الموقف الشرعي المطلوب: التجرد من حظوظ النفس
فأود بعد الاستعانة بالله أن ألخص الموقف الذي أراه الموقف الشرعي المطلوب بما يلي:
أولاً: المسلم الصادق في خدمة دينه عليه أن يتجرد من حظوظ النفس، وأن لا يدفعه الاستفزاز من مخالفيه في المنهج إلى أن ينتصر لنفسه بحجة الانتصار للحق، وهو يعلم أن هذا الانتصار للنفس مضر بمصلحة الدين.
أقول ذلك لأن من المتوقع أن تكثر السجالات بين رافضي الانخراط في العمل الديمقراطي ومؤيديه، وتأخذ طابع الجدلية والشماتة والانتصار للنفس؛ مثل قول بعضهم: "ها قد أوصلتنا الديمقراطية إلى الحكم"، فيرد الآخر: "أي حكم؟ ما هو إلا منصب فخري لا قيمة له"، أو قولهم: "تحسدوننا"، فيرد المعارض: "على ماذا نحسدكم؟ لن تستطيعوا تغيير شيء"، وهكذا يستمر الجدل الذي يتحول إلى تربة خصبة ليلقي الشيطان فيها بذور التباغض والانتصار للنفس.
وقد يصل الأمر إلى مرحلة يتمنى فيها البعض ظهور فشل هذه التجربة الرئاسية، لا لتسلم عقائد الناس من ملوثات الديمقراطية وينقلبوا عنها إلى المنهج السليم، بل ليثبت تفوقه الفكري وصحة تنبؤاته وليشمت بمخالفه في المنهج، وهو في ذلك يوهم نفسه أنه ينتصر للحق. فأنصح نفسي وإخواني بالتواصي بالإخلاص وتقديم مصلحة الدين، وهذا يمنع من الظاهرة التي ذكرناها، ويمنع كذلك مما يقابلها من كتمان الحق ومجارات التيار العام لاسترضائه أو للظهور بمظهر الاعتدال.
معالجة الأخطاء العقدية الناتجة عن الممارسة الديمقراطية
إن القضية ليست فيما يمكن أو لا يمكن أن يحققه الرئيس من إصلاحات دنيوية أو حتى دينية، بل في عدم مشروعية هذا المسلك وفق الأدلة الشرعية، وفي المفاسد الكبرى الناتجة عنه والتي ترجح بأي إصلاحات جزئية.
أمامنا مهمة ضخمة وهي معالجة الأفكار والأخطاء العقدية التي علقت بأذهان الناس جراء ممارسة الأحزاب الإسلامية للعمل الديمقراطي، خاصة وأن الفتنة بالديمقراطية يتوقع لها أن تشتد مرحلياً نتيجة لهذا الانتصار الموهوم. لكن هنا أمران لا بد من مراعاتهما:
- الأمر الأول: لا بد من استحضار النية في هذا العمل؛ أننا نريد تصحيح تصورات الناس وفهمهم لدينهم ليلقوا ربهم عز وجل بقلب سليم، لا أن نمارس هذه الأعمال بنية التغلب على مخالفين في المنهج، وإلا فلا نتوقع أن يبارك الله عز وجل في دعوتنا.
- الأمر الثاني: هذه المهمة المذكورة هي جزء من مهام أصحاب المنهج السليم -بإذن الله- الرافضين للديمقراطية، ولا ينبغي لهم أن يحصروا دورهم فيها فقط، بل لا بد من الدعوة الشمولية التي تنتظم العقائد والسلوك والمعاملات بالحكمة والموعظة الحسنة.
طبيعة الخلاف مع المسلك الديمقراطي
كانت هذه هي النقطة الأولى من الموقف المقترح من رئاسة الدكتور محمد مرسي؛ فالخلاف ليس خلافاً فرعياً هامشياً، فنحن نعتقد اعتقاداً جازماً بأن هذا المسلك شركي، ونعتبر تصريحات كثير من سالكي هذا المسلك -فيما يتعلق بالاحتكام إلى الصناديق والدساتير الوضعية وإشراك العلمانيين وتبني الديمقراطية في التشريع وعدم الانقلاب على قواعدها- نعتبر تصريحاتهم في ذلك في غاية الضلال والخطورة على دين صاحبها، وأنها تهدم قواعد الدين وتضيع قضية العبودية.
وإن كنا نفرق بين الفعل والفاعل، ومحدودية بضاعتنا العلمية وتركيز الجهود يحصراننا في تخطئة الأفعال وتشديد النكير عليها دون التعرض لحكم فاعلها وحكم من سلك هذه المسالك وأيدها ودعا إليها.
التفريق في التعامل بين الأحزاب الإسلامية وأعداء الشريعة
ومع هذا كله إخواني، فنحن لا نسوي بحال بين هذه الأحزاب الإسلامية ومن يعادي الله وشريعته عداوة ظاهرة سافرة مباشرة، وهذا التفريق ينبغي أن ينعكس على طريقة تعاملنا مع كل من الفريقين. لذا فنحن ندعو إخواننا أن لا يضعوا الفريقين في بوتقة واحدة، ومن ثم يستخدموا ألفاظ الردة والكفر وعداوة الشريعة.
نحن لا نقلل أبداً من الأثر الخطير لأخطاء الأحزاب الإسلامية على تصورات الناس وفهمهم لدينهم، بل ونعتبر أن أخطاءهم هذه تلوث أفكار ومعتقدات عوام المسلمين وخواصهم، ولكننا نأمل أن يعودوا إلى المشروع الإسلامي النقي، وأن تحصل في داخلهم مراجعات وتنقيات. ومخاطبة منتسبي هذه الأحزاب بهذا الأمل في النفوس أدعى إلى حصول الأثر المرجو.
دعوة للعودة إلى ميادين الدعوة النقية
لقد تفتقت أكمام المسلك الديمقراطي عن حنظل، ومع ذلك فلا زال أصحاب هذا المسلك يدافعون عنه، وسيبقى كثير منهم يدافع عنه مهما حصل، ولعل من أهم أسباب ذلك خوفهم من الشماتة من خصومهم، فيعلون الضجيج ليقنعوا أنفسهم والناس من حولهم بجدوى هذا المسلك الذي قضوا فيه كثيراً من أعمارهم.
دورنا نحن في خطابنا لهذه الأحزاب لا أن نلغيها ولا أن نهمشها، بل أن نعزز فيها الجانب الدعوي من عملها، والذي كان لها فيه جهود مشكورة وثمار طيبة. دورنا أن نقول لمنتسبي هذه الأحزاب: "هذا ميدانكم، هذا عملكم؛ المساجد والمراكز الإسلامية والانتشار بين الناس ودعوتهم بالدليل الصحيح من القرآن والسنة".
لقد كان لكم في ذلك جهد مشكور ووسائل حسنة ونفس طيب، فاتركوا هذا العمل الديمقراطي الذي عطل جهودكم وجيّر كثيراً منها لخدمة باطل الديمقراطية، اتركوه وتمايزوا عن الباطل وأهله وتعالوا نعمل تحت الراية النقية. عودوا إلى ميادين الدعوة ونحن فيها معكم نؤازركم، وسنفتح لكم قلوبنا وأذرعنا وجيوبنا، ونعينكم بأوقاتنا وجهدنا ونصحنا، وندافع عنكم ولا نسلمكم لعدونا وعدوكم. هذا دورنا مع منتسبي الأحزاب.