قصة مؤثرة لتائب من الإباحية
مقدمة
السلام عليكم ورحمة الله وحياكم الله يا كرام. قبل أيام التقيت بشاب أخبرني عن قصة توبته من الإباحية، وكانت مؤثرة للغاية، مما زادها جمالاً أنه كان يحدثني ويبكي، والشاب ما شاء الله يشع من وجهه -فيما نحسبه- الإيمان والسكينة والطمأنينة.
فقلت له: "لازم تكتب لي هذه القصة حتى ننشرها لإخواننا وأخواتنا". وبالفعل كتب لي القصة، فسألته عن بعض النقاط أخبرني بها، إلى أن خرجت هذه القصة بالشكل الذي سوف تسمعونه، وهي مليئة بالفوائد ومؤثرة للغاية. لذلك ما سأفعله معكم الآن هو أنني سأحكي لكم القصة كما رواها الشاب، ثم بعد ذلك نعود ونستخرج الدروس والعبر من فقراتها.
تفاصيل القصة كما رواها صاحبها
النشأة والبيئة الأولى
يقول الشاب: كانت البداية أني نشأت في أسرة عندها حب للدين بصدق، ولكن الفجوة بين الأقوال والأفعال فيما يخص الدين كانت كبيرة جداً. فكانت النتيجة أني أول ما بدأت أكبر بدأت أنفلت من أوامر الدين التي كان يمليها علينا والدي، الذي كان لا يطبق ما يقول وما يعلمنا إياه. فكان يقول لنا: "اعملوا، سووا، الدين يامر بكذا"، ولكن هو نفسه عنده تفلت من بعض الأحكام، فهم لما كبروا صاروا يتفلتون من الدين.
قال: ولكن في ظل كل هذا الاضطراب في التربية، كان والدي -غفر الله له وجزاه عنا خيراً- يغرس فينا الصدق. فاذكر حديثاً للنبي ﷺ كان والدي يكرره علينا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (رواه البخاري ومسلم). وكان يتردد معنى الصدق في رأسي وينغرس في قلبي بفضل الله سبحانه وتعالى.
الانحدار نحو السعار الجنسي
مضت السنوات، كبرنا، التربية الإيمانية ضعيفة، صحبة فاسدة، سوشيال ميديا، إنترنت مفتوح على المواقع الإباحية، اختلاط في الكلية والجامعة والشارع واماكن العمل، وشاب متاجج فيه الشهوة بشكل فطري في هذا العمر. فماذا كانت النتيجة؟
النتيجة هي التعبير الذي استخدمته يا دكتور إياد في حلقات "الحرب على الفطرة": حالة من "السعار الجنسي". كنت أنام وأصحى وما عندي إلا هم واحد: كيف أستجيب لشهوتي؟ مع مين؟ شو الطريقة؟ مش مهم، المهم بدي أفرغ الشهوة والسعار اللي أنا فيه.
وكان أكبر باب للشهوة هو المواقع الإباحية التي أدمنت عليها شيئاً فشيئاً، ثم اكتشفت مع الوقت أنها تجرني جراً لرغبات كنت أستقبحها وأقرف منها، ومع ذلك لم أستطع تركها، فلم يكن هناك ضابط للشهوة ولا وازع ديني يوقفني. وصلت إلى حد أنني تعودت على المشاهد الإباحية المعتادة، فصرت أبحث عما هو أقذر وأفحش -الله يغفر لي ويعفو عني- ولدرجة أني صرت أنظر لأي أنثى حولي بنظرة غريزية بحتة والعياذ بالله. تشوهت نفسيتي تماماً وانسلخت عن فطرتي، وكنت أظن مع ذلك أني لا زلت أملك نفسي وأتحكم فيها.
نقطة التحول: سلسلة الحرب على الفطرة
إلى أن هداني الله سبحانه وتعالى بفضله ومنته وكرمه وحلمه ورحمته إلى سلسلتك يا دكتور إياد والمعنونة بـ "الحرب على الفطرة". سمعت فيها ما تشيب له مفارق الولدان، وأكثر ما أثر فيّ كان الحلقة الرابعة تحديداً "حقائق صادمة: التجارة باسم حقوق الطفل والمراه"، والتي اكتشفت بعدها أني كنت أساق سوقاً للحالة الشعورية من السعار الجنسي الذي أنا فيه.
اكتشفت أني أعيش كذبة كبيرة اسمها منظمات حقوق الإنسان والمراة والطفل، خصوصاً أني اشتغلت معهم في مركز طبي وكنت أستغرب من بعض ما أراه، ثم فهمت السبب لما حضرت الحلقة. أكثر شيء وجع قلبي هو اكتشافي أنني بسبب الشهوة المنفلتة التي دفعتني لمتابعة الإباحية، أصبحت جزءاً من منظومة تجارة الجنس وتجارة البشر والمخدرات. أصبحت أنا سبباً في كل هذه الجرائم؛ فمتابعتي لهذه المقاطع تمول هؤلاء المجرمين وتجعلهم يزدادون في شغلهم ويتاجرون بمزيد من النساء والأطفال.
قلت لنفسي: "كم من الناس تالموا من ورائي أنا وأمثالي؟". للحظة تخيلت الأطفال والنساء الذين يتاجر بهم لأجل الجنس، فكنت سأموت من القهر. حاول الشيطان يقنعني: "مش لهالدرجة، وأنت شو دخلك؟"، وهنا نفعني موضوع الصدق، فقلت لنفسي بوضوح: "أنا مجرم إذا بقيت في هذه الدوامة".
خطوات التوبة العملية
بدأت أبتعد عن أي شيء يدفعني للإباحية بصدق. أول ما خطر ببالي السوشيال ميديا، سألت حالي: "أنت شو مستفيد من فيسبوك وإنستغرام وسناب؟". الشيطان صار يذكرني: "لا تمسحهم، بيطلع لك موعظة، بتصل رحمك"، صار الشيطان يدلني على الخير! لكن بفضل الله أكرمني بالصدق ومسحتهم.
ووالله يا دكتور، من هنا بدأت أعيش. اكتشفت أني كنت مستعبداً للاباحية والسوشيال ميديا وأفكار الناس، والأسوأ أني كنت أظن نفسي صاحب قرار وشخصية.
مرحلة الابتلاء والاكتئاب
بعد شهور من توبتي، دخلت في حالة اكتئاب حاد. الناس بدأت تبعد عني، وحتى أصحاب العمل طلبوا مني ترك الشغل لأني أصبحت لا أطاق، دائماً حزين ولا شيء يفرحني. كنت أصحى من النوم أبكي: "ليش صحيت؟"، ولم يعد للحياة معنى في عيني، حتى فكرت في الانتحار.
قلت لنفسي: "أعطِ حالك فرصة واذهب لطبيب نفسي". كنت أصلي "على فضاوتي"، وكنت أدخن وأتعاطى مخدرات إذا سنحت الفرصة، ولساني فالت، ولا غض بصر، وأسمع أغاني، وعقوق وقطع رحم.. ومستغرب ليش أنا مكتئب! كانت تتردد في رأسي آيات:
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
وقوله تعالى:
وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
العودة الكاملة والثبات
في يوم كنت أدخن وأعظ شاباً (نسميه عمار) كان يشتكي من ضيق الرزق، فقلت له: "يا زلمة صلي عشان ربنا يرزقك"، وذكرت له الآية:
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ
بعد أسبوعين رأيت عماراً بوجه مختلف، أخبرني أن الله رزقه محلاً وأنه التزم بالصلاة. عمار هذا أرسل لي صورة لصفحة من سورة طه فيها الآية التي ذكرتها له، فقرأت الصفحة وأنا في قمة كآبتي، فوقعت عيني على قوله تعالى:
فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ
وقفت عند "لعلك ترضى"، قلت: "هذا ما ينقصني، أنا مش راضي!". بدأت أسبح "سبحان الله وبحمده" بصدق لمدة عشرة أيام، ثم رأيت رؤيا فسرها قلبي أن الله أذهب همي. استيقظت إنساناً آخر تماماً، قمة السعادة والتفاؤل.
ثم أكملت تنظيف حياتي، وفي ليلة رأيت مقطعاً لك يا دكتور تتحدث فيه عن آلام المسلمين، فبكيت وكسرت الدخان بيدي وقلت: "يا رب سأتركه نصره للأمة، أنا لا أستطيع شيئاً لكن سأترك الذنب لأجلك، ثبتني وأعني".
الثمار والنتائج
أكرمني الله فتعافيت من الدخان، بدأت أتعلم التجويد، ألتزم بصلاة الجماعة، أطلت لحيتي، صمت الاثنين والخميس، رزقني الله صحبة صالحة وزوجة صالحة مصلحة، ووهبني بنتاً وولداً. والأجمل أن الله جعلني سبباً في هداية أهلي وإخواني. والله إني أعيش سعادة لا يعلم بها إلا الله.
الدروس والعبر من القصة
1. الأدب مع الوالدين والإنصاف
بعض الشباب إذا استقام بدأ يلوم والديه على تقصيرهم. صاحبنا رغم قسوة والده وتناقضه، كان يقول: "والدي غفر الله له وجزاه عني خيراً". الاستقامة ليست صلاة ولحية فقط، بل هي لين قلب وبر بالوالدين ورحمة بالناس.
2. لا تجعل أخطاء المتدينين حجاباً عن الدين
كثيرون يبررون بعدهم عن الدين بقسوة أب أو تناقض شخص متدين. خطأ الناس لا يسقط حق الله عليك.
بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ
3. أثر المبادئ المغروسة
لا تستهن بأي قيمة تغرسها في طفلك. والد الشاب غرس فيه "الصدق"، ورغم سنوات الضياع، كانت هذه القيمة هي حبل النجاة الذي أعاده إلى الله.
4. خطورة الإنترنت المفتوح للأبناء
ترك الموبايل والإنترنت مفتوحاً في يد الأبناء هو تضييع للأمانة. لا تقل "أنا أثق بابني"، فالمسألة هي عدم ثقة بالخبثاء الذين يريدون إفساده. لا ترمِ ابنك في اليم مكتوفاً وتقول له: "إياك أن تبتل بالماء".
5. كذبة "التنفيس" في الإباحية
الإباحية ليست متنفساً بل هي نار كلما أطعمتها اشتعلت، وهي تشوه الفطرة وتجر الإنسان لما كان يستقذره.
6. العمل لله يثمر ولو بعد حين
قد تنصح أو تقدم محتوى هادفاً ولا ترى أثراً فورياً، لكن الله يضع كلمتك في قلب إنسان في وقت لا تتوقعه. سلسلة "الحرب على الفطرة" كانت سبباً في نجاة هذا الشاب.
7. الإباحية منظومة إجرام وليست ذنباً فردياً
حين تشاهد، أنت تمول تجارة البشر والجنس. التائب الصادق يرى قبح مشاركته في هذه المنظومة الظالمة فيخرج منها فوراً.
8. الصدق في تسمية الذنب
أول طريق التوبة هو تسمية الذنب باسمه (أنا مجرم، أنا عاصٍ) لا تغليفه بالأعذار أو تخدير النفس برحمة الله للاستمرار في المعصية.
9. درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
إذا كانت السوشيال ميديا باباً لمعصيتك، فاحذفها. لا تخدع نفسك بـ "المصالح" والمواعظ التي فيها، فسلامة دينك أغلى.
10. الهجرة عما يذكر بالمعصية
من صدق مع الله هاجر عما يرده للذنب؛ سواء كان تطبيقاً، أو صديقاً، أو بيئة. كما فعل قاتل المائة نفس حين ترك أرضه لأنها "أرض سوء".
11. الحرية الحقيقية في العبودية لله
الحرية ليست في فعل ما تريد، بل في ألا تقودك شهوتك حيث تريد هي.
أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا
12. الصبر على البدايات والابتلاء
التوبة لا تعني اختفاء الآثار فوراً. قد تواجه اكتئاباً أو ضيقاً كاختبار لصدقك. احرق سفن العودة ولا تجرب مع الله، بل اعبر الشاطئ بصدق.
13. تعظيم الله حبل النجاة
حتى وأنت في قمة تخبطك، حافظ على تعظيم شعائر الله في قلبك. هذا التعظيم هو الذي جعل صاحبنا يرفض سماع الكفر أو يغار على بيوت الله، وكان هو الحبل الذي انتشله.
14. الاضطرار إلى الله في التوبة
من أعظم مواضع استجابة الدعاء أن تضطر إلى الله ليعينك على نفسك. "يا رب أنا لا أقدر، أنت القدير، خذ بيدي". هذا التبرؤ من الحول والقوة هو مفتاح الفتح.
خاتمة ورسالة
يا من تتابعنا وأنت واقع في فخ الإباحية: الله ساق إليك هذه القصة لتكون لك سبباً في الهداية، فسيسألك عنها. ما التطبيق الذي ستحذفه الآن؟ ما العلاقة التي ستنهيها الليلة؟
ولا تغتر بحلم الله وتقول "سأتوب غداً"، فمن قال لك أن قلبك سيبقى حياً حتى توفق للتوبة؟
وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
اللهم يا حي يا قيوم، اهدِ كل عبد يسمعنا الآن، وطهر أبصارنا، واحفظ فطرتنا، واجعلنا نلقاك وأنت راضٍ عنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.