السلام عليكم. تصوروا شاباً يشرب محرماً ويرقص في سهرة صاخبة، ثم فجأة يسمع أحدهم يستهزئ بالدين أو يذكر آية بسخرية، فيتوقف ويرمي ما بيده، وتشتعل في عينه شرارة غضب غير متوقعة ويصرخ: "إلا الدين.. ما بسمح لك!".
قد يضحك من حوله ويقولون له: "يا حبيبي، أنت تفعل كل هذا الذي تفعله وجاي تغار على الدين؟". والسؤال هنا: هل هذا فعلاً تناقض مضحك؟ أم أنه الخيط الأخير الذي قد ينقذه؟
في قلوب كثير من العصاة شمعة خفية يحاول الشيطان إطفاؤها بعبارة "خربانة خربانة". ما هي هذه الشمعة؟ وكيف تنقذك حين تنهار كل دفاعاتك؟
سأشرح لكم مفهوماً بسيطاً لكنه مهم جداً يمثل هذه الشمعة، ألا وهو "أعمال القلوب". والمقصود بأعمال القلوب هي المشاعر والاعتقادات التي في نفسك؛ فالمسلم مثلاً من أعمال قلبه: محبة الله ورسوله، تعظيم الله، الرجاء في رحمته، الخوف من عقابه، إخلاص النية لله، اليقين به وبالآخرة، الرضا بقدره، والتوكل عليه.
من المهم أن تعلم أن كثيراً من هذه الأعمال له ثلاث مراتب (ثلاثة مستويات):
على سبيل المثال، محبة الله تعالى لها ثلاث مراتب:
الذي عنده "أصل المحبة" فقط، يعني أن عنده محبة ضعيفة لله، لا تدفعه للقيام بكل الفرائض والواجبات، ولا تمنعه من الوقوع في المعاصي والمنكرات. هل هو كافر؟ لا، هذه المحبة الضعيفة تنجيه من الكفر في اختبار المحبة تحديداً، لكنها لا تنجيه من الإثم والعقوبة. لاحظ أنه لا يكره الله -والعياذ بالله- وليس محايداً تجاه الله، بل هو يحب الله لكنها محبة ضعيفة.
أما لكي ينجو من الإثم والعقوبة، فالمطلوب منه أن يكون لديه "المحبة الواجبة" لله ورسوله ودينه. يقول النبي ﷺ كما في البخاري: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». فهل معنى هذا أن الذي لا يحب النبي ﷺ بهذا المقدار فهو كافر؟ لا، وإنما هو لم يؤمن "الإيمان الواجب".
كذلك يقول الله تعالى: قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ
لاحظ أن الذي يقدم محبة أي من هذه الأشياء الدنيوية على محبة الله ورسوله فهو "فاسق". والذي يضع المحبة على المحك هو الطاعة؛ فإذا كنت تعصي الله ورسوله لأجل هذه الأمور، فلقد فشلت في تحقيق المحبة الواجبة، وإن كان ممكناً أن يبقى عندك أصل المحبة.
وهناك مرتبة أعلى وهي "كمال المحبة"، التي تجعلك لا تقوم بالفرائض فحسب، بل وتحرص على النوافل وتقدمها على أهوائك، فتنال درجة الولاية التي قال الله فيها في الحديث القدسي: «مَنْ عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ...» (إلى آخر الحديث).
تعالوا الآن إلى عمل قلبي خطير آخر، ألا وهو "تعظيم الله تعالى". الذي عنده "أصل التعظيم" فقط، هو لا يستهزئ بالله -والعياذ بالله- ولا هو محايد، بل عنده تعظيم لكنه ضعيف لا يجعله يستجيب لأوامر الله كما يجب، ولا يمنعه من الوقوع في الكثير من المنكرات؛ فهو إنسان ظالم لنفسه ومهدد بالعقوبة، لكنه مسلم.
أما الذي عنده "التعظيم الواجب"، فسيقوم بالفرائض وينتهي عن الكبائر ولا يصر على الصغائر، وإذا وقع في شيء من المعاصي تاب واستغفر، ولا يطيع أحداً بمعصية الله، ولا يوالي أعداء الله: أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وهذا هو الذي ينجو من العقوبة يوم القيامة.
ماذا تستفيد من هذا كله؟ تستفيد فائدة عظيمة جداً إذا كنت من أصحاب المعاصي والتقصير؛ ففهم هذه المراتب يحميك من فخ خطير من فخاخ الشيطان.
حين تكون غارقاً في المعاصي وتاركاً لكثير من الفرائض، يأتيك الشيطان ليستدرجك لمعصية كفرية (مثل سب الله أو الاستهزاء بشعائر الدين كالحجاب أو الأحكام الشرعية). حين تتردد، يقول لك الشيطان: "خربانة خربانة! أنت تفعل كل تلك المعاصي، فهل وقفت على هذا الأمر؟".
هنا يجب أن تفهم: لا، ليست "خربانة خربانة". أنا وإن كان ليس عندي "التعظيم الواجب"، إلا أن عندي "أصل التعظيم"، ولن اسمح لأحد من الإنس أو الجن أن ينتزعه مني.
لماذا؟ لأن الفرق هائل:
تذكروا الحديث الذي رواه مسلم أن بغياً (امرأة زانية) مرت بكلب يلهث، فنزعت موقها (خفها) فسقته، فغفر الله لها. ويفهم من مجموع النصوص أنها كانت موحدة.
احرصوا على بقاء شعلة "أصل التعظيم" و"أصل المحبة" لله في قلوبكم. داروا عليها، ولا تسمحوا لأحد ولا لظرف أن ينتزعها منكم. حتى لو كنت واقعاً في الزنا أو شرب الخمر أو المال الحرام -والعياذ بالله- إياك أن تقول "خربانة خربانة".
إذا نكت أحدهم على شيء من الدين أمامك، انتفض وقل له: "ما بسمح لك، هذا خط أحمر". إذا سب أحدهم الرب أو الدين، اغضب. قد يضحكون عليك ويقولون: "أنت تتكلم في الدين يا صاحب المعاصي؟"، قل لهم: "نعم، لست مستعداً لإطفاء هذه الشمعة، ولست مستعداً لضياع أصل المحبة والتعظيم لأنتقل إلى دائرة الكافرين وأخلد في جهنم لأجل مجاملتكم".
قد تكون في مدرسة أو جامعة أو اجتماع شركة، ومش معروف عنك التدين، ويقال أمامك كلمة فيها استهانة بالدين؛ لا تنحرج أن تغضب وتنكر، ولا تدع أحداً يضحك عليك بأنك "متناقض"، بل قل لهم: "أنا مقصر، لكن هذا خط أحمر".
واعلم أنه ببركة موقف كهذا، قد يغفر الله لك ويهديك ويعينك على طاعته. ففي الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ».
يا ليت تحرص جداً على الصلاة؛ لأن ترك الصلاة مما ينافي أصل الإيمان ويوقع في الكفر على قول معتبر عند العلماء.
وهذا الكلام ليس للعصاة فقط، بل حتى للمستقيمين؛ ففهمك لهذه المراتب يمنعك من التكفير بغير حق. حين ترى إنساناً منغمساً في المعاصي، لا تقل: "أكيد هذا كافر لأنه لا يعظم الله"، بل قل: "لعله فقد التعظيم الواجب لكنه لا يزال يملك أصل التعظيم الذي ينجيه من الكفر".
ختاماً، احرص على شمعتك، لعل الله عز وجل يبارك فيها ويكبرها، ويحرق بها ملوثات حياتك، ويجعلها لك نوراً في الدنيا والآخرة.
والسلام عليكم.