صلح الحديبية: دليل على العزة لا التنازل
لم يكن المقرر المسبق في السيرة النبوية هو تحاشي الصدام والتوافق مع الآخرين ولو أدى ذلك إلى خذلان الشريعة. إن ما وافق عليه النبي ﷺ من مطالبات المشركين لم يكن فيه ترك لواجب ولا فعل لمحرم، وبعضه كان وحياً لا يقاس عليه.
إن قصة الحديبية هي في الحقيقة من أكبر الأدلة على التسليم المطلق لله وعلى هدم "فقه المصالح" غير المنضبط. والأولى بالاستدلال في مقام بناء الدول هو "وثيقة المدينة المنورة" التي حصرت المرجعية في الشريعة.
أولاً: روح العزة والاستعداد للتضحية
نلاحظ أن رسولنا ﷺ وضع في ذهنه وفي ذهن أصحابه أنهم على استعداد للتضحية بأرواحهم في سبيل دين الله تعالى. عندما جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي يخبر النبي ﷺ بأن قريشاً عزمت على صده وقتاله، قال النبي ﷺ بروح العزة: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (أي يقطع عنقي) ولينفذن الله أمره".
هذه روح القوة التي استوقد منها الصحابة شعلة الاستعداد للتضحية. ونقول للمستدلين بالحديبية: يصح استدلالكم لو أن النبي ﷺ حين علم بتجمع الأعداء قال لأصحابه بخوف: "نخشى حرباً أهلية، نريد الاستقرار"، فتنهار معنويات المسلمين. فيا من تستدلون بالحديبية، ليتنا سمعنا منكم: "لأدافعن عن الشريعة حتى تنفرد سالفتي"، فحينها سيقتدي الناس بكم ويهابكم أعداؤكم.
ثانياً: عدم التنازل عن دماء المسلمين
النبي ﷺ كان على استعداد لخوض الصراع إن حصل اعتداء على فرد واحد. فعندما شاع أن قريشاً قتلت عثمان بن عفان رضي الله عنه، بايع النبي ﷺ الصحابة على الموت (وفي رواية: على ألا يفروا).
فكيف يستدل بصلح الحديبية لتبرير أفعال من يرون المسلمين يقتلون ويحاصرون في الميادين والمساجد، ثم يدعون إلى التهدئة حرصاً على "الانتخابات"؟ أفٍّ للانتخابات والاستفتاءات التي من أجلها تخذلون المسلمين ثم تستدلون بصلح الحديبية!
ثالثاً: تعظيم حرمات الله هو أساس التفاوض
لم يضع النبي ﷺ في حساباته ضرورة التوافق على حساب الثوابت، بل قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها". إذن، التفاهم يكون على أساس تعظيم حرمات الله، وإلا فلا مرحباً بالتوافق الذي يجعل "السيادة للشعب" بدلاً من الله.
رابعاً: حقيقة التنازلات الشكلية
ما وافق عليه النبي ﷺ لم يكن تركاً لواجب:
- باسمك اللهم: عندما رفضوا كتابة "بسم الله الرحمن الرحيم"، كتب "باسمك اللهم". هل أوجب الله صيغة محددة في المكاتبات؟ لو قبل النبي ﷺ بصيغة "باسم الأغلبية" أو "باسم العزة واللات" لصح استدلالكم، لكنه كتب اسماً من أسماء الله. فكيف يستدل بهذا على دستور يقول "تصدر الأحكام باسم الشعب"؟
- محمد بن عبد الله: عندما رفضوا كتابة "رسول الله"، أمر بكتابة "محمد بن عبد الله". هذا ليس اعترافاً بنفي النبوة، بل هو ذكر لنسبه الشريف، ولم يكن واجباً شرعياً كتابة اللقب في وثيقة صلح.
- تأجيل العمرة: وافق النبي ﷺ على العودة والعمرة في العام المقبل. هل أوجب الله العمرة في تلك السنة تحديداً؟ لا، وقد اعتمروا في العام التالي في عزة وقوة.
خامساً: شرط رد المؤمنين (وحي لا يقاس عليه)
اشترط سهيل بن عمرو أن من جاء من قريش مسلماً يرده النبي ﷺ إليهم. هذا الشرط كان بوحي خاص، بدليل قول النبي ﷺ لعمر: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري".
لقد نص العلماء كابن حزم وغيره على أن هذا الفعل خاص بالنبي ﷺ لأنه علم بالوحي أن الله سيجعل لهؤلاء المستضعفين فرجاً ومخرجاً. وهذا غيب لا يعلمه غيره، فلا يحل لمسلم بعده أن يشترط هذا الشرط أو يفي به لأنه لا يضمن الغيب للمسلمين الفارّين بدينهم.
سادساً: الحديبية دليل على هدم "فقه المصالح" المتوهم
قصة الحديبية هي في الحقيقة دليل لنا لا لمن يستدلون بها على التنازلات؛ فهي من أكبر الأدلة على هدم فقه المصالح المشوه وغير المنضبط، الذي يعطل النصوص من أجل ما تراه الأهواء البشرية مصلحة. الحديبية من أدل الأدلة على التسليم المطلق لأمر الله عز وجل، وإن رأت العقول في التزامه مفسدة، واثقين بأن الله تعالى يجعل عاقبة طاعته خيراً.
يدل على ذلك ما رواه البخاري عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أنه قال: "اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله أمره لرددت، والله ورسوله أعلم". "اتهموا الرأي" أي لا تثقوا في عقولكم وتقديراتكم للمصالح والمفاسد؛ فلو أطعت عقلي لرددت على رسول الله أمره يوم أبي جندل، لكن بان لي أن الله ورسوله أعلم بمكام المصلحة.
المصلحة الظاهرة كانت في الدفاع عن أبي جندل، خاصة وأن المسلمين كانوا في قوة مستعدين للقتال حتى الموت، لكن الله أظهر بهذا الأمر أن ما ظنه المسلمون مفسدة من ترك أبي جندل كان عين المصلحة، إذ جعل ما اشترطته قريش لعزتها سبباً في ذلها وإنهاكها حتى جثت على الركب، وجعل ما ظنه المسلمون سبباً للذل سبباً للعزة في الحقيقة.
سابعاً: المرجعية التشريعية والوحي
لو أن النبي ﷺ فعل ما فعله تقديراً للمصلحة العقلية لبين لأصحابه ذلك، لكنه قال: "ولست أعصيه"، وهذا أمر من الله عز وجل. ثم لاحظوا أن النبي ﷺ لم يبرر لأصحابه ترك أبي جندل تبريراً عقلياً، بل كان عليهم أن يسلموا ويذعنوا. أراد الله عز وجل أن يمتحن إيمانهم وتسليمهم وانقيادهم لأمره ولو خالف عقولهم وعاداتهم.
لذلك ترى أن الله عز وجل أخر نزول سورة الفتح -التي بيّن فيها أن ما حصل كان فتحاً مبيناً- إلى ما بعد طاعتهم لأمر رسول الله وحلق الرأس ونحر الهدي وترك أبي جندل، ليحصل التسليم والانقياد أولاً، ثم يأتي التطمين من الله تعالى. المطلوب هو الإيمان لا المناقشة العقلية.
ثامناً: نقض الشروط بأمر الله (قصة المهاجرات)
أمر الله ظل هو المرجعية التشريعية للمسلمين قبل وأثناء وبعد كتابتهم لوثيقة الصلح. يدل على ذلك أن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها جاءت إلى النبي ﷺ فارة من مكة مهاجرة، وشروط الصلح تقتضي ردها، فجاء أخواها يطالبان بردها، لكن الله عز وجل أنزل آيات يستثني بها النساء: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ}.
فبطل بهذه الآية شرط من شروط الصلح المكتوبة، ولم يبالِ النبي ﷺ بهذا الشرط لأن الله أبطله، ولا يسع النبي إلا طاعة ربه عز وجل وإن لم يعجب المشركين.
تاسعاً: وثيقة المدينة هي النموذج الدستوري
كان أولى بكم أيها المستدلون أن تستدلوا بـ "وثيقة المدينة" التي واثق عليها رسول الله ﷺ أهل المدينة عند بداية تأسيس الدولة. فالوضع عند كتابة هذه الوثيقة كان أصعب من وضعكم اليوم؛ كان في المدينة يهود وكفار لهم شوكة، وحول المدينة أعداء متربصون.
هذه الوثيقة بمثابة الدستور، ويكفي فيها النص القاطع الواضح: "وإنه ما كان بين أهل هذه صحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإنما رده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله ﷺ". إذن، فالمرجعية المطلقة هي للشريعة.
خاتمة: نداء لفقهاء التنازلات
ختاماً نقول لفقهاء التنازلات: عيب عليكم، واتقوا الله. لا ينبغي ولا يقبل أن تبحثوا عن أعذار لتنازلاتكم في سيرة سيد ولد آدم أجمعين، رمز النبل والشجاعة والعزة والثبات، رسول الله محمد ﷺ.
ليس في السيرة "ماء عاكر" لتصطادوا فيه، فسيرة النبي ﷺ كلها صفاء ونقاء وطهر ووفاء. لعلكم تجدون في غير سيرة النبي بغيتكم، فالمتنازلون قبلكم كثر ومصائرهم معروفة، أما سيرة محمد ﷺ فاتقوا الله واحفظوها بعيداً عن استدلالاتكم لتبرير ما تفعلون.
نسأل الله عز وجل أن يرد المسلمين إلى دينه رداً جميلاً، والسلام عليكم ورحمة الله.