السلام عليكم ورحمة الله وحياكم الله يا كرام. قبل أيام التقيت بشاب أخبرني عن قصة توبته من الإباحية، وكانت مؤثرة للغاية، مما زادها جمالاً أنه كان يحدثني ويبكي، والشاب ما شاء الله يشع من وجهه -فيما نحسبه- الإيمان والسكينة والطمأنينة.
فقلت له: "لازم تكتب لي هذه القصة حتى ننشرها لإخواننا وأخواتنا". كاتب لي القصة بالفعل، فسألته عن بعض النقاط أخبرني بها، إلى أن خرجت هذه القصة بالشكل الذي سوف تسمعونه، وهي مليئة بالفوائد ومؤثرة للغاية. لذلك ما سأفعله معكم الآن هو أني سأمشي مع القصة، أحكي لكم ما حكاه الشاب، ثم بعد ذلك نعود ونستخرج الدروس والعبر من بعض فقراتها.
يقول الشاب: "كانت البداية أني نشأت في أسرة عندها حب للدين بصدق، ولكن الفجوة بين الأقوال والأفعال فيما يخص الدين كبيرة جداً. فكانت النتيجة أني أول ما بدأت أكبر بدأت أنفلت من أوامر الدين التي كان يمليها علينا والدي، الذي كان لا يطبق ما يقول وما يعلمنا إياه. فوالده يقول لهم: اعملوا وسوّوا، والدين يأمر بكذا، ولكن هو نفسه عنده تفلت من بعض الأحكام، فهم لما كبروا صاروا يتفلتون من الدين".
قال: "ولكن في ظل كل هذا الاضطراب في التربية، كان والدي -غفر الله له وجزاه عنا خيراً- يغرس فينا الصدق. فأذكر حديثاً للنبي ﷺ كان والدي يكرره علينا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورِ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (رواه البخاري ومسلم). وكان يتردد معنى الصدق في رأسي وينغرس في قلبي بفضل الله سبحانه وتعالى".
قال صاحبنا: "مضت السنوات، كبرنا، التربية الإيمانية ضعيفة، صحبة فاسدة، سوشيال ميديا، إنترنت مفتوح على المواقع الإباحية، اختلاط في الكلية والجامعة والشارع وأماكن العمل، وشاب متاجج فيه الشهوة بشكل فطري في هذا العمر. فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة هي التعبير الذي استخدمته يا دكتور إياد في حلقات (الحرب على الفطرة): حالة من السعار الجنسي".
يقول: "صار عندنا سعار جنسي، كنت أنام وأصحى وما عندي إلا هم واحد: كيف أستجيب لشهوتي؟ مع مين؟ شو الطريقة؟ مش مهم، المهم بدي أفرغ الشهوة والسعار اللي أنا فيه. وكان أكبر باب للشهوة هو المواقع الإباحية التي أدمنت عليها شيئاً فشيئاً، ثم اكتشفت مع الوقت أنها تجرني جراً لرغبات كنت أستقبحها وأقرف منها، ومع ذلك لم أستطع تركها، فلم يكن هناك ضابط للشهوة ولا وازع ديني يوقفني".
قال: "إلى حد أنني تعودت على المشاهد الإباحية المعتادة، فصرت أبحث عما هو أقذر وأفحش -الله يغفر لي ويعفو عني- ولدرجة أني صرت أنظر لأي أنثى حولي بنظرة غريزية بحتة والعياذ بالله. تشوهت نفسيتي تماماً وانسلخت عن فطرتي، وكنت أظن مع ذلك أني لا زلت أملك نفسي وأتحكم فيها".
"إلى أن هداني الله سبحانه وتعالى بفضله ومنته وكرمه وحلمه ورحمته إلى سلسلتك يا دكتور إياد والمعنونة بسلسلة (الحرب على الفطرة). فلما دُللت عليها، سمعت فيها ما تشيب له مفارق الولدان، وأكثر ما أثر فيّ كان الحلقة الرابعة تحديداً والتي عنوانها (حقائق صادمة: التجارة باسم حقوق الطفل والمراه)، والتي اكتشفت بعدها أني كنت أُساق سوقاً للحالة الشعورية من السعار الجنسي الذي أنا فيه".
"اكتشفت أني عايش بكذبة كبيرة اسمها منظمات حقوق الإنسان والمراة والطفل، خصوصاً أني اشتغلت معهم في مركز طبي وكنت أستغرب من بعض ما أراه، ثم فهمت السبب لما حضرت الحلقة. أكثر شيء وجع قلبي هو اكتشافي أنني بسبب الشهوة المنفلته التي دفعتني لمتابعة الإباحية، أصبحت جزءاً من منظومة تجارة الجنس وتجارة البشر والمخدرات وغيرها. يعني أصبحت أنا سبباً في كل هذه الجرائم! كيف؟ أنا لما أفتح هذه المواقع الإباحية فإني أموّل هؤلاء الناس، متابعتي لهذه المقاطع هي سبب في أن هؤلاء المجرمين يزدادون في شغلهم أكثر ويحرصون على جلب المزيد من النساء والبشر ليتاجروا بهم".
"فكلما زاد الدخول على هذه المواقع يزداد نهمهم وطغيانهم، فاكتشفت أني مشارك في كل هذا. وليش كل هذا؟ عشان شهوة ما تتعدى لحظات! فقلت لنفسي: كم من الناس تألموا من ورائي أنا وأمثالي؟ والله للحظة تخيلت الأطفال والنساء الذين يُتاجر بهم لأجل الجنس والإباحية فكنت سأموت من القهر".
"طبعاً حاول الشيطان يقنعني أنه (مش لهالدرجة، وأنت شو دخلك، وكلها كم مقطع، ولا تكبر الموضوع)، وهنا كان موضوع الصدق الذي أحسب أن ربنا نجاني به، فقلت لنفسي بوضوح: (أنا مجرم إذا بقيت في هذه الدوامة من الإباحية). وبدأت أحاول الابتعاد عن أي شيء ممكن يدفعني للإباحية بصدق".
"فأول ما خطر ببالي السوشيال ميديا، سألت حالي بصدق: أنت شو مستفيد منهم؟ فيسبوك، إنستغرام، سناب.. الشيطان صار يذكرني: (لا تمسح التطبيقات، بيطلع لك موعظة مرات فبتستفيد منها، بتوصل رحمك وبتعزي المسلمين).. فجأة الشيطان صار يدلني على الخير! لكن من فضل الله عليّ أن أكرمني بالصدق، فقلت: ما بدي إياهم، ومسحتهم بالتدريج. ووالله الذي لا إله إلا هو يا دكتور، إنه من هنا بدأت أعيش! اكتشفت أني كنت مستعبداً، والله هذا هو الوصف الدقيق: مستعبد للإباحية والسوشيال ميديا وأفكار الناس الذين يشبهونني، والأسوأ أني كنت مفكراً حالي صاحب قرار ولي شخصية وأفكار".
يقول صاحبنا: "من فضل الله سبحانه وتعالى عليّ أن أكرمني وثبتني وعافاني من كل هذا الضلال، فتبت من الإباحية وتركت السوشيال ميديا، لكن كان لا يزال هناك عادات كثيرة سيئة ما تركتها. بعد شهور من توبتي، دخلت في حالة اكتئاب حاد؛ الناس صارت تبعد عني، وحتى أصحاب الشغل طلبوا مني أن أبحث عن شغل ثانٍ وأترك، لأني أصبحت لا أطاق، دائماً حزين ولا يوجد شيء يفرحني. كل يوم أصحو من النوم أبكي: لماذا صحوت؟ لم يعد هناك أي معنى للحياة في عيني أبدا، وبدأت أفكر لماذا لا أخلص من هذه المعاناة وأنتحر".
"قلت لنفسي: أعطِ حالك فرصة واذهب إلى طبيب نفسي. طبعاً كنت أصلي بس (على كيفي) يعني على فضاوتي، وكنت أدخن وعادي أتعاطى مخدرات إذا (صحّ لي)، وأتحدث مع بنات المسلمين ولساني فالت، ولا يوجد غض بصر، وأسمع أغاني وشوية غيبة على عقوق على قطع رحم.. ومستغرب لماذا أنا مكتئب! كانت تتردد في رأسي آية: وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وآية: وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فكنت صادقاً ومقتنعاً أنني أنا المشكلة، بس مش قادر أعرف بالضبط شو لازم أعمل".
"قد تستغرب يا دكتور أنني أثناء كل هذا (التخبيص) كان لا يزال عندي تعظيم لله، وهذا مما غرسه أبي فينا، يعني كنت لا أقبل أن أسمع الكفر أبداً. استمر الاكتئاب إلى أن كنت في يوم جالساً أدخن وأعظ شاباً (مسكرة بوجهه الدنيا) ويبحث عن شغل، فكنت أقول له: يا زلمه ما هو أنت صلِّ عشان ربنا يرزقك، ربنا يقول: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ يعني صلِّ والله سبحانه وتعالى يرزقك، واضحة المسألة".
"فصفن الشاب (عمار) وقال: إن شاء الله. بعد أسبوعين تقريباً رأيته بغير الوجه الذي أعرفه، قال لي: ما حكيت لك شو صار؟ ربنا رزقني محل هيني (بدوكر) فيه، وأهم من المحل أني صرت أصلي والحمد لله. كان هذا من أجمل الأخبار التي سمعتها وأنا في قمة الكآبة. العجيب أن عمار صار له ورد من القران، فكان يقرأ بسورة طه، وصور لي الصفحة التي فيها آية (وأمر أهلك بالصلاة) وبعث لي إياها وقال: تذكرتك ودعيت لك".
"قرأت صفحة القرآن التي بعثها عمار وأنا مكتئب وبدور على حل، وإذا بي أقرأ في نفس الصفحة قبلها بآيات قول الله تعالى: فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ قلت: (لعلك ترضى)! أها.. أنا هذا الذي ينقصني، وهذه مشكلتي، كل شيء بحياتي تمام بس مش راضي. الحل: سبحان الله وبحمده. تمام، سأظل أقولها".
"ظلت على لساني بفضل الله أسبوعاً أو عشرة أيام، رأيت بعدها رؤيا وقع في قلبي تفسيرها أول ما صحوت أن الله سبحانه وتعالى أذهب عنك ما أنت فيه من هم. والله يا دكتور صحوت واحداً ثانياً تماماً، قمة السعادة والفرح والتفاؤل والهمة بفضل الله، فتعافيت من الاكتئاب وبدأت أنظف حياتي".
"لكن لسه في ضعف وفي معاصي. وفي ليلة كنت أقلب مقاطع اليوتيوب، وكنت قد دخنت نصف باكيت وزهقان حالي، وكل شوي أقول: الآن أقوم أصلي الوتر.. طلع لي مقطع قصير لك يا دكتور تتكلم فيه أنك أتيحت لك الفرصة أن ترتع مع الراتعين في أمريكا ولكن آلام المسلمين منعتك، وذكرت قصة (كوم الرماد) في مسجد بإندونيسيا".
"ربنا جعل في هذا المقطع أثراً عظيماً في قلبي، قلت لحالي: كل آلام المسلمين هذه وأنا مش قادر أساعدهم ولا حتى باني أترك ذنوبي لعل الله يقبل مني وينظر لي ولهم بعين الرحمة؟ صرت أدعو وأبكي وأكسر الدخان بأصابعي وأقول: يا رب بترجاك بدي اتركه عشانك يا رب نصره للأمة، أنا مش قادر أعمل شيء بس هيني بدي أترك الذنب عشان أساعد بأي شيء. وأبكي وأقول: يا رب أنا خايف أرجع، بترجاك ثبتني وأعني وأكرمني، أنا لا أقدر بس أنت على كل شيء قدير، يا رب مشان الله يا رب".
"وكانت تلك الليلة مع الله سبحانه وتعالى بدايه الأفراح. أكرمني سبحانه ففترة قصيرة كنت متعافياً من الدخان وآثاره تماماً بفضل الله، ثم أكرمني صرت أتعلم تجويد القرآن، ثم أكرمني صرت أصلي بالمسجد الخمس صلوات، ثم لحيتي طالت، ثم صيام اثنين وخميس، ثم صحبة صالحة، ثم زوجة أحسبها مؤمنة صالحة مصلحة تقية باره تحب الله ورسوله، ووهب لي بنتاً وولداً أسأل الله أن يجعلهم من الصالحين المصلحين".
"ومن فضل الله ورحمته أن جعلني سبباً في هداية أهلي وإخواني وأخواتي وكثير ممن حولي، ووالله إني أعيش سعادة لا يعلم بها إلا الله، وصرت والحمد لله أصحو مبسوطاً من النوم أحمد الله على فيضان النعم وأهمها الهداية. أسأل الله العظيم أن يثبتنا على دينه حتى نلقاه وهو راضٍ عنا".
بعض الشباب إذا استقام بدأ ينظر إلى والديه بعين اللوم، لكن صاحبنا على الرغم من تقصير والده وقسوته، كان يقول: "كان والدي غفر الله له وجزاه عني خيراً يغرس فينا الصدق". الاستقامة ليست مجرد صلاة ولحية، بل هي لين قلب وحسن خلق وبر بالوالدين ورحمة بمن حولك، تذكر قول الله تعالى: كَذَ ٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ
لا تتخذ قسوة الأب أو تناقض بعض المتدينين ذريعة لترك الدين. خطأ الناس لا يسقط حق الله عليك، بل الأصل أن تغار على دين الله من سوء تمثيل بعض الناس له، فالله يقول: بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ
لا يستهن الآباء بأي قيمة يغرسونها في أبنائهم. كلمة صادقة أو تعظيم لله تزرعه في قلب طفلك قد يكون بعد سنوات حبل النجاة الذي يرجع به إلى الله، كما حصل مع قيمة الصدق في هذه القصة.
ترك الموبايل والإنترنت مفتوحاً في يد الأبناء هو تضييع للأمانة. لا تقل "أنا أثق بتربيتي"، فالمسألة ليست ثقة بالأبناء بل عدم ثقة بالخبثاء الذين يريدون إفسادهم. الأبوة حماية ومتابعة وحوار ووضع حدود، فلا تعطِ ابنك مفتاح الفتنة ثم تبكي.
الإباحية ليست متنفساً بل هي نار كلما أطعمتها اشتعلت، وهي تجر الإنسان لما كان يستقذره وتشوه فطرته وتجعله ينظر للمرأة نظرة غريزية بحتة. من أراد العفاف لا يفتح باب السعار ثم يقول لماذا لا أستطيع إغلاقه.
أحياناً تعمل عملاً لله ولا ترى أثره فورا، لكن الله يضع كلمتك في قلب إنسان في وقت لا تتوقعه. سلسلة (الحرب على الفطرة) كانت سبباً في نجاة هذا الشاب لأنه كان يحب الدين في داخله رغم ضياعه. فلا تتعامل مع العاصي وكأنه يكره الدين بالضرورة، فكثير من الشباب في داخلهم بقية خير تنتظر كلمة مؤثرة تشرق في قلوبهم.
حين تفتح هذه المواقع، أنت لا تشاهد شاشة فحسب، بل أنت تساهم في تمويل سوق قذر قائم على الاتجار بالبشر والنساء والأطفال. من أعظم ما يعينك على التوبة أن تدرك أنك بمشاهدتك تصبح جزءاً من منظومة ظلم وإجرام عالمية، فالتوبة هنا هي خروج من هذه المنظومة المجرمة.
الشيطان يحاول تهوين المعصية بقوله: "كلها كم مقطع، لا تكبر الموضوع". لكن الصدق هو أن تواجه نفسك وتقول: "أنا مجرم إذا بقيت في هذه الدوامة". بداية النجاة أن تسمي الذنب باسمه ولا تغلفه بالأعذار، قال تعالى: وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
لا تخدع نفسك بمنافع السوشيال ميديا (مواعظ، صلة رحم) إذا كانت هي الباب الأكبر لمعصيتك. إذا كان الشيء باباً واضحاً لفتنتك فاحذفه فورا، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. يمكنك العودة لهذه الوسائل لاحقاً بعد أن تقوى وتضع حدوداً واضحة.
التوبة ليست كلاماً بل قرار حاسم بقطع الطريق الذي يرجعك للذنب. تذكر حديث الرجل الذي قتل مئة نفس، حيث أمره العالم أن يترك أرضه لأنها "أرض سوء". من صدق في التوبة قطع العلائق مع المعصية؛ سواء كان تطبيقاً، أو حساباً، أو صديق سوء.
الحرية ليست في فعل ما تشاء، بل في ألا تكون المعصية قادرة على سحبك متى شاءت. صاحبنا اكتشف أنه كان مستعبداً لشهوته وللشاشات، ولم يذق طعم الحياة إلا حين تحرر من عبودية الهوى إلى رحاب العبودية لله، قال تعالى: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
ترك المعصية لا يعني اختفاء آثارها فوراً، فقد تواجه حزناً أو ضيقاً أو "أعراضاً انسحابية". هذا اختبار لصدقك؛ هل تريد الله أم تريد الراحة فقط؟ عندما تعبر البحر وتصل لشاطئ التوبة، احرق السفن خلفك ولا تنظر للخلف أبداً، فالله يبتليك لينقيك.
حين يضيق بك الحال، لا تقل "لماذا يا رب؟" بل انظر في تقصيرك. صاحبنا حين اكتئب لم يلم القدر، بل اعترف بتقصيره في الصلاة وتخبطه في المعاصي، وأدرك أن ما أصابه هو من نفسه، قال تعالى: مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا
لا تسمح للشيطان أن يقول لك "أنت منافق لأنك تعظم الله في مواقف وتفرط في أخرى". تعظيم الله الذي بقي في قلبك (كرفضك لسماع الكفر أو احترامك للمساجد) هو الحبل الذي قد ينتشلك من الغرق. لا تترك كل شيء بحجة "خربانة خربانة"، بل ابنِ على الخير الذي فيك.
لا تقل "أنا لست أهلاً للنصح". صاحبنا نصح عمار وهو لا يزال يدخن، فكانت نصيحته سبباً في هداية عمار، ثم كان عمار سبباً في إرسال آية كانت مفتاح فرج لصاحبنا. الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة تؤتي أكلها ولو بعد حين.
أعظم لحظات التوبة هي حين تتبرا من حولك وقوتك وتلجأ لملك الملوك. قول صاحبنا "يا رب أنا لا أقدر، أنت على كل شيء قدير، مشان الله يا رب" هو مقام الاضطرار الذي يستوجب الإجابة: أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ
يا من تتابع هذه القصة، لقد سِيقت إليك لتكون سبباً في هدايتك، فماذا أنت فاعل؟ لا تغتر بحلم الله عليك، ولا تظن أن قلبك بيدك تضمن توبته متى شئت، قال تعالى: وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ارجع الآن قبل أن يصبح الثمن أثقل، فالحياة الطيبة بانتظارك. اللهم اهدِ كل من سمعنا، وطهر أبصارنا، واحفظ فطرتنا، واجعلنا نلقاك وأنت راضٍ عنا.
والحمد لله رب العالمين.