السلام عليكم ورحمة الله أحبة الكرام.
لا زلنا نجيب عن سؤال: لماذا تأخر النصر عن سوريا؟ في الحلقة الماضية قلنا أن النصر لم يتأخر بل هو يولد كل يوم. وذكرنا من حكم تأخر النصر أن الله عز وجل يريد أن يستخرج من عباده في الشام عبادة الصبر على البلاء، ويتخذ منهم شهداء، ويريد تعالى أن يضرب أمثلة معاصرة نتخذها قدوات، ويريد إن شاء الله أن يمكن لأهل الشام ويجعلهم في طليعة العزة والنصر للأمة. وهذه الجائزة تحتاج بلاء طويلاً.
نتابع اليوم فنقول:
أن الله عز وجل يريد أن يصفي قلوب عباده في الشام من التعلق بغيره. رفع إخواننا في الشام شعار: "ما لنا غيرك يا الله، ما لنا غيرك يا الله". هذا شعار عظيم إن صدق حاملوه فلهم من الله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}. لكن حتى يصدق حاملوه وتتجرد قلوبهم لله، فلا بد من تربية، تربية طويلة يخلو فيها القلب من التعلق بالأسباب الأرضية كلها. فاللجوء إلى الله بصدق مقام عزيز يأبى أن يزاحم أو يزاحم فيبقى خارج القلب إلى أن يطهر القلب من الأسباب الأرضية الخالية عن الله.
إخواننا في سوريا لجأوا إلى الله تعالى، لكن هذا اللجوء يحتاج إلى تنقية. فلو راجعنا مثلاً أسماء أيام الجمعة منذ بدء الثورات، فسنلاحظ أنها تطورت شيئاً فشيئاً بحيث بدأت مطالب إنسانية عامة، ثم حملت طابع طرق الأسباب الأرضية ومحاولة إرضاء الأقليات، ثم بدأ اليأس من البشر والتعلق برب البشر سبحانه. هذه هي التربية التي تتحقق بالبلاء الطويل.
تعالوا نستعرض أسماء بعض الجمعات بدءاً من 18-3-2011 وحتى الجمعة الماضية 6-7-2012 بشكل مختصر يوصل الفكرة.
مثلاً بدأت بجمعة: "الكرامة"، "العزة"، "الشهداء"، "الجمعة العظيمة" في إشارة إلى عيد القيامة لدى النصارى بعد يومين من هذا التاريخ، "الغضب"، "حماة الديار" في محاولة لاستمالة الجيش للوقوف مع الثورة، "جمعة صالح العلي" وهو اسم ثوري علوي ثار ضد الفرنسيين، ثم "سقوط الشرعية" أي الشرعية الدولية، "أحفاد خالد"، ثم "صمتكم يقتلنا"، ثم "الله معنا"، "لن نركع إلا لله"، "الصبر والثبات"، ثم "الحماية الدولية"، "وحدة المعارضة"، "النصر لشامنا ويمننا"، "المجلس الوطني يمثلني"، "أحرار الجيش"، "الحظر الجوي"، ثم "الله أكبر"، "الجامعة العربية تقتلنا"، "إن تنصر الله ينصركم"، "ذكرى وفاء للانتفاضة الكردية 2004". وفي هذه الجمعة هتف في بعض المناطق بـ "الشعب يريد خلافة" من جديد، "التدخل العسكري الفوري"، ثم "خذلنا المسلمون والعرب". إذن لاحظوا كيف يئسوا من البشر. ثم "من جهز غازياً فقد غزى"، "ثورة لكل السوريين"، "أتى أمر الله فلا تستعجلوه"، "إخلاصنا خلاصنا"، "نصر من الله وفتح قريب"، "إذا كان الحكام متقاعسين فأين الشعوب؟ والله المستعان"، "واثقون بنصر الله"، وأخيراً "حرب التحرير الشعبية".
إذن إخواني ما الدروس التي سنخرج بها من تطور الشعارات بهذا الشكل؟
بداية أود أن أوضح أن الحديث هنا ليس عن مشروعية المطالبة بالتدخل الدولي أو الحظر الجوي. كذلك نحن نعي أن خلو الشعار في جمعة من اسم الله عز وجل أو من عبارات قرآنية لا يعني بالضرورة تراجع إيمان رافعي هذا الشعار. إنما الحديث عن دلالة الشعارات على الحالة النفسية التي يعيشها إخواننا لنتلمس من خلالها التربية الربانية لعباد الله عز وجل، وكيف يتراوح الإنسان في البلاء الطويل بين حالات متباينة، ولنتلمس الطريقة إلى تسريع الفرج.
إذن ماذا نلاحظ مما استعرضناه؟
يا أهلنا في الشام نقولها لكم على استحياء منكم لأننا مثلكم مقهورون فلم نستطع نصرتكم تماماً نصرة. نقولها لكم وأنتم من تعلموننا هذه المعاني، ولكن من باب {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}، من باب النصرة بالنصيحة، نقول لكم بعد اتخاذ الأسباب المادية الشرعية من جهاد ودعم للمجاهدين: ايأسوا من الأسباب الأرضية جميعها حتى يخلو القلب للتعلق بالله فتستحقوا {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.
إنها اللحظة التي تلقنون فيها التربية الربانية، وتيأسون من الأسباب الأرضية كلها، وتشرقون بمرارة ضعف قوتكم وقلة حيلتكم وهوانكم على الناس. إنها لحظة اليأس والقنوط والقحط والإمحال من كل شيء، لحظة خلو القلب من كل شيء، لحظة انهيار الأمل في كل شيء، كل شيء. هي اللحظة المناسبة لشعور اللجوء إلى الله بصدق أن ينقذف في القلب، وما أقرب الفرج حينئذ!
يا ساداتنا في الشام تذكروا لحظات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. صحيح أن حياة الأنبياء كلها تعلق بالله، لكن الله تعالى ربى أنبياءه فعرضهم للشدائد ليتمحص هذا التعلق بالله ويصفو ويتجرد ويبلغ الذروة ويشتد، وفي المقابل ليزيد اليأس من المخلوقين فيأتي عند ذلك الفرج. قال الله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}. فلنأخذ العبرة من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
إنها لحظة اليأس من المخلوقين فلا يبقى إلا الرجاء في الخالق فيأتي الفرج سريعاً: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين}.
إنها لحظة اليقين الخالص بصدق الله، والثقة المطلقة بقدرته على تنجيتنا مهما أمحلت الأسباب، وبأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.
يا أسيادنا في الشام نرى أن الله تعالى يعدكم لمهمة عظيمة بإذن الله، مهمة قيادة الأمة. ومن له هذا الشرف لا بد أن يتجرد قلبه لله. فاختصروا على أنفسكم الوقت، فطالما بقي في القلب تعلق بغير الله سيستمر البلاء لتتنقى القلوب. أما إن عشتم اللحظة المذكورة من التجرد الكامل لله عز وجل فما أسرع النصر حينئذ!
نصر الله قريب، نصر الله قريب، لكن نحن الذين نقترب منه بتجريد قلوبنا لله أو نبتعد عنه بالتعلق بغيره. فاحذروا من دعوة الجاهلين، احذروا يا أحبابنا من دعوة الجاهلين الذين يطالبون برجوع الشعارات إلى القيم الوطنية والإنسانية العامة، وينادون بأن تخلو الشعارات من الطابع الإسلامي، أي يريدون أن تخلو الشعارات من التعلق بالله. فإنكم إن أطعتم هؤلاء عدتم إلى المربع الأول وتهتم في دهاليز الأسباب الأرضية الخالية عن الله من جديد، وسيطول البلاء أكثر فأكثر إلى أن تلقنوا الدرس الرباني.
فاثبتوا يا ساداتنا على "ما لنا غيرك يا الله"، واثبتوا على "إخلاصنا خلاصنا"، واثبتوا على {إن ينصركم الله فلا غالب لكم}، واثبتوا على {إن تنصروا الله ينصركم}، واثبتوا على "الله أكبر"، واثبتوا على "لن نركع إلا لله"، واثبتوا على "نصر من الله وفتح قريب". وحينئذ إن قلتموها واثقين بها مجردين قلوبكم لها فالنصر من الله قريب والفتح والله قريب.
فهذه حكمة من حكم الله عز وجل في تطويل البلاء على أهلنا في الشام حتى تتجرد قلوبهم لله وتخلو من التعلق بمن دونه. ولو أتى الفرج قبل ذلك لخرجوا من المحنة والقلب لم يتجرد لله، ولفاتهم الوصول إلى هذا المقام العظيم.
هل بقيت حكم نتكلم عنها؟ نعم في الحلقات القادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله.