السلام عليكم أيها الكرام. لعلكم سمعتم برحلات "اصطياد البشر" التي أعاد تسليط الضوء عليها الصحفي الإيطالي إيزيو جفازيني؛ حيث كان أثرياء يمارسون الترفيه باصطياد البشر، وأي بشر؟ المسلمين المحاصرين في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك من قبل القوات الصربية في حصار استمر أربعة أعوام (من 1992 إلى 1996) تحت سمع العالم وبصره.
حسب التحقيق، كان هؤلاء الأثرياء يأتون من أمريكا وروسيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا إلى منصات مخصصة للقنص مطلة على سراييفو، ثم يبدؤون بممارسة هذه الهواية بعد أن يدفعوا مبالغ طائلة للقوات الصربية التي صنعت لهم هذا النوع من "السياحة الترفيهية". وإذا كانت الضحية طفلاً من أطفال المسلمين، فإن المبلغ كان أعلى مما لو كان غير ذلك.
قد يقول قائل: "لكن أين كانت الأمم المتحدة؟ أين كان مجلس الأمن؟". لاحظ أن هذه الدول التي يأتي منها هؤلاء المجرمون هي الأعضاء الدائمة في الأمم المتحدة: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، وروسيا.
لكن من قال لك إن الأمم المتحدة لم تتدخل؟ لقد تدخلت بالفعل؛ أرسلت قوات حفظ السلام الهولندية التي قامت بنزع سلاح مسلمي البوسنة في مناطق معينة، وأعلنت "سربرينيتسا" منطقة آمنة منزوعة السلاح، ثم فتحت المجال للقوات الصربية لتدخل المدينة ليقوموا بقتل الآلاف من المسلمين والاغتصاب الجماعي لآلاف المسلمات في واحدة من أسوأ فظائع التاريخ المعاصر.
وكانت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تتفرج، بل وتسهل مهمة القوات الصربية. ولا تزال في الذاكرة صورة "توم كاريمانز" قائد القوات الهولندية وهو يتناول النبيذ الأحمر مع المجرم "راتكو ملاديتش" قائد هذه المجزرة في سربرينيتسا. بالاضافة إلى قوات حفظ السلام البريطانية التي كانت مشغولة عن حماية مدينة "غورازده" بالتقاط الصور أمام مساجدها المهدمة.
كشفت صحيفة "الجارديان" البريطانية كيف أن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة قامت باستعباد النساء والفتيات في العديد من مناطق الحرب في العالم، ومنها البوسنة، وأرسلتهن لبيوت دعارة وبارات للمتاجرة بأعراضهن، كما بينا بتفصيل أكثر في حلقة "المتاجرة بحقوق المرأة والطفل".
عندما تسمع: الأمم المتحدة، مجلس الأمن، قوات حفظ السلام، نزع السلاح؛ تذكر هذا كله. وتذكر أن مجلس الأمن وافق بالإجماع مؤخراً على مشروع القرار الذي يقضي بنزع السلاح في غزة. وتذكر استمتاع الصهاينة باصطياد أهلنا في غزة في نقاط توزيع المساعدات الإنسانية الأمريكية، تماماً كما كان أهل سراييفو يُصطادون.
بالمناسبة، الإعلام العالمي والدول الغربية لا مانع عندها أبداً أن يخرج بعد عدة سنوات وثائقي وتحقيق يبين ما يحصل حالياً من مجازر ويبين التواطؤ الدولي عليها. فكما قال الرئيس البوسني المسلم علي عزت بيجوفيتش: "كان الغرب ينتظر إبادة البوسنة، وكان مستعداً لإقامة بيت عزاء يكثر فيه الندب والنواح".
المنطق الغربي يقول: ننزع سلاحكم، نبيدكم، ثم بعد ذلك ننشر الوثائقيات التي تبين إجرامنا ونقيم بيت عزاء للنواح عليكم. ما دام السلاح يُنزع من المسلمين ويتحولون إلى أهداف للصيد، فلا مشكلة لديهم في تبيين مدى إجرامهم ووحشيتهم؛ بل هذا يجعلكم تنكسرون أمامنا أيها المسلمون وتفقدون الدافعية لمقاومتنا.
بالمناسبة، القوات الهولندية التي ساعدت الصرب في مذبحة سربرينيتسا، قبل ثلاث سنوات فقط (عام 2022) وبعد 27 عاماً من المجزرة، قامت الحكومة الهولندية بتقديم اعتذار لأنها لم تحمِ أهل سربرينيتسا بما فيه الكفاية! هكذا ينتهي كل شيء بالاعتذار، لكنها في الوقت ذاته كرمت جنودها الذين كانوا في تلك المذبحة وواجهوا عاصفة انتقادات؛ كرمتهم جبراً لخواطرهم!
أنت الآن تقول: "مستحيل ننسى، وينسى أبناؤنا ما حصل في غزة". للاسف ليس مستحيلاً؛ اسأل ابنك وبنتك إن كانوا يعرفون شيئاً عن مأساة البوسنة والهرسك؟ لا يعرفون. لماذا؟ لأن المناهج المدرسية تعود بهم إلى تفاصيل تاريخ الحضارات البائدة ولا تبصرهم بالواقع ولا بحقيقة المنظمات الأممية.
الآن الآباء معزولون عن تربية أبنائهم، ووسائل التواصل الاجتماعي يتم فيها بشكل ممنهج محو المحتوى الذي يوثق الجرائم. وتبقى الأجيال الجديدة يقال لها: "الآيات التي فيها قسمة الناس إلى مسلم وكافر هي تكريس للكراهية"، و"الآيات التي تحدثكم عن استرداد عزتكم بأيديكم ما عادت تناسب العصر حيث القانون الدولي والسلام العالمي والمعاهدات الدولية والأمم المتحدة ومجلس الأمن".
هذه حقائق نذكرها لا للإيلام، وإنما لتستبين سبيل المجرمين، وليدرك المسلمون حقيقة من يأتي ليعلمهم حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الإنسان. وحتى لا ننسى.
والسلام.