السلام عليكم.
كلمتي هذه ليست لإشعارك بالألم والقهر، بل على العكس؛ علشان نتساعد في عمل شيء مفيد حقيقة في اتجاه إبراء ذمتنا وإرضاء ربنا.
إيش أعمل علشان غزة؟ شايف بعضكم بيقول: "خلص، بطلت بدي أعمل شيء، سيبوني في حالي، هم وغم على الفاضي، بدي أشوف حياتي."
ما بيطلع لك يا أخي. أنت بذلك تلقي بيديك إلى التهلكة. عارف سبب نزول قول الله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}؟ قال أبو أيوب الأنصاري: "نزلت فينا معشر الأنصار، وذلك أن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله، قلنا فيما بيننا: إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه، فلو رجعنا إلى أهلنا وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}."
هذا عن جهاد الطلب، يعني الجهاد الذي يبدأ به المسلمون ليوسعوا سيطرة الإسلام على البلدان الأخرى. فما بالك لما نكون في حالة دفع لعدو يقتل إخواننا في ديارهم؟ الانسحاب ليس خياراً، والفتور والنفور ليس خياراً.
طيب ماذا نعمل؟ كلامي ليس للذي يستطيع أن ينقذ أهلنا في غزة بالسلاح والمال والرجال ومع ذلك لا يفعل، بل يتآمر عليهم. الذي يفعل ذلك نقول له: نسأل الله أن ينتقم منك ويجعلك عبرة ويذيقك الذل والعذاب في الدنيا قبل الآخرة.
كلامي لمن يتحرق لنصرة إخوانه ويتمنى لو يفديهم بالنفس والمال والدم وتمنعه الحواجز. أقول لك: تعال نحافظ على انتصارات غزة.
كيف يعني؟ يعني كلنا رأينا النتائج العظيمة لصبر أهلنا في غزة وجهادهم:
هذه كلها انتصارات عظيمة وعظيمة جداً، لا تقل أهمية عن الانتصار العسكري. إخواننا في غزة دفعوا ثمن هذا كله. واجبنا أن نمنع ضياعها لأننا نعرف كم هو غال ثمنها. هذا جهاد منا أنا وأنت. لما نبذل هذا الجهاد نحس أننا مع إخواننا في غزة، نستشعر وحدة الساحات. هم على ثغر ونحن على ثغر، هم يسندوننا ونحن نسندهم. هم يحققون هذه الانتصارات بصبرهم وجهادهم، ونحن نمنع هذه الانتصارات أن تضيع وتذوب.
لكن لحظة، إخواننا في غزة يقولون لنا: "الحقونا، أدركونا، أنجدونا قبل فوات الأوان." هم يريدون دماءنا وسلاحنا والطعام والدواء، مش أن ننشغل بهذه الأمور وندعهم يموتون. نعم، حفاظنا على انتصاراتهم التي ذكرتها لا تعني أبداً أن ننشغل عن نصرتهم والعمل على نجدتهم. مش مقبول أبداً أن نقول: "احترقوا يا أهل غزة لتنيروا الطريق للبشرية، اسكبوا الدماء لتشع نوراً." هذا النوع من الخطاب يصبح تخذيلاً وإشغالاً للناس عن واجبهم تجاه أهلنا في غزة. ومثل هذا الخطاب سيروق للخونة والمنافقين، سيقولون لك في أنفسهم: "أيوة، خلينا نخلص على غزة ونتآمر عليها، وخليكم أنتم في الدعوة وتناقل مقاطع الصبر والرضا والمحافظة على ما تسمونه انتصارات."
أبداً يا إخواننا، كل من الواجبين لا يغني عن الآخر. سنبقى نحث على نصرة أهلنا في غزة بالمال والنفس والدم والسلاح، ونعامل من يمنع ذلك على أنهم خونة ونتبرأ إلى الله منهم.
لكن بعد ذلك، إذا لم يتمكن المسلمون المتحرقون كأفراد من النصرة المباشرة لأهلهم في غزة، ماذا نفعل؟ نحبط؟ نكتئب؟ نتحطم نفسياً؟ ثم نصاب بالفتور والنفور وننشغل بدنيانا؟ هذا بالضبط ما يريده الكفرة والمنافقون، بحيث تصبح غزة عبرة لكل من يريد أن يرفع رأسه ويستمر الذبح، بينما يعود الناس إلى ما كانوا فيه من غفلة وبعد عن الله، وتبدأ محاصرة الأصوات المناصرة لغزة وتجريمها.
حتى الآن في كثير من بلاد المسلمين محدش مستجري يعكس الموجة ويمنع الناس من رفع الصوت بتأييد جهاد غزة ومعاداة أعدائها من دول الكفر، بينما إذا مل عموم الناس فحينئذ شيئاً فشيئاً تطبق القوانين التي سنها النظام الدولي بحيث يصبح تأييد غزة إرهاباً، ويصبح بيان إجرام أعدائها إساءة لمشاعر الدول الصديقة.
هذا ما يريده أعداؤنا، بحيث يتحول انتصار غزة إلى هزيمة وخوف وقمع، كما حصل في الثورات المضادة للربيع العربي. وهم عادة ينجحون في تحويل النصر إلى هزيمة لأنهم يعملون بنفس طويل ونحن نمل سريعاً. لا إخواننا، لا نريد أن نمل هذه المرة. لا تدعوا انتصارات إخوانكم تضيع.
ليس المطلوب منك أن تجلس تتابع المقاطع وتتحسر وتتقطع من الداخل ثم لا عمل. كثير منا عنده هذه القسمة الثنائية: إما أن أتابع أخبار غزة وأرى تفاصيل المعاناة، أو أن أتوقف عن المتابعة. إذا تابعت فسأشعر بالغضب ثم العجز والقهر ثم أتحطم، وإذا توقفت فسأشعر بأنني خنتهم وخذلتهم وتركتهم لعدوهم.
لا، القسمة مش ثنائية بهذا الشكل. إذا قادر تنصرهم بنفسك اذهب وانصرهم. مش قادر وتحول دونك الحواجز، هناك خيار ثالث هو الخيار الصحيح: أن تعرف عمومات أخبارهم دون أن تستنزف كل وقتك وأعصابك في مجرد المتابعة كأنها بحد ذاتها هي المطلوبة منك، بل تحول ألمك وحبك لهم وغيظك من أعدائهم إلى عمل للحفاظ على الانتصارات التي ذكرناها.
إذا فترت همتك تذكر معاناتهم من جديد حتى تنقذ همتك وتحمس نفسك لتبذل كما يبذلون. ليس المطلوب أن نجلس نترقب نتائج المعركة العسكرية في غزة مجرد متفرجين. المحافظة على انتصارات غزة في الساحات الأخرى غير العسكرية هي دورنا نحن. وهذه الانتصارات مش مرتبطة بما سيحصل في الساحة العسكرية. مهما حصل لإخواننا نسأل الله أن ينجيهم وينصرهم ويهلك عدوهم. مهما كانت مجريات المعركة العسكرية، فمعاركنا الأخرى يجب أن تستمر، ويجب أن نبقى نبذل ما نستطيع لنحافظ على انتصاراتهم ونرسخها. إذا لم نفعل ذلك فقد خناهم بالفعل وخذلناهم بالفعل، وعلينا حينئذ أن نتوقع أنه يجي الدور علينا.
يجب أن تحدث فينا أحداث غزة تغييراً حقيقياً، مستقراً، مستمراً، متنامياً، وإلا فقد خناهم بالفعل. التأييد الكاسح الذي رأيناه في بداية الأحداث مبشر، لكن ما نراه من تغيير في حياتنا على الأرض ليس في مستوى التأييد الكاسح أبداً. الكل متألم لغزة، لكن كم واحد انتظم في صلاته؟ كم واحد ترك عمله المحرم؟ كم واحد توقف عن مساعدة الظالمين والخونة مقابل المال؟ كم واحدة تحجبت حجاباً صحيحاً؟ كم أباً وأماً اهتموا بتربية أبنائهم على معاني الإيمان والتضحية والجهاد بعد أحداث غزة؟ كم معلماً قرر ألا يخون الله ورسوله والمؤمنين بتدريس زبالات الجندر وما تعرضه المناهج من مواثيق الأمم المتحدة والقانون الدولي على أنها الشريعة التي يجب أن نتحاكم إليها؟ موجود، موجود هذا التغيير ولكن قليل، ليس بحجم الحدث أبداً، وليس بحجم كيد الأعداء أبداً.
كلنا نتعاطف ونفور، ولو فتح لنا باب الجهاد كثير منا ممكن يطلع، لكن التعويل الآن هو على طول النفس والعمل بلا فتور ولا نفور، وأيضاً دون إحباط واحتراق كما يريد أعداؤنا. هذا الاهتمام ليس منة منا ولا تفضلاً، هذا واجب شرعي.
لن أفصل اليوم فيما يمكن عمله وإن كنا تكلمنا عنه وسنتكلم إن شاء الله، لكن نقول باختصار شديد: الحرب جولات. إذا لم تستطع أن تشارك في هذه الجولة بنفسك ودمك، فأعد نفسك للجولات الأخرى بالأخذ بالأسباب الإيمانية والمادية كما أخذ بها إخوانك حتى تمكنوا من إطلاق طوفان الأقصى.
افعل ذلك كله وأنت تستحضر أنك تحافظ على انتصارات إخوانك التي بذلوا لها دماءهم، واعمل بانشراح صدر وهمة ويقين بنصر الله لعباده المؤمنين ولو بعد حين.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمكننا من نصرة إخواننا بأنفسنا ودمائنا وبكل ما أوتينا من قوة. والسلام عليكم ورحمة الله.