حتى تنجح ثورة الشام المباركة (1)
استراتيجية "الإفشال" في تجارب الحكم
يقول المحلل السياسي والمؤلف المتخصص في التطرف الإسلامي "جراهام فولر" -والذي شغل منصب نائب رئيس جهاز المخابرات الأمريكية، وعمل بين وزارة الخارجية الأمريكية والـ (CIA) لمدة سبع وعشرين سنة، وعمل في مؤسسة "راند" للتخطيط الاستراتيجي متخصصاً في شؤون الشرق الأوسط، ثم بروفيسوراً في التاريخ في جامعة "سيمون فريسر"- وضع هذا الرجل خلاصة خبرته العريقة في جملة خطيرة من كتابه (مستقبل الإسلام السياسي) يقول فيها: "لا شيء يمكن أن يظهر الإسلاميين بأسوأ صورة أكثر من تجربة فاشلة في الحكم".
هذه الاستراتيجية في إيصال الإسلاميين إلى الحكم ثم إفشالهم، استُخدمت في إسقاط الأحزاب المنخرطة في اللعبة الديمقراطية كما حصل في مصر، لكننا نرى أنها تُستخدم أيضاً لتدمير الحالة الجهادية في سوريا.
قراءة في التحركات الميدانية والسياسية
إن انسحاب النظام النصيري من مساحات كبيرة وتركها تتمتع بأمان نسبي، وتغاضي دول الجوار عن دخول بعض المجاهدين إلى الشام، ودعم دول الخليج الوظيفية لبعض هذه الفصائل؛ إن حصل هذا -لا قدر الله- فسييكون ضربة للحالة الجهادية في سوريا، ومنعاً لتحررها، وإعادةً لها إلى حظيرة الرق الدولي. ولعل ضرب مستودعات القمح في المناطق التي يسيطر عليها الثوار جزء من هذا المخطط لتثوير الناس عليهم تحت وطأة الجوع.
لذا إخواني، فنحن فرحون بتحرير "مطار منغ العسكري" وبالتقدم في "الساحل السوري"، لكن هذا لا يمنعنا من المناصحة المنهجية؛ لا من قبيل إفساد الفرحة ولا التقليل من شأن الانتصارات، لكن حرصاً على تثبيتها وزيادتها، ولئلا تنقلب هزائم.
فقه التعامل مع التباين المنهجي
بين يدي هذه المناصحات، نقدم بمقدمة مهمة: إن التباين المنهجي عبر هذا الشعب المجاهد وعبر أبناء الأمة المتوافدين على أرض الشام أمرٌ واقعٌ مفروض. لذا، فمن العبث أن نبادر برفض وجود فصيلٍ مجاهد ونتبرم منه حتى وإن كانت له أخطاء، وله بطولات لا تنكر في قتال العدو، وعامة أفراده من أبناء الأمة الإسلاميين البررة الذين توافدوا على أرض الشام لإغاثة إخوانهم المسلمين.
ولم يكن دافعهم الأصلي في ذلك فرض أنفسهم على أحد، بل جاءوا يفدون مسلمي سوريا وأعراض المسلمات بأرواحهم ودمائهم لرابطة الدين التي يفضلونها على رابطة النسب. هؤلاء إن أخطأوا ماذا نفعل معهم؟
- هل نقاتلهم؟
- هل نقصيهم وننفر عنهم؟
- هل نحاول عزلهم عن جسد المجتمع؟
إن فعلنا، فهذا أرجى ما يتمناه أعداؤنا في هذه المرحلة، فهم المستفيد الأوحد منه. لكن في الوقت ذاته، لا نقرهم على أخطائهم ولا نسكت عنها بحجة أنهم مجاهدون مضحون؛ فلابد إذن من المناصحة، مناصحة التكامل والارتقاء، لا المعاداة والإقصاء، طالما أن بنادقهم موجهة للعدو المشترك.
خطوات نحو وحدة الصف
لذا، فلنركز جهودنا إخواني على:
- إشاعة أجواء التفاهم بين الفصائل، وإحسان ظن بعضها ببعض، والتراحم فيما بينها.
- دعوة كل فصيل إلى التفريق بين ما هو "خطأ قطعي" وما "يتحمل الاجتهاد" قبل نقد مناهج الفصائل الأخرى.
- السعي في منع بغي أي منها على الآخر.
- السعي في تقوية روابطها بعموم السوريين والتحامها بجسد هذا المجتمع.
- تشكيل مجلس شورى مشترك يضم أيضاً وجهاء الناس ممن يحبون الله تعالى ودينه.
فإن نجح المصلحون في ذلك، نتج عنه بإذن الله خير عظيم عميم. إن تفكيرنا بهذه الطريقة -أننا لا نريد لفصيل ما أن يتلاشى أو يُعزل، ولا نصرّ مرحلياً على أن يذوب في غيره، بل نريد له أن يصوب أخطاءه ويتفهم إخوانه- سينعكس بشكل كبير على نصيحتنا وتعاملنا.
وليكن شعار المرحلة قوله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ}، ولا يخفى كثرة عمل شياطين الإنس والجن للإفساد بين المجاهدين.