طيب، هذا البث المباشر مختلف عن كل ما سبق، يعني هو أقرب إلى الطرفة وأضحككم قليلاً في هذا المساء. لعلكم تعلمون أنني نشرت أمس تعليقاً بخصوص أخينا أدهم النابلسي، والإعلام تلقف هذا التعليق واستجاب الناس استجابات متباينة، بعضها مضحك كما سوف ترون الآن.
كنت بالأمس مشغولاً بعدة مشاغل للجامعة وللدعوة وأشياء أخرى، فقلت أعلق بالنسبة لأخينا نرفع معنوياته ونشجعه ونشد على يده، فكتبت ملخص الكلام: أنه تصور فرحة الله عز وجل بك وبتوبتك، والله يكرمك لكي تكتمل توبتك قم بحذف نتاجك السابق حتى يكون هؤلاء في ميزان حسناتك وتبدل سيئاتك حسنات، وترى هناك ناس سيضايقونك لكننا كلنا معك، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.
مرت الدقائق والساعات، وإذا بالإعلام يتلقف هاتين الكلمتين ونزل الخبر على عدة صحف بعنوان: "الدكتور إياد قنيبي يطالب الفنان أدهم النابلسي بحذف نتاجه السابق". بغض النظر هل الإعلام قاصد كلمة "يطالب" أم لا، وماذا قصد بهذه الكلمة، المهم أن ردود الأفعال جاءت من أناس كثيرين؛ كثير منهم كانت ردود أفعالهم طيبة وجميلة، وهناك فئة من الناس ذكروني بنكتة "صاحب القماشة".
ما هي نكتة صاحب القماشة يا إخواننا؟ هذه نكتة ذكرها لي أبي -رحمة الله عليه- من سنوات طويلة؛ أن رجلاً عنده قماشة ذهب بها إلى الخياط، وقال له: "السلام عليكم"، قال: "وعليكم السلام"، قال: "أخي الكريم، أريد أن أترك عندك هذه القماشة لتصنع لي منها بدلة، فعندنا يوم الجمعة مناسبة، ففصل لي البدلة وسآتيك يوم الخميس. لكن الله يكرمك، لا أريد أن آتيك غداً فتقول لي (تعال بعده)، حسبي الله ونعم الوكيل عليكم! الله يخرب بيتكم، لا تقدرون أن الناس عندهم مواعيد ومشاغل ومناسبات! كيف تتأخرون مرة ومرتين وثلاثاً وتتأخرون أسبوعاً وأسبوعين؟ أقول لك: أنا أصلاً (تيس) الذي أحضرت لك هذه القماشة! حسبي الله عليك". ثم أخذ القماشة وخرج!
بينما الخياط المسكين لم ينطق بكلمة، صار ينظر في حاله ويقول: "يا جماعة ما الذي حصل؟ أنا لم أقل ولا كلمة إلا وعليكم السلام ورحمة الله فقط لا غير!". لكن هذا المسكين صاحب القماشة يبدو أن لديه تجارب أليمة سابقة، ففرغ شحنته في هذا الخياط وأسمعه كلاماً كثيراً والخياط لم يفعل أي شيء إطلاقاً.
وهذا الذي حصل مع بعض إخواننا أمس؛ البعض منهم لما رأى الخبر بهذه الطريقة: "القنيبي يطالب أدهم النابلسي بحذف نتاجه السابق"، بدأ يعلق ويقول: "يطالب! آه.. يعني أنتم تعتبرون أنفسكم رجال دين؟ أنتم تمنحون صكوك الغفران؟ أنتم الذين شوهتم الإسلام! أنتم الذين نفرتم الناس عن الدين! أنتم الظلاميون الرجعيون المتطرفون المتشددون الوصليون! أنتم وأنتم.. حسبي الله عليكم، اتركوا الرجل في حاله". وصاحب التعليق (الأصلي) ربما يكون قد كتب تعليقه ومضى، لكن هؤلاء "انفجروا".
أنا فقط أحببت أن أعلق أو أنصح هؤلاء أصحاب التعليقات: "لا تشد على حالك كثيراً"، لأن محسوبك -عدم مؤاخذة- درس علم الأدوية والعلاجات وعنده خبرة في أمراض القلب والشرايين، وإذا كان عندك تضيق في شرايين القلب فمن الممكن أن يسبب لك هذا الكلام جلطة قلبية (Myocardial Infarction) أو احتشاء العضلة القلبية، أو سكتة دماغية، أو يرتفع السكر عندك إذا كنت مريض سكري، فـ "هون عليك" قليلاً يا حبيبي.
لأن الذي يعلق بهذه الطريقة غالباً ما يكون عنده عقد نفسية وتجارب أليمة، وبالتالي عندما يرى كلمة يلتقطها ويضخم الموضوع كثيراً. بينما يقول الله تعالى: وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
وقال الله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ
وبالتالي هذا هو الإسلام، فيه نصيحة، أعجبك أم لم يعجبك، هكذا هو الإسلام مهما قلت عن "الحرية الشخصية" وما إلى ذلك.
أما قولك يا أخي الكريم: "أنتم تظنون أن عندكم صكوك الغفران"، فليكن في علمك أنني أكره تسمية "شيخ"، ولعل أكثر شيء قلته في حياتي -لأنه تكرر معي الموقف مئات المرات- أن أقول لمن يناديني "يا شيخ": يا أخي لا تقل شيخ، أنا أخوك المسلم.
ليس عندنا "كهنوت" في الإسلام، ليس عندنا "رجال دين" و"رجال دنيا". لا يوجد شيء اسمه "أنت شيخ وأنا إنسان عادي". يقول لي: "لا، هذا من باب الاحترام"، أقول له: "شكراً، لا أريد هذا الاحترام"، أنا أحترمك وتحترمني، لكن لا تعطي أصحاب المظهر السني لقباً خاصاً لأن هذا يصنع نوعاً من الفصل، وكأنكم تقولون: "أنتم بتوع الإسلام والشريعة ونحن ناس عاديون".
كيف يعني عاديين يا حبيبي؟ هل القرآن نزل على "الشيوخ" والإسلاميين فقط أم نزل لكل أمة محمد ﷺ؟ عندما أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية مثلاً، هل أمر بها الشيوخ فقط أم رجال أمته؟ (أنا لا أتكلم الآن عن حكم اللحية لكن الشاهد في الفكرة).
لذلك لا أرى نفسي "رجل دين" يعطي صكوك الغفران، أنا أنصح أدهم النابلسي، وإذا نصحني أدهم النابلسي يوماً ما بحاجة فـ "على عيني ورأسي". أنصح أي أخ من إخواني، وأنصح أختي المسلمة المتبرجة، وإذا نصحتني هي فـ "على عيني ورأسي". نحن نتناصح فيما بيننا، ليس عندنا "حرية شخصية" بمعنى (لا دخل لك بي ولا دخل لي بك) في أمور الدين.
فأحببت توضيح هذا الكلام، وأذكر أصحاب هذه التعليقات بألا يكونوا مثل "صاحب القماشة" الذين لديهم عقد نفسية من تجارب سابقة فيفرغونها في الآخرين.
سامحوني طبعاً، أنا تسعة وتسعون في المئة من الذين يتابعون هذا البث هم من الإخوة الذين نحبهم ويحبوننا ولا يعلقون بمثل هذه التعليقات، لكن لأن مثل هذه التعليقات تتكرر: "أنتم.. أنتم"، مَن أنتم؟ أنا لما كتبت التعليق كنت وحدي في الغرفة على فكرة، وعلى فكرة أنا لست سميناً زيادة حتى تظن أني "ثري إن ون" (3 in 1)، يعني أنك تراني عن ثلاثة أو أربعة! أنا كل وزني لم يصل سبعين كيلوغراماً فيما أتذكر، وبالتالي "بلاش أنتم هذه"، كل واحد يحاسب على نفسه وعلى أعماله.
لا تنفس عقدك يا أخي الكريم ببعض المشاهد المختزنة في ذاكرتك أو التي حشاها الإعلام في رأسك -هاي طيرنا النظارة كمان- حشاها الإعلام في رأسك فتروح تنفسها على كل صاحب لحية. في النهاية أنت مطالب بهذه اللحية، أنت مطالب بأن تحمل لواء السنة والدعوة إلى الله، إذا رأيت إياد وأمثال إياد خانوا هذه الأمانة -نفترض أنهم ليسوا على قدر هذه الأمانة وليسوا على قدر تمثيل الدين- اذهب أنت يا سيدي وارفع لواء الدين، واذهب أنت ودافع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن "بلاش أنتم ونحن"، والله تعالى أعلم.
وهذه أول مرة ترى بعمل فيها بثاً مباشراً بهذا الشكل، عادةً أحب أن أحضر أكثر، لكن عندي موعد أنتظر ابنتي عندها اختبار معين، أنتظرها لتنتهي، فقلت "أفضفض لكم" وأتحدث معكم في هذا البث، على أمل اللقاء بكم إن شاء الله الليلة لنتكلم عن موضوع مهم وعدتكم به، ألا وهو: "أمثلة مما يجوز وما لا يجوز من الاقتباس أو التمثل بالقرآن الكريم"، والتحذير مرة أخرى من ذكره في معرض المزاح والهزل، ونماذج على ذلك.
بارك الله فيكم وجزاكم خيراً، وإذا أعجبتكم هذه الطريقة أخبروني، لأنني بصراحة أحب دائماً أن أحضر وأقيس كلامي "بالملي" حتى لا "نخبص"، لكن أظن أن كسر الحاجز جيد حتى لا أؤجل كثيراً من الأشياء التي أحب أن أقولها من زمان.
الله يفتح عليكم ويجزيكم خيراً إخواننا جميعاً وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.