رسالة إلى جاري النصراني بمناسبة الكريسماس
هذه رسالة أوجهها لجاري وزميلي النصراني بمناسبة الكريسماس. يمكن أنت منتظر مني أقول لك "عيد ميلاد مجيد" أو "ميري كريسماس"، خاصة أنك هنأتني برمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى، وخاصة أيضاً أنني عندما تمرض أزورك، ولما تحصل عندك مناسبة اجتماعية أهنئك.
قبل ما نتكلم عن التهنئة بالكريسماس بالذات، اسمح لي أذكرك ببعض الحقائق عن ديني وعن الكريسماس، وأنت بعدها قل لي: هل تتوقع مني أن أهنئك أم لا؟
النية في العمل التعبدي والمجاملة
نبينا ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات"، فأي حاجة أقولها أو أفعلها أنا كمسلم لا بد أن أكون عارفاً لماذا أقولها أو أفعلها، ولا بد أن تكون نيتي فيها صالحة. أنا عندما أهنئك بالكريسماس، فإما أنني أفعل ذلك كطاعة لله (يعني عمل تعبدي)، أو أنه أمر مباح فممكن أعمله من قبيل المجاملة لك.
تعال أولاً نتذكر ما هو الكريسماس؛ لنرى إن كانت التهنئة بالكريسماس أو المشاركة معك في الاحتفال به هي مما يمكن فعله لوجه الله، أو مما يمكن فعله لأجلك كمجاملة.
حقيقة الكريسماس في المراجع النصرانية
الكريسماس هو اليوم الذي بدأ كاحتفال وثني، كما توضح المراجع النصرانية، ومنها "دائرة المعارف الكتابية" (المجلد الرابع) والذي كتبه أربعة من القساوسة، حيث يقول: "لا يمكن أن نحدد بدقة اليوم والشهر اللذين ولد فيهما يسوع، فقد كانت هناك معارضة شديدة جداً في الكنيسة الأولى للعادة الوثنية في الاحتفال بأعياد الميلاد".
ويضيف المرجع: "وربما كان سبب اختيار الكنيسة الغربية ليوم 25 ديسمبر هو أن الرومان كانوا يحتفلون في ذلك اليوم بعيد إله الشمس". فشجرة عيد الميلاد وثنية، وتبادل الهدايا وثنية، وكل جزء من الكريسماس أصله وثني تم تحويله إلى طقوس مسيحية.
وهناك القس الأمريكي "ديفيد سيباك" في مقطع له بعنوان "لماذا لا يحتفلون بالسنة الجديدة"، يذكر نصوصاً من كتابكم الذي تسمونه "الكتاب المقدس" تحرم تقليد الأمم الأخرى في عاداتها، مثل ما ورد في (سفر إرميا - الأصحاح العاشر): "هكذا قال الرب: لا تتعلم طريق الأمم.. لأن فرائض الأمم باطلة".
فهل تتوقع مني يا جاري النصراني أن أحتفل معك بعيد وثني، أو أن أهنئك بهذا العيد الغريب عن دينك أصلاً؟
لماذا لا أهنئك؟ (منطلق الرحمة لا الكراهية)
قد تقول: "هذا كان في البداية، نحن الآن نحتفل به على اعتبار أنه يوم ميلاد المسيح". طيب، ومن المسيح بالنسبة لك يا جاري النصراني؟ هو "ابن الرب" والذي هو في الوقت ذاته "الرب متجسداً في البشر".
هذه العقيدة أنا كمسلم لا أراها شيئاً يستحق الاحتفال، بل أراها أخطر شيء عليك، وأنا خائف عليك منها لأني أرحمك وأحب لك الخير وحريص عليك؛ فأنا أخشى أن تموت على الشرك.
أنا أرحمك لأن قدوتي نبيي محمد ﷺ الذي قال: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها".
نبيي ﷺ هو القائل: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". وأنا لو رأيت بيتك يحترق بالنار، لن آتي وأقول لك "ميري كريسماس"، بل سأحاول إنقاذك.
أنا كمسلم أحب نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام، وأعتبر نفسي أولى به منك، كما قال نبينا ﷺ: "أنا أولى الناس بعيسى". تعرف لماذا؟ لأنه حسب القرآن الذي أؤمن به قال المسيح: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}.
فأنا أخاطبك بنفس خطاب عيسى عليه السلام، وخائف عليك من غضب الله القائل: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْن مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا}.
أنا كمسلم معتز بديني، لا تتوقع مني أن أهنئك بهذا العيد أو أشارك فيه وأعرض نفسي لغضب الله، وأخونك بدلاً من أن أنقذك، فقط لأظهر منسجماً اجتماعياً أو لكي لا أتهم بالرجعية والطائفية. صدقي معك وأمانتي وحرصي على الخير لك أهم من كل هذا الكلام، ولست مستعداً أن أضحك عليك لكي لا أجرح شعورك.
لدينا مثل يقول: "الله يرحم من بكاني وبكى علي، ولا يرحم من ضحكني وضحك علي". أنا لن أضحك عليك لأن مشاعرك تهمني، نعم تهمني، لكن إنقاذك من غضب الله يهمني أكثر.
حدود البر والقسط في الإسلام
طيب يا مسلمين، أليس كتابكم يقول لكم: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}؟
بلى، ولأجل ذلك أنا أحسن إليك؛ فإذا توفي لك قريب أعزيك بألفاظ شرعية، وإذا صارت عندك مناسبة أهديك هدية، إذا تخرجت أو تزوجت أو فرحت بمناسبة اجتماعية (غير دينية) أهنئك بألفاظ شرعية.
ديني يأمرني أن أكون عادلاً معك في المعاملات المالية وكل المعاملات؛ فأنا زميلك وأعينك ولا أتنافس معك منافسة غير شريفة، وأنت طالب عندي فأعطيك أحسن ما يمكن، وأنا جارك فأكون معك في غاية النظافة وأعطيك حقك؛ لأن ربي قال لي: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}.
ديني يأمرني أن أكون أميناً مستأمناً معك، بحيث تأمنني على دمك ومالك وعرضك، فلا أغدر بك ولا أغشك ولا أنتهك حرمتك. قال رسول الله ﷺ: "المؤمنُ من أمِنَه الناسُ على دمائهم وأموالهم"، هكذا بالإطلاق.
ديني يوصيني أن أفي لك بالعهود، وأصل رحمك إذا كنت قريباً، وأن أسعى في أخذ حقك وأنصرك إذا كنت مظلوماً، حتى وإن كان الظالم مسلماً؟ نعم، حتى وإن كان الظالم مسلماً؛ لأن دين الحق يدور مع الحق حيث دار.
أنا كمسلم معتز بديني أحسن لك يا جاري النصراني، وربما أحسن لك من ابن دينك، وخذ بالك أنني أفعل هذا كله تقرباً إلى الله تعالى، ليس نفاقاً ولا لمصالح دنيوية ولا لأجل "الوحدة الوطنية"؛ لأن الوحدة الوطنية ليس لديها جنة أعمل لها ولا نار أهرب منها، وإنما أعمل ذلك تقرباً إلى الله الذي أوصاني بهذا كله وجعل عليه جنة وناراً.
الاعتزاز بالشخصية الإسلامية والتميز العقدي
أكبر فرحة لي يا جاري النصراني هي عندما أقنعك بالدخول في الإسلام، كما فرحتُ لَمَّا أسلم أحد أبناء بلدك النصارى في بيتي بعد مناقشات وتودد وحسن معاملة والحمد لله. أما أن أهنئك بعيد "ميلاد الرب" كما ترى، فإما أنني أشاركك فيما أراه شركاً، أو أنني لا أعني ما أقول وإنما أكذب عليك وأخادعك؛ لا، أنا لا أكذب ولا أخادع.
أما الذين يقولون من الشيوخ إن هذه التهنئة من "البر"، فكلام هؤلاء الشيوخ باطل. نحن ليس عندنا في الإسلام "كهنوت" ولا رجال دين يغيرون ما أمر الله به. فرسول الله ﷺ الذي نزلت عليه آية {أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}، والصحابة وعلماء المسلمين عبر القرون، فهموا الآية وعملوا بها، ولم يفهم أحد منهم أن تهنئتك بما تراه "ميلاد الرب" هو من البر.
قد تقول: "يا مسلم، لماذا لا تحتفل معي وأنت تنوي أنك تحتفل بعيسى النبي، وأنا أحتفل بعيسى الرب؟". لا طبعاً، ديني يأمرني أن أكون صاحب شخصية مستقلة مؤثرة لا متأثرة: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. نحن كمسلمين يجب أن نكون قدوة للأمم يتبعوننا على الحق ولا نتبعهم، وهذا من تكريم وعزة الإسلام.
نبينا ﷺ قال: "إنَّ لكلِّ قومٍ عيداً" كما في البخاري ومسلم. انظر إلى التركيب: "إن لكل قوم عيداً"، مثل تركيب قول الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}، وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}. فكما لنا قبلتنا وشرعتنا ومنهاجنا، فلنا أعيادنا.
وحتى لو قلت: "نحتفل بنية أنه عام جديد فقط ولا نقصد معتقدات دينية"، فهذا لا ينفع؛ لأنه حتى لو لم تحتفل بنية دينية، فغيرك يحتفل بها على هذا الأساس ويرفع فيها شعارات شركية، فالمسلم لا بد أن يتميز عن هذه الاحتفالات ويتبرا منها.
المسلم يتميز بشخصيته ومظهره حتى في الأمور العادية؛ روى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اليهودَ والنصارى لا يصبغونَ فخالِفوهم" (يعني اصبغوا الشيب)، هذا مع أن الشيب أمر خِلقي، فما بالك باحتفالات لها أصول عقدية؟ هذا التميز ليس كبراً، وإنما الإسلام يريد للمسلمين أن يكونوا مسطرة معيارية ونموذجاً ناصعاً للأمم، بحيث مهما انحرفت طرق الناس وتغيرت عاداتهم وتأثروا بالجاهليات، يبقى المسلمون بنقائهم وتميزهم نبراساً للأمم يضيء لها الطريق.
خاتمة ودعوة
قبل أن أختم، أحب يا جاري أن أذكر لك نصاً يبين لك حقيقة هذا العيد من كتبكم؛ ففي كتاب "الميلاد: المتولي، الظهور الإلهي" لـ "التاليس المقاري" يقول: "لم يكن في ذهن الكنيسة في عصورها الأولى تحديد يوم بذاته للاحتفال بميلاد السيد المسيح، فالعلامة أوريجانوس يعترض على الاحتفال بأعياد الميلاد نظراً لأنها في رأيه عادة وثنية".
ختاماً يا جاري النصراني: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. فأنا أدعوك إلى "كلمة سواء" تدخلك في التوحيد، لأني أرجو كما كنا جيراناً في الدنيا أن نكون جيراناً في الجنة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.
أسأل الله أن يهديك، ويهدي أبناء المسلمين الذين يجاملونك على حساب خداعك وعلى حساب آخرتهم. والسلام على من اتبع الهدى.