#وهل_هذا_وقته؟! #ما_الفائدة؟ #لا_تثيروا_الفتن #قلة_الأدب #هل_يجوز_طرح_السؤال؟ #إلا_ليعبدون #بقلب_سليم #القهر_السياسي #التخلف_الاقتصادي #الفساد_الاجتماعي
#وهل_هذا_وقته؟! #ما_الفائدة؟ #لا_تثيروا_الفتن #قلة_الأدب #هل_يجوز_طرح_السؤال؟ #إلا_ليعبدون #بقلب_سليم #القهر_السياسي #التخلف_الاقتصادي #الفساد_الاجتماعي
السلام عليكم ورحمة الله. أرسل لي صديقي صوراً من معرض عمان الدولي للكتاب، صوراً من كتاب مخصص للأطفال لتعليمهم العقيدة الإسلامية. ماذا تقول هذه الصور؟
يقول الكتاب: "عندما كنت صغيراً كنت أظن أن الله يسكن في بيت في السماء، وأن بإمكاني أن أصل إليه عبر السلالم، ولكن لما كبرت فهمت أني كنت مخطئاً، فلو كان في السماء فقط لكان عاجزاً عن معرفة ما في الأرض. كنت أعتقد أحياناً أن الله موجود في المسجد فقط، لكن الآن عرفت أن الله موجود في القرية والمدينة والمدرسة والمصنع والشارع... وتذكرت أن الله موجود في الوديان والغابات والجبال وحتى في الهواء الذي يداعب وجهي".
هذا الكتاب من سلسلة بعنوان "حدثني عن ربي"، وبعض كتب السلسلة -حسب صديقي- فيها نفع كبير ولمؤلفين متعددين، لكن ماذا عن هذا الموضع من هذا الكتاب؟ هل بالفعل الله في كل مكان؟
بدايةً، هل من المناسب طرح هذا الموضوع وهذا السؤال، خاصة وأننا سنجد من يعترض على الإجابة، ويمكن أن يعترض بحدة وتحصل مشادات كلامية وتزداد فرقة المسلمين؟ هل من المفيد طرح هذا الموضوع والمسلمون يعانون قهراً سياسياً وفساداً اجتماعياً وتخلفاً اقتصادياً وكوارث وزلازل وفيضانات؟
يا إخواننا، من قلة الأدب مع الله عز وجل التقليل من شأن معرفة أسمائه سبحانه وصفاته، فهو سبحانه القائل: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}. ومن عبادته التعرف عليه سبحانه بحسب ما أخبر به عن نفسه، والاعتقاد به اعتقاداً صحيحاً، وأن ننسب إليه ما يليق به سبحانه مما وصف به نفسه.
القهر السياسي والتخلف الاقتصادي والفساد الاجتماعي هذه كلها أصلها استهانة المسلمين بدينهم وهوان أمر دينهم عليهم، بحيث هانوا على الله إلا من رحم ربي. أنت هنا في هذه الدنيا لتعبده سبحانه، سيذهب الجبابرة وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات وتطوى الصحف ويبرز الجميع لله الواحد القهار ليحاسبهم كلاً بما عمل، كأن لم نلبث في هذه الدنيا إلا ساعة من نهار. وأول ما نحاسب عليه ما انطوت عليه قلوبنا من اعتقادات وأعمال القلوب، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فعيب كلما جاء من يعلم الناس دينهم في أمر حصل فيه تشوش واعتقاد باطل، عيب أن يقال ما فائدة هذا الكلام؟ وأن ننتظر أن يترجم هذا الكلام إلى رفاه اقتصادي أو ملء للبطون أو رفع للأبنية حتى نفاخر بها الغرب أو الشرق.
وإذا أدى فتح بعض المواضيع إلى خلاف وفرقة بين المسلمين، نقول: نحن علينا أن نعلم الناس دينهم بالحسنة، وبالتمييز بين القطعيات وما فيه خلاف سائغ معتبر، ودون غلو ولا سوء ظن في المخالف، وبرحمة وحرص على الخير للجميع.
بحجة ألا يتسببوا في الخلاف؛ عندما نتكلم عن مرجعية الشريعة وبطلان كل ما يخالفها تجد هناك من يتهجم ويحولها إلى سببٍ للتنازع. عندما نتكلم عن كفر الكافر الأصلي وضرورة التمايز بدينك تجد هناك من يحولها لسببٍ للتنازع. "خلص إذن فليسكت المصلحون ولتبقى عقائد الناس تعرض للتشويه المستمر والمهم ألا نختلف حتى لو اجتمعنا جميعاً على باطل!".. لا يا إخواننا، هذا من خذلان الدين.
لو كان الناس يعتقدون في مسألة "أين الله" اعتقاداً صحيحاً ثم جاء أحدنا ليثير جدلاً لقلنا له أنت تثير فتنة، لكن لما يكون كثير من الناس عندهم تشوش في هذا الأمر، بل وتطبع كتب وتباع قصص تزيدهم تشويشاً وفساد اعتقاد، فواجبنا الشرعي أن نبين: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ}.
ومع هذا كله، فنحن بفضل الله لسنا ممن يهمل حياة المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما يتعرضون له من مؤامرات وحرب على الفطرة وإفقار ممنهج وسرقة ثروات وظلم وقهر، بل نتكلم دائماً عن هذا كله وتعرضنا في سبيله للأذى، وتطيب نفسنا بذلك ما دام في سبيل الله عز وجل.
هل يجوز أن يطرح سؤال "أين الله"؟ لا بل يجب أن يطرح ويجاب عنه إجابة صحيحة إذا كان الناس مشوشين فيه، فهو من أساسيات العقيدة.
في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، أنه صك جارية له ترعى غنمه -أي صفعها- لأنه رأى الذئب أخذ إحدى الشياه، فأخبر النبي ﷺ بأنه صكها، قال: "فعظم ذلك علي" أي أفهمه أن هذا خطأ كبير، فقال معاوية: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ (أحررها تكفيراً عن ذنبي)، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ائتني بها".
فأتى بها معاوية، والنبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يختبر الجارية اختبار عقيدة ليرى إن كانت مؤمنة، سألها سؤالين فقط، فقال لها النبي: "أين الله؟" قالت: في السماء. قال: "من أنا؟" قالت: أنت رسول الله. فقال النبي: "أعتقها فإنها مؤمنة".
أنا عملت استبياناً بسيطاً عن سؤال "أين الله" ووضعت ثلاث خيارات، أحدها أنه لا يجوز أصلاً إثارة سؤال أين الله، واختار كثيرون هذا الخيار مع أنه أحد سؤالي اختبار العقيدة الذي أجراه النبي ﷺ لجاريةٍ بسيطة.
الله تعالى في السماء، يعني في العلو، فهو سبحانه فوق العرش، والعرش فوق السماوات، وهو سبحانه له العلو المطلق؛ علو الذات وعلو الصفات. وقد استدل أهل السنة على علو الله تعالى على خلقه بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف في القرون الفاضلة.
وعندما نقول "في السماء" فلا يعني أن السماء تحيط به سبحانه، أي أنه سبحانه فوق السماء والمؤدى واحد. طيب كيف جعلتم "في" بمعنى "على"؟ هذا معروفٌ في اللغة، كقوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} أي على الأرض، وكذلك قوله حكايةً عن فرعون: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي على جذوع النخل.
والأدلة على أن الله تعالى في السماء كثيرة جداً، منها قول الله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً" (رواه البخاري ومسلم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
وكذلك الأدلة على أنه سبحانه في جهة العلو كقوله سبحانه: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}، وقوله سبحانه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وقوله سبحانه: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، وقوله سبحانه: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، وغيرها الكثير الكثير. لذلك فالله تعالى في السماء أي أنه عالٍ بذاته على خلقه جميعاً، وهذا أمر قطعي حتى وإن خالف فيه من خالف.
أما مقولة أن "الله في كل مكان" كما يروج هذا الكتاب للأطفال، وكما قد يجيبك كثيرٌ من المسلمين للأسف، فهو قولٌ باطلٌ قطعاً بهذا الإطلاق ومخالفٌ للأدلة؛ لأنه أولاً وقبل كل شيء مخالفٌ لما ذكرناه من أدلة علوية الله تعالى وأنه في السماء، ثم إنه يقتضي أن يكون الله تعالى في أماكن لا تليق به سبحانه.
لاحظوا حتى الألفاظ التي نستخدمها: "الله تعالى" من العلو سبحانه، ومن تنزيهه عما لا يليق به. فالموضوع يا جماعة لو شرحته لمسلم بسيط على الفطرة لسلَّم لك وأدرك أن مقولته "في كل مكان" غير صحيحة، ولأدرك أن هذا مقتضى فطرته؛ أنه إذا دعا ربه سبحانه توجه إلى جهة العلو.
طيب، هل هذا الاعتقاد عن الله تعالى مؤثر في تصور المسلم عن ربه سبحانه؟ قطعاً هذا الاعتقاد مؤثر في تصورك عن الله؛ لما تكون تدعو ربك وأنت لا تعلم هل هو في السماء أم هو في ثنايا الوجود من حولك؟ هل هو متنزه عن الأماكن المستقذرة أم هو موجود سبحانه فيها؟ حاشاه.
هذا الخلل والتشوش مهد الطريق للاعتقادات الفاسدة التي جعلت بعض المخرفين يقولون بحلول الله تعالى في خلقه (عقائد الحلولية والاتحادية)، أو بأن الله معنا في الأذهان لا وجود حقيقياً له. لاحظوا في الكتاب الذي أرسل لي صديقي صوراً منه، يقول وكأن الله تعالى ليس له وجود منفصل عن مخلوقاته سبحانه! بل العقيدة الصحيحة هي أن الله تعالى فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه (يعني متميز عنهم).
هذه الطريقة إذا كانت مقصودة من المؤلف فهي معيبة جداً؛ أن تجعل القسمة ثنائية: فإما أن يكون الله يسكن في بيت في السماء، وإما أن يكون في كل مكان بذاته، وأن تقول الآخرين ما لا يقولون حتى ينفر المستمع ويقول: "أعوذ بالله، الله لا يسكن في بيت في السماء"، فماذا يكون البديل؟ أنه في كل مكان!
محدش من أهل السنة والجماعة قال إن الله يسكن في بيت. انظروا إلى المنطق الأعوج، قال لك: "فلو كان في السماء فقط لكان عاجزاً عن معرفة ما في الأرض"! يعني الواحد فينا نحن البشر هذه الأيام يعلم ما يحصل على بعد آلاف الكيلومترات بوسائل نقل المعلومات، وهذا النص يستند إلى أن الله يجب أن يكون بذاته على الأرض ليعلم ما يحصل فيها!
فدققوا فيما يقرأه أبناؤكم يا كرام، وننصح المؤلف أن يتعلم قبل أن يؤلف، ودار النشر أن تحقق قبل أن تنشر، وأن تعتمد مدققاً شرعياً لمؤلفاتها. وهذا الشيء يتكرر كثيراً يا كرام؛ أن يكون هناك جهد كبير مبذول في تبسيط علوم الدين للأبناء على شكل كتب أو أفلام كرتون لكن يكون فيها معلومات مغلوطة. بذلتم جهداً ضخماً، ابذلوا شوي كمان في التدقيق. وطبعاً لن أكون الشخص المناسب لهذه المهمة مع الانشغال والتأخر في مشاريع كثيرة، لكن لن تعدموا طالب علم لهذه المهمة.
وأنا تعمدت مرة أخرى ألا أشير إلى اسم دار النشر من قبيل الموازنة بين التنبيه على الخطأ والأخطاء الفادحة، وفي الوقت ذاته عدم حرمان الناس من الخير الموجود في بعض كتب السلسلة، مع أني اطلعت على أخطاء أخرى في كتاب آخر من السلسلة بعنوان "ربي هل لا أجبتني؟" الطريقة فيه غير مقبولة أبداً. لكن حقيقة المكتبة الإسلامية تعاني من نقص شديد في المحتوى الجاذب والمبسط والمحبب للإسلام إلى قلوب أبنائنا، فلا نريد أن نحبط المشاريع وإنما نساعد في ترشيدها وضبطها.
ختاماً يا كرام، أمس نشرت كلمة لإنصاف علماء أجلة أخطأوا في بعض ما ذكرناه اليوم، وتلقينا كما توقعنا ردة فعل عنيفة من بعض المخالفين ممن يريد منا أن نكفرهم أو نفسقهم لخطئهم، واليوم سنتلقى هجمة مقابلة ممن يقدس هؤلاء العلماء ويريد ألا نخطئهم. ولا يهمنا هذا ولا ذاك والحمد لله، وإنما أسأل الله تعالى أن يبارك في هذه الكلمات وينفع بها من يطلب الحق من المسلمين، وأن يتقبلها من العبد المحب لربه الراجي مغفرته وفضله.
وأستحضر في ذلك قول الحافظ عبد الرحمن بن بطة رحمه الله تعالى: "ومهما وافقتُ بعضهم عاداني غيره، وإن داهنتُ جماعتهم أسخطتُ الله تبارك وتعالى ولن يغنوا عني من الله شيئاً، وإني مستمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم". انتهى كلامه رحمه الله.
وأسأل الله أن يهدينا جميعاً سواء السبيل، والسلام عليكم ورحمة الله.