من الدفة إلى الدفة.
- أو نجعل سؤالاً من جزء اليوم وأسئلة أخرى مفتوحة من الأجزاء الثلاثين.
سننشر منشوراً للاستشارة والتصويت على هذا الأمر بإذن الله تعالى.
شكر المشاركين
نشكر كل من شارك معنا اليوم:
- الأخ سعيد محمد من لندن.
- الأخ محمد جاب الله من مصر.
- الأخ إسحاق صندوقة من الأردن.
- الأخت إسراء محمود من الأردن.
- الأخت قطرة الندى من الأردن (عمان).
اليوم إخواننا وأخواتنا من الأردن رفعوا رأسنا، ومع التأكيد على أن المؤمنين إخوة وأن هذه أمتكم أمة واحدة، لكن نعتبر هذا التنافس من باب "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" ومن باب تقسيم الجيش قبائل كما كان يفعل النبي ﷺ ليحمي التنافس في البر والتقوى.
جزاكم الله خيراً على هذه الجلسة الطيبة، وسعدنا بالمسابقة معكم، والى لقاء قادم غداً بإذن الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله.