كلمة يحتاجها إخواننا المنكوبون لنقطع طريق الشيطان إلى قلوبهم
كلمة يحتاجها إخواننا المنكوبون لنقطع طريق الشيطان إلى قلوبهم
إخواني في المناطق المنكوبة بالزلزال، السلام عليكم ورحمة الله. كم فرحتُ عندما علمت أن كلماتنا تصلكم وتصبركم، فلئن لم ننل شرف تضميد جراح أجسادكم، فلا أقل من أن نسهم في تضميد جراح النفوس والتواصي بالصبر حتى نلقى الله تعالى.
أيها الأحبة، أعلم أن أصعب شيء على المبتلى هو أن يشعر أنه هان على الآخرين، إنه منسي، "ما حد بيسأل فيه". يخف ألمه عندما يتذكر أن الله معه، لكن كيف إذا أحس أنه هان على الله أيضاً وليس فقط على الناس؟
يمكن يخطر ببالكم أنه لو كان لنا عند الله مكانة ما ابتلانا بهذا البلاء الكبير، أو يقول أحدكم في نفسه: "ما أنا إلا واحد من آلاف ابتلوا"، فيحس حاله ضائعاً بين هذه الآلاف وما يحس بعلاقة خاصة بينه وبين الله عز وجل.
لا يا كرام، أحب أن أقول لكم: إنكم لم تهونوا على الله. معقول لم أهن على الله وقد قدر علي أن يهدم بيتي وأفقد بعضاً من أهلي الذين توفوا بطريقة أليمة؟ نعم، الابتلاء لا يعني الهوان على الله، بل إذا صاحبه الرضا فهو دلالة محبة من الله؛ لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمن رضيَ فله الرِّضى".
لا تقل: "لم أهن على الله وقد أصبحت فقيراً مغبراً مقطع الثياب بلا مأوى؟" نعم، إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. وما أجمل قلوبكم وكلماتكم وأعمالكم التي تقطر رضاً ويقيناً! فأنتم بذلك أشرف عند الله وأعظم قدراً من كثير من أصحاب الملايين والبلاد الآمنين. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "وإنَّ اللهَ يعطي الدنيا من يحبُّ ومن لا يحبُّ، ولا يعطي الإيمانَ إلا لمن أحبَّ".
لقد ظن المشركون أن الله ترك نبيه ﷺ حين احتبس عنه جبريل فترة، وقالوا: "قد ودع محمد"، فأنزل الله: {وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}؛ يعني ما تركك ربك وما أبغضك. فلا تظنوا أنكم هنتم على الله، ولا أنه سبحانه ترككم أو أبغضكم.
ومن توفي منكم في الهدم مؤمناً فهذا اصطفاء، قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}. "ويتخذ منكم" يعني يصطفي ويختار، وقد ذكرنا أن الموت في الهدم شهادة.
ما أحد فيكم ضائع، أنتم تحت سمع الله وبصره. فأنتم تعبدون رباً عظيماً لا يشغله مبتلى عن مبتلى، كل واحد فيكم له علاقته الكاملة الخاصة مع الله تعالى؛ فلك أن تتعامل مع الله وكأنك وحدك، لا يشاركك أحد من هذه الآلاف المتأثرة بالزلزال. قال تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.
يعني الله سميع لأقوالكم، بصير بأفعالكم، كسمعه وبصره بالنسبة لنفس واحدة، لا يفرق ذلك عند رب العالمين. لن تضيع وسط الزحام، لن تضيع وسط هذه الآلاف، كل واحد لحاله تظهر فيه آثار رحمة الله وعناية الله واستجابة الله وتثبيت الله له، وحفاوة الله بأقواله وأعماله الصالحة، كما لو كان في هذا الكون وحده لا يشاركه فيه إنس ولا جان.
لم يهن المؤمنون على الله حين حُرقوا أحياء ووصفهم الله عز وجل في سورة البروج، ولا هان الصحابة على الله الذين توفوا بطاعون عمواس، ولا هان السحرة بعد أن آمنوا حين نكَّل بهم فرعون، ولا هان السبعون من خيرة الصحابة حين قُتلوا غدراً في بئر معونة.
فإنَّ الله تعالى يسأل ملائكته وهو سبحانه أعلم: "قَبَضْتُمْ ولد عبدي؟" فيقول الملائكة: نعم. فيقول: "قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟" فيقولون: نعم. فيقول عز وجل: "ماذا قال عبدي؟" فيقولون: حمدك واسترجع.
لماذا يسألهم الله وهو أعلم؟ أحسب أن من حكمة الله سبحانه في ذلك إظهار هذه الحفاوة والعناية والتكريم الرباني؛ يباهي الله ملائكته ببعض عباده المؤمنين. وأحسب أن الله يباهي بالصابرين منكم ويحتفي بأقوالهم وأعمالهم وأعمال قلوبهم في الملأ الأعلى أعظم مما يحتفي بها أهل الدنيا من المؤمنين.
كيف تظنون أنكم هنتم على الله وأنتم الآن تعطون دروس الإيمان واليقين للناس عبر العالم؟ وستبقى مواقفكم محفوظة عبر الأجيال. كيف هنتم على الله ونحن نرى فيكم مصداق قول نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح؟ بكم أيها الصابرون يقيم الله الحجة على الناس أن عظمة الإيمان واليقين مستمرة لم تنقطع، وتضربون أمثلة تذكرنا بالصحابة رضي الله عنهم.
طيب، إذا واحد فينا كان مقصراً مع الله قبل الزلزال؟ إذا كنت مقصراً ثم قربك الزلزال إلى الله فأنت أيضاً من أهل الحفاوة والتكريم، ولم تهن على الله. في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني... وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". فالذي كان منكم مقصراً وقربه هذا المصاب إلى الله، فالله يقبله بل ويتقرب إليه أكثر. وبما أن الله أعطاك فرصة ثانية ولم يقبضك على المعصية، ثم أنزل عليك الصبر والرضا، فهذا معناه أنه سبحانه أراد بك خيراً.
لم تهونوا على الله، ولا نسيكم ولا أهملكم. وإذا فتر بعض الناس عن متابعة مصابكم والتعاطف معكم وإيصال المعونات إليكم، فأنتم لا زلتم تحت سمع الله وبصره، يرى مواقفكم وأعمال قلوبكم، {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ}.
لم تهونوا على الله، بل انظروا كيف يواسي الله من أصيب بمصيبة مثلكم فيقول سبحانه برحمة ورأفة مظهراً حكمته: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}.
إخواني، الجنة غالية، "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة". الجنة غالية؛ خلود بلا انقطاع، بلا حزن، بلا ألم، بلا جوع، بلا عطش، بلا برد، خلود في النعيم المقيم، ثمنها ليس سهلاً.
أسأل الله أن يعظم أجركم، ويجبر كسركم، ويجعلكم أئمة ويجعلكم الوارثين، وأن يعيننا على نصرتكم بكل ما نستطيع يا أهلنا وأحبابنا. والسلام عليكم ورحمة الله.