السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في الجلسة الحادية عشرة من برنامج "تبياناً لكل شيء". هذه المسابقة في موسمها الثالث، واليوم ستكون معنا أسئلة من الأجزاء العاشر والحادي عشر والثاني عشر بإذن الله تعالى.
في العنوان مكتوب الجزءان 11 و12، ولكن تبقت بعض الأسئلة من الجزء العاشر، فشدوا همتكم لتكون المسابقة نافعة ومنوعة. الأخ ضياء يبارك في "المايك" الجديد، بارك الله فيكم، هو ليس جديداً تماماً ولكن ظهر على الشاشة ليخرج الصوت بأنقى ما يكون إن شاء الله.
صلوا على رسول الله؛ بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، نبدأ يا كرام بالأسئلة كما عودناكم، ولدينا اليوم 12 سؤالاً.
نبدأ بالسؤال المعهود، وهو طويل بعض الشيء فتركيزكم معي أكرمكم الله. المعهود في الخصومات بين البشر أن أحدهم يحقد على الآخر ويسعى في أذيته والتخلص منه، أما في القرآن فإنك تجد البغض للكافرين والمنافقين مقروناً بسوء أفعالهم لا بأشخاصهم، بحيث هم بغيضون ما بقوا على كفرهم ومعصيتهم، لكن القرآن يفتح لهم المجال لينفكوا عن هذا الكفر والمعصية فيزول عنهم المقت والغضب.
انظر مثلاً إلى قول الله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ}، ولم يقل "فإن الله عدو لهم"؛ بياناً لكون العداوة لهم على كفرهم، فإن انتهوا عن هذا الكفر زالت العداوة، كما قال تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرُ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}.
السؤال هو: اذكر من الأجزاء الثلاثة (10، 11، 12) آية فيها هذا الملمح؛ أن البغض للكافرين والمنافقين مقترن بمعصيتهم، فإذا تركوها تاب الله عليهم.
الجواب هو قول الله تعالى: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}. محل الشاهد: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}. لفت الإمام السعدي رحمه الله لفتة لطيفة فقال: "ولم يقل: فإن الله لا يرضى عنهم، ليدل ذلك على أن باب التوبة مفتوح، وأنهم مهما تابوا فإن الله يتوب عليهم ويرضى عنهم ما داموا غير ملازمين لفسقهم".
وقال ابن عاشور رحمه الله: "الكلام مشتمل على خبر وعلى دليله، لأنه ينتج عنه: فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عنهم لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين، فإذا تركوا فسقهم يرضى الله عنهم".
السؤال: فعل تكرر ثلاث مرات بشكل ملفت في آيتين متتاليتين، بما يشعر بحاجة العبد الماسة إلى توفيق الله، ومذكراً إيانا بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}. اذكر الموطن الذي فيه ذكر الفعل بتصريفين متقاربين في جملة واحدة (أربع كلمات).
الجواب هو قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}. السياق القرآني في سورة التوبة يقول: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ...} ثم قال: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا... ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}.
هناك ثلاث توبات ذكرت هنا؛ توبة الله عليهم أولاً هي توفيقه لهم، حيث رفع الحجاب ولم يحل بينهم وبين قلوبهم ليتوبوا توبة صادقة، فوفقهم فتابوا، فتاب الله عليهم قبولاً وإثابة.
يقول ابن القيم رحمه الله: "توبة العبد إلى الله محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه بعدها، فتوبته بين توبتين من ربه؛ سابقة ولاحقة. فإنه تاب عليه أولاً إذناً وتوفيقاً وإلهاماً، فتاب العبد، فتاب الله عليه ثانياً قبولاً وإثابة".
السؤال: بعض الناس يقنط من رحمة الله لأن له ذنباً يعتاده الفينة بعد الفينة، ويقول: "قلبي ليس خائفاً من ربي ولن تنفعني أعمالي الصالحة وأنا منافق". اذكر آية تفتح له باب الرجاء في الرحمة طالما أنه يعمل الصالحات (من الأجزاء 10، 11، 12).
الجواب هو قوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
يقول ابن كثير: "أي أقروا بذنوبهم واعترفوا بها فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أخر صالحة، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه. وهذه الآية وإن نزلت في أناس معينين، إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين".
السؤال: هناك صفات يمكن أن تكون كمالاً ويمكن أن تكون نقصاً بحسب الحال، فلا يوصف الله بها على الإطلاق ولا تنفى عنه على الإطلاق. مثل المكر والخديعة والاستهزاء؛ فهي كمال إذا كانت في مقابلة فعل الكفار ونقص إذا كانت ابتداءً. لكن هناك صفة هي "نقص" بكل حال ولا يوصف الله بها أبداً حتى في مقابلة فعل الكفار. اذكر الآية التي تدل على ذلك.
الجواب هو قوله تعالى: {وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ}. لم يقل الله "فخانهم"، لأن الخيانة لا تكون ممدوحة بحال، فهي مكر في موضع الائتمان وهو مذموم. أما المكر والخديعة والاستهزاء بالعدو فهي صفة كمال لأنها تدل على كمال العلم والقدرة والسلطان، ولذلك وردت مقيدة في القرآن: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ}، {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}، {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}.
السؤال: آية يستدل بها أهل العلم من الأجزاء الثلاثة على أن الذي أُمر إبراهيم عليه السلام بذبحه هو إسماعيل وليس إسحاق، خلافاً لما يقوله أهل الكتاب. ما هي هذه الآية؟ وما وجه الاستدلال منها؟
الجواب هو قول الله تعالى في سورة هود: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}.
قال ابن كثير رحمه الله: "ومن هاهنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق؛ لأنه وقعت البشارة به وبأنه سيولد له يعقوب، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح من بُشر بأنه سيولد له ولد والحالة هذه، فتعين أن يكون الذبيح هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه".
السؤال: ما يحل بالأمم من بلايا لا يتعظ بها إلا المؤمنون، كما قال تعالى في سورة ق: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}. اذكر آية في نهاية مجموعة من قصص السابقين (من الأجزاء الثلاثة) تحمل نفس المعنى.
الجواب هو قوله تعالى في سورة هود: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ}.
يقول ابن القيم في "الفوائد": "لما ذكر سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم المكذبين للرسل وما حل بهم في الدنيا من خزي، قال بعد ذلك: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ}، فأخبر أن عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة. وأما من لا يؤمن بها ولا يخاف عذابها فلا يكون ذلك عبرة وآية في حقه، فإنه إذا سمع ذلك قال: لم يزل في الدهر الخير والشر والنعيم والبؤس، وربما أحال ذلك على أسباب فلكية وقوى نفسانية".
السؤال: ذكرنا سابقاً أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون سبباً للنزاع والفراق. اذكر آية من الأجزاء الثلاثة تبين أن التصدي لأهل الفساد (الإصلاح) هو سبب للحفاظ على الأمم من الهلاك.
الجواب هو قول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}.
الآية التي قبلها تقول: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ...}، فإذا وجد الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجابهة المفسدين والجهر بالحق، فإن الله عز وجل يرحم الأمة ولا يعم الجميع بالعقاب.
السؤال: قال الله تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، وهذا في حق المؤمنين. ومع ذلك، أمر الله نبيه بالغلظة على أقوام آخرين؛ اذكر الآية التي أمر الله عز وجل فيها بذلك.
الجواب هو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.
الإسلام ليس دائماً "حنية" ورحمة وطبطبة كما يروج البعض؛ فهناك مواطن تحسن فيها الغلظة، فالمؤمنون {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، و{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
السؤال: اذكر من الأجزاء الثلاثة آية تبين حرمان الإنسان من شرف طاعة معينة إذا لم يمتثل الأمر في أول مرة كُلف بها، وذلك نتيجة لإعراضه الأول.
الجواب هو قوله تعالى: {فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ}.
بشؤم قعودهم أول مرة وبقائهم على هذا الحال دون توبة صادقة، حُرموا من شرف الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا تنبيه لخطورة الإعراض بعد تبين الهدى.
ورد في سورة الفجر قول الله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ...}
ملاحظة: توقف النص الخام عند بداية طرح السؤال العاشر، وسنكمل صياغته بناءً على السياق المذكور في الآية الكريمة:
الآية المشار إليها من سورة الفجر هي قوله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}.
والمقصود هنا أن العطاء والمنع كلاهما ابتلاء واختبار من الله عز وجل، وليس دليلاً على محبة الله أو بغضه للعبد في الدنيا، بل العبرة بالاستقامة والشكر عند النعمة، والصبر والرضا عند الضيق.
بهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية أسئلة هذه الجلسة الحادية عشرة من برنامج "تبياناً لكل شيء". نعتذر عن الخلل الفني الذي حدث في الصوت خلال البث، ونسأل الله أن تكون هذه الإجابات والوقفات التدبرية نافعة ومفيدة للجميع.
نشكر جميع المشاركين من اليوتيوب والفيسبوك، ونبارك للفائزين الذين أظهروا سرعة بديهة وإلماماً بآيات الكتاب العزيز وتفسيرها.
نلتقيكم في الجلسة القادمة بإذن الله تعالى مع أجزاء جديدة وأسئلة ماتعة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.