ليس كل ما ضجّت به المنصات عظيمًا.
وليس كل ما غاب عن الناس صغيرًا.
لا تجعل الأرقام تعيد تعريف الإنجاز في قلبك.
ليس كل ما ضجّت به المنصات عظيمًا.
وليس كل ما غاب عن الناس صغيرًا.
لا تجعل الأرقام تعيد تعريف الإنجاز في قلبك.
ثاني رسالة -إخواني- هي أن عالم منصات التواصل أفسد تفكير ونوايا كثير من الناس، وأصبح الإنجاز يُقاس بالأرقام؛ تنظر للمنشور كم "لايك" وكم "شير" عليه، فإذا كانت كثيرة فهذا دليل -في نظر البعض- أنه كلام مهم ويستحق القراءة والمشاركة.
وفي المقابل، قد يكون هناك أناس أبرار أطهار أتقياء عقلاء لا يُلتفت إلى كلامهم لأن متابعيهم قلة، مع أن الإسلام حطم فكرة الحكم بناءً على المظاهر.
روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله لرجل جالس عنده: "ما رأيك في هذا؟" فقال: يا رسول الله، هذا رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفع. قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله: "ما رأيك في هذا؟" فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا يُنكح، وإن شفع أن لا يُشفع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا".
تأملوا هذا التعبير: "خير من ملء الأرض من مثل هذا"؛ يعني لو ملأنا الكرة الأرضية بمليارات البشر من أمثال الرجل الأول، لا يساوون عند الله الرجل الثاني. فالميزان هو التقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ وليس أكثركم متابعين.
يمكن لواحد مشهور أن ينشر تغريدة أو مقطعاً يصبح حديث الساعة ويتناقله الملايين، بينما أنت قد تكون قصصت أظافر رجلَي والدك المسن وجلست معه تؤنسه، ولا يعلم عنك في ذلك إلا الله تعالى. ما أخذت على قص الأظافر هذا "لايك" ولا "شير" ولا متابعة، ويكون فعلك هذا عند الله تعالى أعظم أجراً من ذلك المشهور في منشوره.
وكذلك أخواتنا النساء؛ الواحدة فيهن قد تشعر أنها لم تنجز لأنها تقوم بأعمال رتيبة، ويأتيها الشيطان ليقول لها: "ما بال فلانة عندها متابعون أكثر منك؟ انظري لمنشورها كيف حصد آلاف التفاعلات، هل هي أذكى منك أم أجمل أم أكثر ثقافة؟".
يا أختاه، قد تكونين في ذلك اليوم اعتنيتِ بابنك، أو علمتِه ما يحافظ على نفسيته، أو يحصن فكره، أو يزيد حبه لدينه ولربه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يضع لكِ أحد على عملك هذا "لايك" ولا "شير"، وتكونين أكرم عند الله من تلك التي يتابعها الملايين لكنها قد تكون فارغة روحياً، وأبناؤها يعانون من عاهات نفسية بسبب الإهمال.
هذا كله لا يعني احتقار التأثير في الناس وتوجيههم بالعلم النافع، لكنه يعني ضرورة مراقبة نوايانا، وتصحيح مفهوم الإنجاز، وعدم الاغترار بالمظاهر. يقول الله تعالى: أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ والتكاثر بـ "اللايكات" و"الشيرات" والمتابعين هو من هذا التكاثر الملهي الذي لن ينفعنا حين نزور المقابر.