أراد "صومال" الاقتران بـ "شريعة"، وحصل ذلك بالفعل، لكن "همل الحارة" اتحدوا مع "همل حارة إثيوب" المجاورة، واستعانوا بـ "عصابة أمريكانو"، ففرقوا بين صومال وشريعة.
حمل صومال سلاحه وحاربهم جميعاً، وكاد أن يسترد شريعة، وهنا لجأ حلف "الهمل" إلى شيخ الحارة المعروف بـ "متنازل المنبطحي"، وطلبوا منه الوساطة. عرض حلف الهمل على صومال أن يردوا إليه شريعة، ولكن وفق الشروط التالية:
رفض صومال وثار على هذه الاتفاقية، لكن الشيخ "متنازل" استعان بمشيخة طريقته في الحارات كلها، وذهبوا إلى صومال قائلين: "يا صومال، لماذا رفضت الاتفاقية؟". قال صومال: "لأنها كفر! كيف أطلب شريعة وأجحدها من همل الحارة وليس من وليها؟".
فقال الشيخ متنازل وأهل الطريقة: "يا بني، هذّب ألفاظك، لا تقل كفر! لا يجوز لك أن تدعي الحق المطلق وتتهم الناس. ألست تريد شريعة؟ الفرق بين أن يمنحك إياها وليها أو يمنحك إياها همل الحارة هو فرق شكلي، ليس هناك فرق جوهري. أنت يا بني، أتريد العنب أم نناطح الناطور؟ ألست تريد شريعة؟ همل الحارة سيعطونك إياها، ألا تحترم رأي الأغلبية؟ أتظن أننا لن نحسن التعامل مع شريعة؟ لماذا سوء الظن يا أخي؟".
هنا سكت صومال، خاصة مع تذكر الماضي الطيب للشيخ متنازل ومشايخ الطريقة المنبطحية، وتم الاتفاق على عقد القران.
بالفعل ارتبط صومال بشريعة. ولأن حديقة صومال تمر بها قوافل تحمل "الذهب الأسود" النابع من الحارات المجاورة إلى عصابة أمريكانو، أراد المأذون "أمريكانو" بعد الزفاف بأيام أن يستوطن في بيت صومال ليشرف على هذه القوافل. لكنه عرف أن "شريعة" لا ترضى بوجود أجنبي في بيتها، فاجتمع بهمل الحارة وقاموا بفقء عيني شريعة، ثم نادوا صومال: "تعال يا صومال خذ عروسك شريعة".
تفاجأ صومال وقال: "ليست هذه شريعة التي أعرف!". تدخل الشيخ متنازل وقال: "يا صومال يا بني، نحن قبلنا بالدخول في العملية التفاوضية فعلينا القبول بمستحقاتها. نحن وقعنا على أن لهمل الحارة الحق في التصرف بشريعة والتعديل عليها. يا صومال لا بد من التنازلات".
قال صومال: "ولماذا التنازلات وأنا كنت أوشك أن أسترد شريعة بسلاحي دون تنازلات؟". أجاب الشيخ: "يا بني، لا بد من حقن الدماء، مصلحتك كصومال وسلامة بدنك لا تعوض، أما الشريعة فسأقوم مع عصابة أمريكانو بإجراء عملية تجميل لها فلا تخف. لماذا تعرض نفسك للجرح والقطع إن كان بإمكانك أن تبقى مع شريعة دون خسائر؟".
قال صومال في نفسه: "هل يعقل أن أكون أحكم وأعلم من الشيخ متنازل ومشايخ الطريقة المنبطحية؟ أليسوا هم الفقهاء الدارسين العلماء؟ أليسوا أصحاب التاريخ الدعوي الحافل؟". فسكت صومال.
فأخذوها وأجروا التعديل اللازم، وهذه المرة قطعوا لسانها. أسرع صومال إلى الشيخ المنبطحي واشتكى له، لكن الشيخ سكّنه. ثم توالت التعديلات، والهمل مع أمريكانو في بيت صومال يعربدون ويسرحون ويمرحون، والشيخ المنبطحي يهدئ من روع صومال ويذكره بحقن الدماء وموازنات القوى، ويعده بفجر جديد وبإصلاح للأوضاع، ويقول له: "يا صومال، الرائحة ولا العدم، على الأقل اسمها شريعة".
في يوم من الأيام، وصومال جالس مع شريعة مفقوءة العينين، مخلوعة اللسان، مجدعة الأطراف، مكسورة الأسنان، مهيضة الجناح، محرقة ممزقة ملفقة؛ جاءت إليه ورقة من مجلس همل الحارة تقول: "اليوم أصبحت نسبة المؤيدين لبقائك يا صومال مع شريعة 49%، لذا فقد قررنا تفريقك عن شريعة".
عرف صومال أنه قد خُدع، فأراد أن يحمل سلاحه، لكن السلاح كان قد أصابه الصدأ، وكان صومال قد نسي فنون القتال.
أيها المسلمون، متى ننهض؟ إن أي مسلم يريد نهضة لنفسه ولأمته، فإن عليه أن يرتقي في فهمه لدينه وواقعه. فإذا بان له الحق في مسألة بالأدلة القطعية، انتقل إلى المستوى الأرقى من البحث والفهم دون أن يلتفت إلى الوراء، فيقلع حينئذ عن أرض الشبهات والشكوك ويحلق في سماء اليقين.
إن الشبهات والشكوك مربعات:
وهكذا ينطلق المسلم من مربع إلى مربع إلى أن يحلق في سماء اليقين. لكن المشكلة الكبرى أن كثيراً من المسلمين تتلاعب بهم العواطف والأماني الزائفة، فبأدنى شبهة يعودون إلى مربعات كانوا قد خرجوا منها.
ففي مثل قضية الصومال، يتساءل أحدهم: "أليس من الممكن أن يكون المجاهدون إرهابيين حقاً؟"؛ فإذا به يعود من المربع الرابع إلى الخلف. ثم يقول: "أليس من الممكن حقاً أن يكون الحل في تقديم التنازلات؟". ثم يتساءل: "أليس من الممكن أن أمريكا قد ترضى عن تطبيق الشريعة إذا كان المطبقون لها معتدلين؟". ثم يتساءل: "أليس من الممكن أن دين الله تعالى يقبل بوضعنا هذا؟ وأن ما نسمعه من رفض الذل ووجوب محاربة المنافقين هو مجرد عنتريات جوفاء؟".
بالفعل، هكذا يحصل مع كثير من المسلمين؛ تساؤلات وتخبطات، فلا مسلمات ولا ثوابت ولا قطعيات. فكيف نبتغي الرفعة والنهضة للأمة إن بقينا على هذا الحال؟
أيها المسلمون، كفى تخبطاً في تيه الشبهات، وكفى ميوعة في المفاهيم. لا بد من أن ترسخ ثوابت الدين في نفوسنا، ثم نتلمس طريق النجاة لنا ولأمتنا على نور كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، دون أن نلتفت إلى الوراء، ودون أن تعصف بنا الأهواء والأماني الخادعة والشبهات.
وإلا، فسيبقى أعداء الأمة من كفار ومنافقين يتقدمون في إنجاز أجندتهم المستندة إلى ثوابتهم ومسلماتهم الباطلة، وسيبقى "فقهاء التنازلات" في أحلامهم الوردية بنصر مؤزر وفتح مبين تحققه لهم تنازلاتهم، وسيبقى المجاهدون المخلصون من أبناء الأمة وحدهم في الميدان مع عدو غاشم، لا سند لهم من أمتهم التي خذلتهم، ولا ناصر لهم إلا الله، وكفى بالله وكيلاً.
وسيبقى عموم المسلمين في المربع الأول.