نصرة الدين مسؤولية الجميع لا تقتصر على العلماء
هذه القسمة الثنائية لا تُعرف أبداً في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ولا نحب أن نقول "عوام وعلماء"؛ لأن هذه القسمة تجعل عند بعض الناس اعتقاداً وظناً بأن نصرة الدين والدفاع عن الشريعة هي مهمة "الإسلاميين"، أما أنا فعلي أن أنشغل بخاصة نفسي.
بينما قال ربنا عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}. المؤمنون جميعاً بكل طبقاتهم، ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، علماء ومقلدين، اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم.
أحبتي، تمر مصر بمرحلة حرجة تقرر مستقبلها، بل وتؤثر على مستقبل الأمة الإسلامية بأسرها، وكل مؤمن مكلف بنصرة هذا الدين في هذه المرحلة. والله عز وجل من رحمته وعدله قال: {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}. من رحمة الله وحكمته وعدله لن يقول لك يوم القيامة: "أنت لماذا لم تصلح الكون؟" أو "أنت لماذا لم تقم الدولة؟"، بل يسألك الله عز وجل عن نفسك: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}. ماذا قدمت لدين الله عز وجل؟
أخطاء "الإسلاميين" ليست ذريعة للقعود
بعضنا ينشغل بأخطاء الآخرين ويعتبر أن الإسلام لم يُمثل في هذه المرحلة تمثيلاً صحيحاً، ويعتبر أن الذين رفعوا الراية الإسلامية لم يعطوها حقها ولم يقوموا بأداء دورهم على الشكل المطلوب. والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.
الأخطر أن بعضنا يعتبر أخطاء من يسميهم "إسلاميين" -ونحن لا نقر بهذه التسمية كما ذكرنا لأنها تحدث قسمة ثنائية- اتخذ أخطاءهم ذريعة وسبباً للقعود عن نصرة دين الله عز وجل وخذلان الشريعة، وهذا إخواني مقتل شيطاني خطير.
نقول: يا أخي، إن كنت ترى أن الإسلام لا يُمثل تمثيلاً صحيحاً، وإن كنت ترى أن الذين يرفعون اللواء لم يعطوا هذا اللواء حقه، فهذا يزيد حملك ومسؤوليتك. أللسنا في النهاية جميعاً مسلمين؟ ألست مسلماً؟ إذا كنت ترى أن حامليه لم يعطوه حقه، إذن عليك أن تبادر أنت إلى رفع هذا اللواء.
لو كان من يفترض فيهم رفع اللواء وإعطاؤه حقه قد قاموا بأداء دورهم لعذرناك إن قعدت، وقلنا ضعف منك وأصلحت خاصة نفسك، أما وقد قلّ من أمسك اللواء وأعطاه حقه، فواجب عليك أنت يا من تسمي نفسك عامياً، يا من تعتبر نفسك مقلداً، إن رأيت دين الله يخذل واللواء لا يعطى حقه، واجب عليك أنت أن ترفع اللواء. واجب عليك أنت أن تنتفض لحماية شعار "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، أن تنتفض لحماية هذا الشعار من أن يلقى على الأرض ويداس بالأقدام.
نصرة الدين بك أو بغيرك
لا تنتظر يا أخي أن يأتي سكان من كوكب آخر حتى ينصروا دين الله عز وجل، لن ينصره إلا أنتم، إلا أنتم يا أبناء المسلمين، إلا أنتم يا من رضيتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً.
دين الله منتصر بك وبغيرك، الله عز وجل قد وعد أن يصل هذا الدين إلى كل بيت مدر ووبر، لكن السؤال: هل سنكون نحن جنداً في نصرة دين الله عز وجل أم لا؟ أنت الذي بحاجة إلى دين الله وليس دين الله بحاجة إليك. أما إن شغلت نفسك بانتقاد حاملي الراية وانتقاد أخطائهم ولم تقم بأداء الدور، إن رأيت "لا إله إلا الله" تسقط على الأرض ولم تنتفض لحملها، فاعذرني إن قلت لك حينئذ: أنت قد خنت الله وخنت الرسول وخنت الأمانة.
استمع لقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. لاحظوا "يا أيها الذين آمنوا"، ما قال يا علماء، ما قال يا إسلاميين، ما قال يا حزبيين. الذي يرى المعركة الآن ويعتبر أن الإسلام لم يدخل المعركة، وأن الإسلام لم يُمثل تمثيلاً صحيحاً، وأن من يحسبون على رفع لواء الإسلام قد قصروا تقصيراً كبيراً، يكون قد خان الله عز وجل إن لم ينتفض لرفع لواء الإسلام.
لأن الله ما أخرجك إلى هذه الدنيا وجعلك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لأداء مهمة بينها: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، لا لأنفسكم، {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. فإن رأيت البشرية تضيع، والشريعة تُعطل، والناس يعانون من مرارة وشؤم تنحية دين رب العالمين ولم تنتفض لرفع اللواء، فأنت قد خنت الله عز وجل.
الأمانة في اتباع السنة وهيبة النبي ﷺ
تخون الرسول صلى الله عليه وسلم لأنك ترى سوء تمثيل لسنته، ترى عزوفاً عن سنته صلى الله عليه وسلم، ترى صورة السنة تهتز وهيبتها تزول من القلوب، ومع ذلك تخاف إن أظهرت سنة النبي في سمتك، في هديك، في مظهرك، في عباراتك وكلامك.
لو كنا محبين حقاً لرسول الله، ولو كنا نفدي رسول الله بأرواحنا وأموالنا وأوقاتنا بالفعل، لقلنا حينئذ: سُمعة النبي أعز علي من سُمعتي، وعرض النبي أعز علي من عرضي، وصورة النبي أعز علي من صورتي. إن رأيت سوء تمثيل للنبي صلى الله عليه وسلم ونفر الناس من اللحية، ونفر الناس من المظهر السني، ونفر الناس من الشعارات الشرعية، فسأكون جباناً خاذلاً لرسول الله، خائناً لرسول الله إن قعدت وتنصلت وأخفيت معالم السنة وواريتها من لساني ومن مظهري ومن سلوكي حتى لا أُتهم عند الناس؛ هذه خيانة للرسول عليه الصلاة والسلام.
بينما إن كنت محباً لحبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم حقاً، لقلت: بل سأتزيى بزي النبي، وأظهر بمظهر النبي، وأتكلم بكلام النبي، وأدعو بدعوة النبي، وأحمل اللواء وأعطيه حقه وأمثله تمثيلاً صحيحاً، حتى أعيد إلى النفوس هيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأعيد إلى المظاهر السنية والألفاظ السنية وإلى الشريعة محبتها وتوقيرها في قلوب الناس. هذا إن كنت تحب رسول الله حقاً.
الذي لا يبادر إلى رفع اللواء في هذا الزمان يخون الأمانة؛ لأن الله عز وجل خاطب المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ}. أنت حين ادعيت الإيمان بالله، أنت مخاطب بهذه الآية: {كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ}. تصور ما أجملها وأنت تقرأ هذه الآية وتقول: "نعم يا رب لبيك، أنا من أنصارك ومن أنصار دينك وشريعتك"، وتصور الخذلان عندما تقرأ هذه الآية للتبرك بها بينما أنت قد خذلت دين الله عز وجل.
مشهد من الواقع: الفرق بين المجاهد والمنتفع
إخواني، أذكركم بمشهد لعلكم رأيتموه قبل تسعة أعوام عندما سقط النظام العراقي واحتلت أمريكا العراق، وحصلت حالة فوضى كبيرة في المؤسسات الرسمية، في الوزارات وفي القصور وفي مؤسسات الجيش. في ذلك الوقت كنا نرى مشهدين متعاقبين لا يفصل بينهما إلا ثوانٍ على شاشات التلفاز:
- المشهد الأول: أناس مجاهدون يقاتلون في سبيل الله، فَيَقتلون ويُقتلون. هؤلاء رأوا حالة الفوضى العارمة التي حصلت، رأوا حصناً ينهدم، رأوا الناس يخرجون من هذا الحصن، فكان كل همهم أن يعيدوا الناس إلى دين ربهم عز وجل ويذودوا عن أعراض المسلمين والمسلمات.
- المشهد الثاني: في الوقت ذاته، كنا نرى أناساً يدخلون إلى المؤسسات الرسمية والوزارات؛ منهم من يخرج بصندوق "الكاش"، ومنهم من يخرج بـ "كنباية"، ومنهم من يخرج بستارة الشبابيك، ومنهم من لا يجد شيئاً يغنمه من حالة الفوضى هذه إلا "إبريق الحمام"، فيشطفه بشيء من الماء ثم يأخذه لينتفع به في بيته!
إذن هو لا يهمه أن أمة الإسلام تُستباح، لا يهمه أن الأعراض تُنتهك. عندما يقفان أمام الله عز وجل يوم القيامة، هل سينظر الله إليهما بعين الرضا؟ هل الأول كالثاني؟ أترك الجواب لكم. فأنت يا أخي إما أن تكون جزءاً من المشكلة أو تكون حلاً للمشكلة، لا خيار ثالث هنا. في قسمة ثنائية بالفعل: إما أن تكون جزءاً من مشكلة في الأمة الإسلامية، وإما أن تكون حلاً للمشكلة.
ماذا ستجيب الله عز وجل؟
والله عز وجل قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ}. أنا حريص أن يصل هذا المعنى إلى الناس، ولذلك سأقوله بالعربي غير الفصيح (بالعامية) ليرسخ المعنى:
أقول للسائق، للكبير في السن، للمرأة، للصغير: تصور نفسك واقفاً يوم القيامة أمام الله عز وجل ويقول لك: "يا عبدي، ماذا أجبتم المرسلين؟ رأيت الشريعة يُعرض عنها، رأيت الله عز وجل لا يُعبد، رأيت سنة النبي صلى الله عليه وسلم يُساء تمثيلها، ماذا فعلت نصرة لديني؟".
تصور نفسك تقول: "ما هو يا رب العلمانيين والليبراليين والأحزاب والدستور والرئيس والمرؤوس... إلى آخره". يقول لك: "أنا أقول لك بماذا نصرت ديني؟ ماذا أجبت المرسلين؟". فتقول: "هو يا رب أنا علشان هم نفروني، وهم أخطأوا في كذا، وفي الانتخابات عملوا كذا...".
ماذا أجبت المرسلين؟ بماذا نصرت ديني؟ ماذا ستجيب الله عز وجل؟ لن ينفعك أن تقول "أساءوا تمثيل الإسلام ولذلك نفرت عن الإسلام"، بل هذا يضع عليك حملاً زائداً، يضع عليك المسؤولية.
قد تقول: "أنا؟"، نعم أنت. "طب أنا معنديش علم شرعي؟"، هذه المسألة -نصرة دين الله عز وجل- مكلف بها الصغير والكبير والمقلد والعالم. الله عز وجل قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا}. اتقِ الله عز وجل فيما تعلم، ذر الذنوب كبيرها وصغيرها، والله سيجعل في قلبك فرقاناً تفرق به بين الحق والباطل في هذا الزمان الذي كثر فيه التلبيس والخلط والتشويه وتنوع المناهج.
وكلٌ يدعي أنه على حق، وأنت تحتار وتقول: "الحق مع من إذن؟". ربك عز وجل أرحم وأرأف بعباده من أن يجعل الحق ملتبساً، من أن يجعل الطريقة الموصلة إليه ملتبسة، من أن يجعل مراده من عباده مبهماً، الله عز وجل أرحم من ذلك.
لكن المطلوب منك أنت يا عبد الله أن تتقي الله فيما تعلم، وأن تعزم بصدق ونية جازمة على أنك إن علمت أمراً من أوامر الله التزمته، حتى إن كلفك ذلك تضحيات وعواقب وخيمة؛ لأنك ترجو الله عز وجل. إن فعلت ذلك، فقد ينفع الله بك الدين أكثر مما ينفع علماء كبار. قال الله عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ}. قد يتعلم الإنسان العلم، قد يكون ذا علم غزير كبير وفير، ولكن مع ذلك يتبع هواه.
فأنت في هذه المرحلة التاريخية قد تخدم دين الله عز وجل أكثر من بعض العلماء الذين قد يتبعون أهواءهم. إذن، هذه الرسالة موجهة لنا جميعاً، لعموم الناس.