مقدمة: توضيح المسار الدعوي في مصر
السلام عليكم ورحمة الله، إخوتي الكرام. هذه مجموعة ملاحظات لعلها تكون نافعة بخصوص الوضع الحالي في مصر، وفيها إجابات عن تساؤلات ثارت بعد نشر كلمة "يا أهل مصر تعالوا نضمد الجراح".
أولاً: الفرق بين تصحيح المسار والمهادنة
عندما نقول إن علينا الاهتمام بالدعوة وتطهير نفوسنا في هذه المرحلة، فينبغي عدم الخلط بين هذا الطرح وبين ما يقوله بعض المنتسبين للسلفية. ينبغي ملاحظة الفرق الكبير بين أن نقول: نريد تصحيح المسار واستمالة من يمكن استمالته من شعبنا إلى هذا المسار النقي لنتعاون جميعاً في اقتلاع الباطل من جذوره، وبين التنازل للباطل.
أثناء ذلك، نحن لا نتصالح مع الباطل، ولا نتنازل له، ولا نضفي عليه الشرعية في عيون الناس، ولا نطلب منه كرسياً في هيكلية حكمه الفاسدة، بل نتمايز عنه ونؤسس دعوتنا من قواعدها المنفصلة، ونتحمل بطش الباطل الذي لن يسكت عنا.
هناك فرق هائل بين هذا وبين التحالف مع الباطل وإضفاء الشرعية عليه وتطويع الناس له بحجة "المصلحة والمفسدة" والدخول في هيكليات حكمه الفاسدة.
ثانياً: الدعوة كأداة للتغيير في مواجهة القمع
يعترض البعض على من يؤكد ضرورة دعوة الناس وتوعيتهم في هذه المرحلة، على اعتبار أن العسكر لن يدعونا نمارس هذه الدعوة بل سيقمعوننا. فأقول: هذا دأب كل نظام ظالم عبر التاريخ، ومع ذلك فقد حقق الدعاة الكثير على الرغم من هذه الأنظمة؛ لأنهم من أدوات الله تعالى في إعلاء دينه.
ونقول للذي يعتبر الدعوة غير مناسبة للمرحلة وغير موصلة للمراد: ما الحل الذي تقترحه بديلاً عن ذلك؟ أن يبقى أصحاب الهم الإسلامي على ما هم عليه من تنافر مع شريحة كبيرة من المجتمع؟ وما النتيجة التي تتوقعها من ذلك؟ هل تتوقع أن يدرك عموم الشعب خطأه بنفسه وينحاز لأصحاب الهم الإسلامي فيسقط العسكر ويقوم حكم إسلامي رشيد؟ أتمنى من المعترضين أن يجيبوا على هذه السيناريوهات.
ثلاثية المخرج من الأزمة:
تأكيدنا على أهمية الدعوة لا يعني بالضرورة وقف الحراك المعارض لحكم العسكر، لكن هذا الحراك لن يؤتي أكله، بل سيهدر الطاقات المتبقية إن بقينا نسير فيه معزولين عن الناس وقضيتنا مشوهة لديهم. لا بد أن تصاحبه:
- دعوة نقية أصيلة: تتخلص من الالتواء وتنكب الصراط الذي مارسه بعضنا تحت مسميات المصلحة والمفسدة والأمر الواقع، فما جلبت لنا إلا المفاسد.
- استمالة الناس: موقنين بأننا إن أخلصنا النية لله وصدقنا التوكل عليه وأحسننا أخلاقنا فسنصل لقلوبهم.
- إبراز قيادات جديدة: فإذا انضم إلى هذه الثلاثية حراك في الشارع، كان لهذا الحراك فائدته وتأثيره.
ثالثاً: التوازن بين بيان الباطل والبناء الدعوي
يعترض البعض على القول بأنه لا يكفي بيان جرائم العسكر ومخازي من حالفوه من مشايخ السوء، وأن الحديث عن هؤلاء ينبغي ألا يشغلنا عن الجهد الدعوي التصحيحي.
نحن نؤكد هنا أن الكلام هو عن التركيز لا عن مبدأ التبيان؛ فمن تابع كلماتي يعلم أني لا أكف عن تبيان فساد العسكر وحلفائه. لكن كلامنا موجه للإخوة الذين يرصدون كل موقف وتصريح مخزٍ لهذا الشيخ أو ذاك، دون أن يكون لهم أي جهد في البناء الدعوي التصحيحي.
اسأل نفسك يا أخي: عبر الشهور الماضية، كم بذلنا من جهد في تصحيح المنهج والتعلم من الأخطاء واستمالة الناس إلى الحق؟ وكم في المقابل صرفنا من جهودنا في بيان قبح وإجرام عدونا وخيانة حلفائه؟ هل النسبة في الوقت والجهد مقبولة؟
إن حامل الدعوة الإسلامية بحق يحتاج أن يعمل بيدين معاً:
- يد يبني بها بنيان الحق.
- يد يهدم بها بنيان الباطل.
أما إن انشغل بهدم الباطل عن بناء الحق، فسيعود الباطل لملء الفراغ مرة أخرى بلا شك. الاقتصار على الهجوم يعني لدى عامة الناس أننا ننافس على الدنيا وانتقاماً لذواتنا كما يصور الإعلام الكاذب، لكن عندما نعمل على رسم نموذج نقي ناصع بالدعوة، فسيدرك الناس أن خصومتنا ليست على الدنيا.
رابعاً: التعامل مع عوام الناس وتصنيف مواقفهم
كلام كثير من الإخوة يدل على قطع الأمل في عوام الناس الذين وقفوا موقفاً سيئاً أو سلبياً في الأحداث وعادوا من ينتسب إلى الاتجاه الإسلامي، لذا فهم يستغربون مني أن أدعو إلى تألف الناس.
نعم، هناك قسم من الناس خبيث النفس، معادٍ للدين، عبدٌ للطاغوت بالفعل، ما ينقمه منا هو أنه يرانا حاجزاً عن شهواته الفاجرة؛ وما عن مثل هؤلاء نتكلم، وليس هؤلاء هم الذين أدعو إلى تألفهم وجذبهم بحسن دعوتنا. ولا أريد أن يُظن أبداً أننا نرى هؤلاء معذورين بحجة أن الإعلام ضللهم أو أن أخطاء الإسلاميين فتنتهم عن دينهم؛ فمن يعادي الشريعة ويرى فيها تخلفاً ويفوض العسكر بهذا القصد لا عذر له.
كما أن هناك قسماً من الناس "مع الواقف" أياً كان، فيميل مع كل من رجحت كفته لأنه عديم المبادئ، وما عن هؤلاء أعول أو أتكلم أيضاً.
إنما أتكلم عن فئة كبيرة، أعانوا الشياطين علينا بأخطائنا؛ هؤلاء ظلموا وجاوزوا الحد في ظلمنا، وقد خاطبتهم بذلك في كلمة "إلى من يفرح بقتل المعتصمين بمصر" وبكلمات ومقالات قبلها وبعدها. لكن حتى مع تجريمنا إياهم بأنهم صدقوا الإعلام وردوا على خطايا الإسلاميين بالانحياز إلى الظلمة المجرمين المفسدين، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، مع هذا كله فإننا لن نستطيع أن نفرض عليهم فعل ما يتوجب عليهم، فليس أمامنا إلا فعل ما يمكننا نحن فعله.
معادلة الموقف السيئ وكيفية تغييره
يمكننا القول بأن الموقف السيئ الذي اتخذه بعض الناس منا كان نتيجة عدة عوامل، فكأنها معادلة:
(أخطاؤنا + جهل الناس وقلة دينهم + افتراءات الإعلام = موقف الناس السيئ)
من بين هذه العوامل الثلاثة، العامل الذي بيدنا أن نلغيه هو "أخطاؤنا". أخطاء الإسلاميين لا تبرر أبداً موقف الناس كالذين أعطوا التفويض أو شمتوا بنا، لكننا في النهاية لسنا قضاة مُمكَّنين لنملك أن نقتص للمظلوم من الظالم، لذا فمهما أثبتنا لأنفسنا أن الناس كانوا على ضلال وظلم، فإن ذلك لن يغير من الواقع شيئاً ما لم نقم نحن بإصلاح ما يمكن إصلاحه وهو أنفسنا.
كم نسبة هؤلاء الذين يحبون الدين بالجملة ولا يعادون الشريعة لكنهم ظلموا وسفهوا علينا؟ أياً كانت نسبتهم فنحن المسؤولون أمام الله تعالى عن دعوتهم واستمالتهم وإزالة الغبش عن بصائرهم؛ لأن جزءاً من ضلالهم كان بسببنا.
نقد ذاتي: التقصير في الدعوة قبل الثورة وبعدها
حتى جهلهم بالإسلام الذي أدى بهم إلى ما هم فيه، ألم نكن أكثرنا منشغلين بشؤوننا الشخصية؟ ننشغل بجدالات فكرية كثيراً ما يدخلها ويشوبها التحاسد والتباغض وحظوظ النفس، بدل أن نحزم في ذلك كله ونتعداه إلى مرحلة هداية الناس ودلالتهم على دينهم؟
لذا فنحن الآن ندفع ثمن هذا كله، ونعاني من تسليط الناس علينا بما قصرنا في دعوتهم من قبل. كثير من هؤلاء الذين سفهوا علينا كانوا من قبل يرون أحدنا "سيدنا الشيخ" الذي له الاحترام والتقديم في المجالس والطرقات أيام كنا في بلاء الضراء في عهد مبارك. هذا الانقلاب الكبير منهم علينا كان أحد أسبابه تصرفاتنا في فترة ما بعد الثورة؛ تصرفاتنا التي أفقدتنا المصداقية أمامهم، إذ ابتلينا بالسراء فلم نصبر، بعد أن ابتلينا بالضراء فصبرنا.
الخاتمة: تفتيت كتلة العداء واستعادة الالتحام الشعبي
إن معاملة الناس الذين ظلمونا معاملة واحدة سوف تنجح مخطط "الدولة العميقة" في عزلنا وقوقعتنا عن الناس واستدامة حالة العداء مع المجتمع. بينما مهمتنا الآن أن نفتت هذه الكتلة الكبيرة الجاثمة على صدورنا، فنستميل من يمكن استمالته إلى منهج قويم ومسار مصحح، ومن لم يمكن استمالته نحيده ما استطعنا، بحيث يفشل العسكر في اتخاذه أداة لضرب الدعوة، ولا يبقى في معسكر العسكر إلا خبثاء النفوس معادو الشريعة عباد الطاغوت.
لنتذكر أن أحد أكبر مكتسبات الثورة في بدايتها هو حالة الالتحام التي حصلت بين الشعب والمنتسبين إلى العمل الإسلامي، بحيث وقفوا معاً في وجه الظلم. أخطأ منا من ترك الشعب وضغط الشارع وتلهى بالمشاركة السياسية التي وضع العدو قواعد لعبتها، فخسرنا أكبر مكتسبات الثورة متمثلاً في الالتحام مع الشعب. ولا نريد أن نكرس هذه الخسارة بمعاداة عامة شعبنا ومعاملتهم على نسق واحد.
والله تعالى أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله.