عزة المسلم في مواجهة الازدواجية العالمية
السلام عليكم ورحمة الله، وصبّحكم الله بالخير يا كرام. هناك موضوع طويل كنت أنوي أن أطرحه ضمن سلسلة "كن عزيزاً بإسلامك"، لكن حقيقة الأحداث التي تحصل هذه الأيام لا يمكن تمريرها دون التعليق، وهو الموضوع الذي كنت قد أخرته. لقد تأخرت في الخروج إلى العمل، لكن الكلمة "واقفة في حلقي" كما يقال، فدعوني أقولها لكم دون كثير ترتيب وإعداد.
لا يخفى عليكم ما نراه هذه الأيام من احتقار عالمي لقيمة المسلمين، خاصة مع الأزمة الأوكرانية؛ حيث ترى كثيراً من التصريحات من سياسيين وإعلاميين تقول: "هؤلاء ليسوا لاجئين أفغان ولا سوريين ولا عراقيين ولا من الشرق الأوسط، هؤلاء أوروبيون بيض البشرة، زرق العيون، متوسطو الدخل، عندهم سيارات كسياراتنا".
لقد أصبحنا نحن كمسلمين مضرب المثل في الذلة والقلة وعدم الأهمية. طيب، مادام الأمر كذلك، دعونا في هذه الكلمة نتذكر نحن كمسلمين قيمتنا الحقيقية عند الله عز وجل، وهي التي تعنينا لأنها هي التي تؤثر على حياتنا في الدنيا والآخرة، ثم نعطي هؤلاء حجمهم الحقيقي، ونتذكر الحجم الحقيقي للكافرين المحاربين والمحتقرين للمسلمين.
ازدواجية المعايير الغربية
لاحظوا يا جماعة كيف أن العالم الغربي دمر بلاد المسلمين، نهب خيراتها، وعيّن عليها شرذمة تنكل بالشعوب وتسومها سوء العذاب، وتعطي خيرات بلاد المسلمين لبلاد الكفار بأبخس الأسعار ويتقاسمون الأرباح، بينما الشعوب الإسلامية تخرج "من المولد بلا حمص". هم يدعمون هذه الشرذمة المسلطة على أبناء المسلمين، ثم بعدما فرّ بعض المسلمين إلى بلادهم يعيرونهم ويمنّون عليهم ويضربون بنا المثل في الذلة؛ فانظروا إلى أي حد بلغت الوقاحة!
لاحظوا كيف أن الخبر الذي مرّ بكل سهولة هو مسألة وضع أمريكا يدها على مقدرات أفغانستان (7 مليارات دولار لأفغانستان في الأرصدة الغربية)، مرّ الخبر بكل بساطة رغم أنه يهدد حياة أكثر من عشرة ملايين إنسان، بينما الأزمة الأوكرانية تأخذ أضعاف أضعاف الصدى الذي أخذه هذا الخبر.
قيمة الفرد في الدولة المسلمة
عليك أن تعرف قيمتك كمسلم، تذكر أن رسول الله ﷺ سيّر جيوشاً من أجل أفراد؛ فليس هناك أعز ولا أكرم من الفرد المسلم في الدولة المسلمة.
- النبي ﷺ أجلى بني قينقاع من أجل امرأة كشف عوراتها يهودي، ومن أجل المسلم الذي قتلوه.
- رسول الله ﷺ بايع الصحابة على الموت في "بيعة الرضوان" عندما شاع أن المشركين قتلوا عثمان رضي الله عنه.
- سيّر جيش مؤتة عندما قتل الغساسنة مبعوثه إلى بصرى، والنبي ﷺ يعلم أنها حرب غير متكافئة (3 آلاف مقابل الغساسنة والروم)، لكنه أراد إيصال رسالة للعالم وللأجيال إلى قيام الساعة أن قيمة الفرد المسلم عظيمة عند الدولة المسلمة، وأن الدولة ستنتفض إذا ما اعتُدي على هذا الفرد.
- جهز بعث أسامة بن زيد ليقتص من الروم الذين قتلوا والي معان (فروة بن عامر الجذامي) لإسلامه، وأوصى ﷺ بإنفاذ بعث أسامة وهو في سكرات الموت ليقتص لهذا الفرد.
وفي التاريخ الإسلامي أيضاً، سيّرت جيوش من أجل امرأة، كفتح عمورية في أيام المعتصم، وكما سيّر الحاجب المنصور جيشاً من أجل ثلاث مسلمات أسيرات. فليس هناك إنسان أعز ولا أكرم من المسلم في الدولة الإسلامية. وإذا كانت الدول التي تسمي نفسها "متقدمة" تفاخر بأنها تحرك جيوشاً لتنصر أفراداً، فقد سبقها بذلك رسول الله ﷺ.
لذلك، عندما تسمع عن "إقامة الشريعة" -تلك الشريعة التي شوهوها في المدارس والمناهج والإعلام- فاعلم أن من أهم وأعظم معانيها أن يصبح الفرد المسلم عزيزاً، تنتصر له الدولة وتأخذ حقه وتحفظ كرامته.
ميزان القيمة عند الله عز وجل
دعونا نتذكر قيمتنا الحقيقية. تذكر قول الله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.
وقال النبي ﷺ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ».
ونظر ابن عمر رضي الله عنه يوماً إلى الكعبة فقال: "ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك".
قد يقول قائل: "كيف يكون المسلم عزيزاً مكرماً عند الله، ومع ذلك يسمح الله بأن يحصل للمسلمين ما يحصل من قتل وتعذيب وسجن؟".
الجواب ببساطة: أن الدنيا دار بلاء لا دار جزاء، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء. هذه الحقيقة التي ينبغي أن نعيد ونزيد فيها؛ الدنيا دار بلاء، وفي الآخرة {عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
الله عز وجل يضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً. الكافر الذي ظلم المسلم أو سبه أو آذاه، سيحاسب على ذلك، وسيكرم المؤمن. {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}.
يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. هذه الدنيا يا جماعة فانية، لذلك أنت عندما تدمن على قراءة القرآن، وتتعود كل يوم أن تقرأ القرآن وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، تضع الأمور في نصابها وتعطيها أوزانها الحقيقية. هذه الدنيا غرارة وخداعة، ولا بد من القرآن ليعطيك الميزان الحقيقي؛ فالمهم هو قيمة الإنسان عند الله عز وجل لا عند أعداء المسلمين، {وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا}.
التحرر من الهزيمة النفسية
نحن عندما نقول هذا الكلام، تخرج لنا "جوقة" أو "كورال" من عديمي الهوية ومسحوقي النفسية الشاعرين بالدونية قائلين: "لا تتكلموا عن كفر وإيمان، نحن كلنا مثل بعضنا البعض!". لا، لسنا كلنا مثل بعضنا البعض؛ المسلم ليس كالكافر، وهذا من أكثر المعاني حضوراً في القرآن بعد التوحيد.
نقول هذا الكلام لنتحرر من الهزيمة النفسية، ولنتخلق بمعالي الأخلاق التي تناسب قيمتنا كمسلمين، ولننظر بعين الرحمة والإشفاق على البشرية التي هي بحاجة إلينا لننقذها من براثن الظالمين والمجرمين، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}. نتكلم عن قيمة الإسلام مقابل دناءة الكفر لتعرف أن هؤلاء مرضى بحاجة إلى إنقاذ من التخبط الذي تعيشه البشرية.
الفرق الهائل في ميزان الوحي
لو نظرنا في آيات القرآن، لا تكاد ترى صفحتين متقابلتين إلا وهذا المعنى موجود؛ الفرق الهائل بين المؤمن والكافر:
- المؤمن كتابه في عليين: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}.
- المؤمن تفتح له أبواب السماء، بينما المشرك: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}.
- الإنسان بغير إيمان في أسفل سافلين: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
انظر إلى وصف الله للمؤمنين عند دخول الجنة بألفاظ التكريم: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ}، {أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ}. لعل هذا المؤمن أُهين في الدنيا كثيراً، لكن يوم القيامة يجبر ربه كسره ويطيب خاطره. بينما يتكلم الله عن دخول الكافرين النار بألفاظ الإهانة والتحقير: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ}، {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ}.
نحن نظرتنا لعامة البشرية نظرة إشفاق ورحمة ومحاولة إنقاذ، نكرم النفس الإنسانية ونريد لها كرامة الإيمان، لكن الذي يصر ويعاند ثم يحتقرنا، نقول له ما قال الله: {أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
حقيقة المتكبرين يوم القيامة
في الحديث الذي أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، قال رسول الله ﷺ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ (النمل الصغير) فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ». هذا هو حجمهم الحقيقي يوم القيامة.
ونعود ونقول لمن يزعم أننا نرد الغلط بالغلط: نحن لا نغلط، نحن نقرر حقائق الإسلام. هذا الاعتزاز والتمايز ليس مبنياً على لون البشرة، ولا على العينين، ولا على كونك أوروبياً أو صاحب دخل متوسط كما يستخدمون هذه الألفاظ في الإعلام اليوم؛ إنما المسلم عزيز بمجرد إيمانه بالله وعمله الصالح، مهما كان أصله أو لونه.
المسلم نفسه إذا اعتز بقيمة جاهلية يهون عند الله، كما قال النبي ﷺ في الحديث الحسن الصحيح: «النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ».
هذا يشمل المسلم الذي يفاخر بالحضارات السابقة الكافرة (الوثنية) التي لم تكن على الإيمان، كما يحاول المجرمون في كل بلد أن يردوا الناس إلى ما قبل الإسلام لقطع صلتهم بدينهم؛ فالمؤمن إذا دخل في خط المفاخرة بآبائه الكفرة يصبح أهون على الله من "الخنافس".
خاتمة وتوصية تربوية
لاحظوا يا جماعة كيف أن الكل في العالم مسموح له أن يعتز بهويته أو قوميته أو جنسيته، أما المسلم فممنوع أن يعتز بإسلامه وتميزه. تجد المنهزمين نفسياً يقولون: "لا، نحن كلنا بشر بغض النظر عن الدين". لا، ليس بغض النظر عن الدين! علينا أن نشعر بتميزنا وكرامتنا وعلو قدرنا كمسلمين.
وأقول ختاماً: ليس أعداؤنا فقط من كرسوا فينا الشعور بالدونية، بل نحن نكرسه في تربيتنا لأولادنا أحياناً بالاستهزاء والتعنيف والسباب. عرّف ابنك هذه المعاني، أسمعوها أبناءكم؛ لا نريد أن نكرس عقدة الدونية في أنفسنا وفي بيوتنا ومدارسنا. نحتاج أن نغرس هذه المعاني في أطفالنا، وأفضل طريقة لذلك هي إدامة قراءة القرآن الذي يعطي الحجم الحقيقي للمؤمن والحجم الحقيقي للكافر المحارب المستهزئ.
أشعر بقيمتك وعزتك كمسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.