مقدمة: واقع الأمة وصراع المشاريع
السلام عليكم. أمتنا تمر بمرحلة خطيرة؛ سقطت بقايا القانون الدولي المهترئ، واللغة الوحيدة المسموعة هي لغة القوة التي جُرّدت منها شعوبنا المسلمة. أمريكا حشدت قوتها في المنطقة، وإسرائيل تضرب مصالح ببلاد المسلمين لتورطها في الحرب، وإيران تضرب تلك البلاد أيضاً على اعتبار وجود قواعد.
هناك تصريحات واضحة لساسة أمريكان وإسرائيليين بوصف الحرب أنها دينية، والتهجم على الإسلام والنبي -عليه الصلاة والسلام-، وبالحديث المكشوف عن الأطماع التوسعية. وليس لنا إلا رحمة الله أن تنجينا؛ سواء من مكر الماكرين واستباحة بلاد المسلمين، أو من السقوط أمام الفتن وفقدان الدين.
ونحن مستبشرون بأن الله تعالى يقدر الخير لعباده، وكما قال نبينا -عليه الصلاة والسلام-: "حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه". فكل الذين بلغوا ذروة الطغيان والذين علوا علواً كبيراً سيضعهم الله حتماً، ونسأل الله معها فرجاً ونصراً لهذه الأمة.
والسؤال الأهم إخواني: كيف نثبت في المرحلة القادمة ونحصل معية الله؟ فهو سبحانه يعرض عباده للبلايا ليلجأوا إليه: "فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ". لكن الواقع أن تعامل كثير منا نحن المسلمين مع الأحداث ليس كما يرضي الله. لذا، أحب أن أستعرض معكم بعض ما قد يحرمنا من معيته سبحانه، وفي المقابل ما يرضيه عنا ويجعلنا في كنفه وحمايته.
أولاً: التنازع والفرقة الشعورية
مما يحرمنا معية الله حالة التنازع والتقاذف فيما بيننا، قال الله تعالى: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ". يقع الاختلاف على الموقف من الحرب القائمة، فترى السباب والمزايدات وتصفية الحسابات والبذاءة والتخوين إلا من رحم ربي.
وفعلياً، نحن كشعوب مسلمة دورنا دور المشاهد غير المؤثر في الأحداث؛ ليس لدينا كشعوب قوة ميدانية نختصم أين نوجهها، مع إيران أم ضدها؟ فلم نحصل من هذا الاختلاف إلا التنازع والمزيد من الضعف والفشل وفقدان معية الله. قد يقول قائل: "ما نحن فاشلون أصلاً"، فهل هذا مبرر لأن تزيد أمتك ضعفاً وفشلاً؟ أم يجب أن يدفك ذلك لسد الفجوات والعمل على ترميم البناء؟
يا من ترون أنكم على الحق، ارفقوا بالناس؛ فالمواقف الخاطئة التي ترونها هي نتيجة لعقود من التجهيل. في حرب غزة كان هناك على الأقل حالة من الوحدة الشعورية بين المسلمين وإن فرقتهم الحدود، ومن أخطر ما يحصل حالياً الفرقة حتى على مستوى الشعور.
تذكروا حديث البخاري أن رسول الله ﷺ خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين (أي اختصما وتنازعا)، فقال ﷺ: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس". فالتنازع بين المسلمين سبب في رفع البركة والحرمان من أوجه الخير.
ثانياً: الانشغال بالجدل وترك العمل الصالح
إذا أردنا أن يوفقنا الله للموقف الصواب، فنحتاج أن نبتعد عن صخب مواقع التواصل وضغط الانتصار للنفس وأهوائها، ونلجأ إليه سبحانه بصدق. قال تعالى: "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ".
وقال نبينا ﷺ: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم". بادروا بالأعمال أي اجمعوا رصيداً من الأعمال الصالحة حتى يثبتكم الله به قبل أن تأتي الفتن التي يختلط فيها الحق بالباطل. وتتمة الحديث: "يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا". فالفتن ستخلع أناساً من دينهم والعياذ بالله.
وقال ﷺ: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". ما نعيشه في كثير من بلاد المسلمين هو رخاء بالنسبة للشدة المتوقعة، ومن علامات التوفيق أن يتمسك المسلم بدينه ويعمل على الإصلاح في زمن الفتن. قال ﷺ: "العبادة في الهرج كهجرة إلي". العبادة في الهرج (وقت الفتن وتخبط الناس) سواء كانت شعائرية أو دعوية إصلاحية، تدل على يقين ووضوح رؤية حين يغفل الناس.
بينما من علامات قلة التوفيق أن ينشغل كثير من المسلمين بتفاصيل الأخبار على حساب العبادات، والأسوأ منه الانشغال بالجدل. قال الأوزاعي: "إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ومنعهم العمل". وقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا". فالمعاصي كانت سبباً في تمكن الشيطان من إفشالهم في لحظات المواجهة الفاصلة.
ثالثاً: الإخلاص في الموقف وتجنب الاستفزاز
المواقف الصائبة تحتاج إخلاصاً وتجرداً منا للحق، وهذا ما لا يكون حاضراً في بعض الأحيان، خاصة مع معارك مواقع التواصل والتكاثر بالإعجابات والمشاركات والتعليقات والانتصار للنفس. فإذا لم يكن الدافع الأوحد للمواقف هو الإخلاص ونصرة الدين بحق، فلا يتوقع لها أن تكون موفقة من الله.
لذلك نحتاج أن نراجع نياتنا ونكثر من الدعاء الذي علمنا إياه نبينا ﷺ: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك