السلام عليكم ورحمة الله أيها الكرام،
كنت قد تكلمت في موضوع المزاح بآيات الله تعالى، وأشرت إلى كتاب قرأته قديماً بعنوان "تحذير الغافلين من خطر الهزء بالدين"، ونبّهت حينها على أن القارئ يحتاج أن يفرّق بين صورتين: الاستهزاء بالآيات من جهة، ومن جهة أخرى ذكرها في معرض المزاح واللغو وإضحاك الناس.
وقد عقدنا دورةً في الموضوع والحمد لله، والصحيح أنه مع إعادة قراءة الكتاب والتفاعل مع الإخوة المشتركين في الدورة، فإني أود التنبيه على أمرٍ مهم: كتاب "تحذير الغافلين" يزوّد طلاب العلم بمادةٍ ثريّة ونقولاتٍ مهمّة تساعدهم على تفتيح العيون على هذه الظاهرة البشعة المنتشرة -حتى بين بعض الملتزمين- من المزاح بآيات الله.
أما لعامّة الناس، فإذا قرأه إنسان ليس عنده تأصيل شرعي، فقد يقع سوء فهم لبعض نصوصه ونقولاته، فينتقل من التفريط إلى الإفراط، ومن التساهل إلى التشديد؛ ودين الله وسط بين الغالين فيه والجافين عنه، وكان بين ذلك قواماً. كما أن البعض قد تحمسوا لإطلاق الأحكام على الآخرين على اعتبار أنهم وقعوا في الاستهزاء بالدين، مع أن توصيفهم وتوصيف فعلهم ليس كذلك.
هدفنا من إثارة الموضوع يا كرام هو:
أما الحكم على الأشخاص فليس من هدفنا؛ فالاستهزاء الصريح بالدين كفر يجب معرفة حكم صاحبه وتبيانه، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}. وإنما هناك لغوٌ وخوضٌ يقترب بعضُه من الاستهزاء، وصاحبُه على خطرٍ عظيم، لكنَّ الحُكم عليه يحتاج معرفة قصد صاحبه والنَّظر في القرائن، ويحتاج علماً شرعياً. فالمطلوب يا أخي أن تنشغل بالاستفادة لنفسك وتنبيه الناس، أما الأحكام التفصيلية فتحتاج علماء ورعين متوازنين.
لذلك، فالذين أنصحهم بقراءة كتاب "تحذير الغافلين" هم تحديداً طلاب العلم المؤصلون في مباحث العقيدة، وأدعوهم عند قراءته إلى ضرورة مراعاة أمور والتنبه إليها:
الكتاب يذكر نصوصاً كثيرة في حكم الاستهزاء بالدين، ويذكر عبارات يقولها الناس لا على سبيل الاستهزاء بالدين بل ذكراً للآيات أو الأحاديث أو العبارات الشرعية في معرض المزاح واللغو؛ فقد يظن القارئ أن النصوص المذكورة في حكم الاستهزاء تنطبق على هذه العبارات التي يستخدمها الناس، وليس كذلك، بل الفرق بينهما دقيق ومهم، مع أن أشكالاً من ذكر القرآن في معرض المزاح محرمة بلا شك (كما بينا في حلقة مطولة بعنوان: "أمثلة مما يجوز ولا يجوز من ذكر آيات القرآن في معرض الكلام").
يورد الكتاب نقولاتٍ عن فقهاء في الحكم على من قال كذا أو فعل كذا، وكثير من هذه الأقوال والأفعال محتملة، فلا بد من تبيّن قصد صاحبها قبل الحكم. مثلاً: هناك نقل عن الشيخ علي القاري أنه قال: "وفي المحيط: من جلس على مكانٍ مرتفع ويسألون منه مسائل بطريق الاستهزاء ثم يضربونه بالوسائد، فإن كانوا يستهزئون بمبدأ السؤال والفتيا فهو استخفاف بالشرع، وإن كانوا كأنهم يقولون: أنت يا جاهل أهلٌ لهذا المقام، فهذا ليس فيه استخفاف بالشرع".
أو ربما يستهزئ هذا الذي وقف على مكان عالٍ بتشدقٍ يبدو من بعض الخطباء الذين يتكلفون في كلامهم، فهو لا يستهزئ بالشرع وإنما بالتشدق الذي يتقمصه ويقوم به بعض الخطباء. والسياق التاريخي للنقولات مهم جداً، فقد يكون الفقهاء ذكروا صوراً مما كان يفعله بعض المستهزئين بالدين في زمانهم مما كان يُعلم من الجميع أنه استخفاف بالدين، لكنَّ هذا لا يعني أنَّ كلَّ من فعل شيئاً شبيهاً به في زماننا فإنه يفعله استخفافاً بالدِّين ويأخذ حكمه.
أيضاً بعض النصوص في الكتاب تحتاج مراجعةً، فقد يتوهم القارئ التسوية بين من داس المصحف عامداً أو لبس الصليب عامداً، ومن صلّى إلى القبلة وفي جهتها نار، كما قد يُفهم من أحد نصوص الكتاب.
والحقيقة أن الصلاة إلى القبلة وفي جهتها نار (كالصوبة أو المدفأة أو النار العادية) حكمها بين الكراهة والجواز، ما دام المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى، وما وضع هذه المدفأة إلا للتدفؤ أو لغرض مشروع. وقد بوّب البخاري: "باب من صلى وقدّامه تنّور أو نار أو شيء مما يُعبد فأراد به الله"، وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي إن مقصود البخاري بهذا الباب أن من صلى لله عز وجل فذلك بخلاف إهانة المصحف أو لبس الصليب.
فيما يتعلق بالخشية والخشوع عند سماع آيات الله تعالى، فهناك نقولاتٌ نرى الإعراض عنها، وقد تكلمت عن ذلك سابقاً في خطبٍ وكتيبٍ بعنوان "ظاهرة المبالغات في مرويات العبادة والورع" وبعنوان "هل الإسلام دين الحزن بالفعل؟"، وهذه مواد إن شاء الله مفيدة جداً ننصح بالرجوع إليها.
فليس المطلوب أن نكون متواصلي الأحزان، ولا يثبت أن أحداً من الصحابة والتابعين خرّ ميتاً أو مرض شهراً لما سمع آية، ولا نريد الانتقال من التفريط إلى الإفراط، بل سنة نبينا صلى الله عليه وسلم أجمل وأكمل.
طيب، بعد هذا كله، أليس هناك كتاب آخر أنصح به عامة الناس؟ بصراحة لا أعلم عن كتاب كُتب في الموضوع نأمن أن يسهل إساءة فهم نصوصه. وحقيقةً، كتاب "تحذير الغافلين" يقدّم جمعاً فريداً لنقولات، بعضها هي محل موضوعنا ألا وهو ذكر الآيات في معرض المزاح، وكذلك فيه جمع واقعي لعبارات يقولها الناس فيها خطورة وهم لا يشعرون.
لكن، للاعتبارات المذكورة، فإنما ننصح به طلاب العلم المؤصلين في مباحث العقيدة تحديداً، ونسأل الله أن يوفق الكاتب الكريم إلى تحسينه في طبعته القادمة بما يأخذ هذه النقاط في عين الاعتبار، وأن يجزيه خيراً على سدِّ هذه الثغرة.
والكلمة الأولى التي نشرناها في الموضوع بعنوان "إياك والمزاح بآيات القرآن" تم سحبها لننشر بدلاً منها أخرى بإذن الله تعالى، فمن احتفظ بها في أرشيفه نرجو منه أن يعتمد البديلة.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا للصواب، والسلام عليكم ورحمة الله.