الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi ===== الحساب على التويتر https://twitter.com/Dr_EyadQun
الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi ===== الحساب على التويتر https://twitter.com/Dr_EyadQun
السلام عليكم ورحمة الله أيها الكرام،
استمعت للقاء الأخت ابتهال أبو سعد المنشور من يومين، والذي تجيب فيه عن أسئلة حول كيف استعدت لهذه اللحظة التي قالت فيها كلمة الحق عن شركة "مايكروسوفت". كلامها كان رائعاً بمعنى الكلمة ومليئاً بالدروس، وأجمل ما فيه هو قولها -ما ترجمته-:
"كانت هناك مخاوف كثيرة بالإضافة إلى الخوف من فقدان وظيفتي؛ كالخوف من أن توضع عليّ علامة سوداء لبقية حياتي المهنية، ومن أن تحدث مشاكل في إقامتي. الكثير من المخاوف الدنيوية كانت موجودة وحاضرة في تفكيري، لكن عندما تبين لي أن الشركة متواطئة، أصبح استغفاري كله بنية واحدة".
وهنا دمعت عيناها، ثم قالت: "لم أرد أن ألقى الله يوم القيامة وأعترف أمامه بأي تواطؤ في هذه الإبادة، وعلمت أن بقائي في مايكروسوفت، بقائي صامتة في هذه الوظيفة المرموقة والمنصب المريح، كان سيؤدي إلى تلك النتيجة يوم الحساب. وهذا الخوف الذي غمرني واستولى على قلبي، طغى على كل خوف آخر من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة (يعني أن تأتي وتأخذها لترحيلها خارج أمريكا) أو أي مخاوف عملية أخرى".
ابتهال لم تكن موظفة عادية إخواني، بل خرجت لتكمل دراستها في جامعة "هارفارد" بمنحة أمريكية، وظهرت في مجلة "فوربس" المعروفة، وكانت تعلم أن موقفها لن يفقدها كل امتيازاتها فحسب، بل قد يدمر مستقبلها المهني. وبتعابيرها قالت: "هذا هو الخوف الذي طغى عليه"، يعني حجب كل خوف آخر. هذا كلام عظيم يحتاج الناس أن يتعلموا منه، نسأل الله أن يجزيها خيراً ويثبتها ويعظم أجرها ويعوضها خيراً مما فقدت.
أثيرت نقطة أن ابتهال كانت قد شاركت سابقاً في ورقة علمية عن حقوق "المتحولين"، وأنها كانت مشاركة في فعالية (SheHacks Boston) الليبرالية لدعم الذين يصفون أنفسهم بأنهم (Non-binary) -أي لا ذكور ولا إناث-. وبالتالي قال البعض: قد تكون دوافعها في نصرة غزة دوافع "إنسانوية" حقوقية تشمل الحق والباطل على حد سواء.
في الواقع إخواني، الورقة المشار إليها قديمة، وكذلك مشاركتها في الفعالية، وأحسب أن هذا كله لا يمثل شخصية الأخت الآن، ونسأل الله أن يوفقها لتصرح بذلك، فكثيرون ينظرون إليها بعين القدوة وهي أهل لهذا التوضيح بإذن الله. فمقابلتها الأخيرة واضح فيها استحضار مخافة الله وابتغاء رضاه في موقفها الذي اتخذته -فيما نحسبها-.
وقد قالت بوضوح في مقابلتها: "أي شيء تفعله لوجه الله فإن الله لن يخذلك، ونحن نعلم أن الله عز وجل يريدنا أن نقاتل في سبيل المظلومين وأن نكون صوتاً يعارض أي تورط في الإبادة في غزة. وجود هذه النية سيعطيك الطمأنينة ويعينك على أن تتحلى بالتوكل اللازم لتقوم بالفعل".
واستشهدت بقول النبي ﷺ: "مَن تَرَكَ شيئًا لِلَّهِ عوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ". كلامها مليء بمثل هذا الإجلال لله تعالى وحسن التوكل عليه والاستعانة به سبحانه. وأحسب أن هذا الإقبال والإيمان من ابتهال هو من ثمراتكم الطيبة الكثيرة يا أهل غزة؛ فقد كان لدى ابتهال قلب حي لم تخبُ فيه جذوة الإيمان، فتحركت هذه الجذوة وأشعت نوراً بعدما رأت ما يتعرض له إخوانها وأخواتها في غزة.
قد يسأل سائل: "ألم تكن أنت يا إياد من قلت إن علينا ألا نمدحها لأن دوافعها حقوقية؟". لم أقل هذا إخواني، والمنشور الذي نشرته كان مفصلاً واضحاً وزدناه توضيحاً، وكان قواعد عامة دون ذكر أسماء، وإنما حذفت ثنائي عليها احتياطاً لما سمعته قبل أن يُنشر لقاء الأخت الأخير. ومع هذا كله، لست معنياً بأن أقول إني لا أخطئ في تقديراتي، قد يكون حتى الإشارة لهذه القواعد العامة في ذلك التوقيت غير مناسب. نحن بشر نخطئ ونصيب، وإذا بدا لي شيء من الحق فالرجوع إليه أحب ما عليّ، ولا أجد في نفسي أي غضاضة في ذلك.
أما عن عمل المرأة المسلمة في تلك الأجواء أو ظهورها في المقابلات، فنحن نحتاج أن نفصل؛ كلامنا هو ثناء على موقف الأخت في قول الحق بدوافع إيمانية عظيمة وحسن توكل وإيثار للآخرة على الدنيا. يسعنا أن نثني على هذا الخير الذي فيها بكل أريحية وندعو إلى الاقتداء بها في هذا الخير، وأنا شخصياً تأثرت حينما استمعت لمقابلتها وأعتبر أني تعلمت من أختنا الكريمة درساً بليغاً. وهذا لا يعني بالضرورة أن نعتبرها قدوة في كل شيء، فلا أنا قدوة في كل شيء ولا أنت، القدوة المطلقة هو رسول الله ﷺ.
نقول هنا للمرأة المسلمة التي لا تعمل في "مايكروسوفت" ولا في "جوجل" ولا في أي شركة، وإنما تربي أبناءها وتكون سكناً لزوجها: لا تشعري أيتها المسلمة الصالحة أنك أقل من ابتهال؛ فإذا ربيت أبناءك وبناتك على حسن التوكل على الله وعلى قول كلمة الحق دون أن يخافوا في الله لومة لائم، وعلى إيثار الآخرة على الدنيا، وأن يخافوا أن يلقوا ربهم عز وجل وفي أعناقهم دم مسلم، فأنت تخرجين لأمة الإسلام رجالاً ونساءً كابتهال، وليس بالضرورة أن يذيع صيتك في العالمين ما دام رب العالمين مطلعاً عليك.
ختاماً، نقول لمن يشارك في التضييق على أهل غزة ويساعد المجرمين على الاستفراد بهم لأجل متاع من الدنيا قليل: موقف ابتهال وأمثالها من المواقف حجة عليك يوم القيامة، ومتاعك لا يساوي ولا عشر ما ضحت به ابتهال. وإذا أردت أن تنتسب لأمة محمد ﷺ فلا تظنن أن هذا الشرف بلا ثمن.
ونقول لأختنا ابتهال: نسأل الله أن يثبتك ويكرمك ويزيدك إيماناً وتوكلاً ونصرة للحق، ونسأله سبحانه لنا ولك أن نلقاه وهو راضٍ عنا، وأن يقول لنا يوم نلقاه: "ادخلوها بسلام آمنين".
والسلام عليكم ورحمة الله.