مقدمة: مآسي أطفال المسلمين وقضية الطفل ريان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها الكرام. في هذا البث المباشر أود الإجابة عن عدة أسئلة ثارت مؤخراً، مثل: ما ذنب ريان وأطفال المسلمين حتى يحصل لهم ما حصل؟ وسنركز في هذا الموضوع على مسألة استجابة الدعاء بشكل عام.
كما سنجيب أيضاً عن سؤال: هل بدأ الحديث عن موضوع ريان -رحمه الله- ينحو باتجاه إشغال الرأي العام؟ وماذا عن أطفال المسلمين الآخرين مثل فواز القطيفان وغيره؟ كيف نحقق الموازنة بين الاهتمام وبين الوقوع ضحية لمن يتاجرون بمآسي المسلمين؟ وما المعيار الذي يجعلني أتكلم أو لا أتكلم عن مآسي المسلمين عبر العالم؟ وهل نهيئ أطفالنا نفسياً للإصابة بالبلاء أم أن ذلك يخيفهم؟ تعالوا نتكلم عن هذه العناصر واحداً واحداً.
في البداية يا كرام، بالنسبة لموضوع الطفل المغربي ريان -رحمه الله وأحسن إليه وصبر والديه- تتذكرون أنني كنت قد أصدرت كلمة بعنوان "هل تم تضخيم موضوع الطفل المغربي ريان؟" وقلت فيها: لا، لم يتم تضخيمه؛ لأن المسلم صغيراً وكبيراً له حرمته وله أهميته، وبالتالي هذا موضوع مهم. لكن أحياناً الإعلام ينحو منحىً آخر ويبدأ يتكلم في تفاصيل ليس منها فائدة.
نحن مع استذكار أن ريان وحّد قلوب المسلمين وأظهر نَفَس الأمة الواحدة ودعاء الجميع له، هذا كله جميل. لكن عندما يبدأ الناس يتحدثون ويتساءلون: هل صحيح ما ورد من أنه في تلك المنطقة هناك شياطين وقرابين؟ هنا بدأنا ندخل في تفاصيل ليس منها فائدة، وهي مجرد إشغال للرأي العام دون طائل، ولا يمكن التحقق منها أصلاً؛ فالإعلام أحياناً يريد فقط حصد المشاهدات بإثارة مثل هذه المواضيع.
معايير الحديث عن مآسي المسلمين وتجنب المتاجرة بها
هناك طبعاً قصص ومآسي أخرى كثيرة في أنحاء العالم الإسلامي، وكثيرون يطالبوننا بالحديث عن أطفال سوريا واليمن. نحن نتحدث عنهم ولا نفرق بين دماء هؤلاء وأولئك، فالمسلمون تتكافأ دماؤهم كما قال نبينا ﷺ. ريان المغربي ليس أهم من فواز القطيفان السوري، وليس أهم من الطفل البورمي أو اليمني أو الهندي المسلم؛ كلهم مهمون وعزيزون على قلوبنا.
لكن مع وجود الإنترنت، أصبحنا نستطيع بكبسة زر أن نطلع على أخبار العالم كله. فهل مطلوب من المسلم حقيقة أن يشغل نفسه بكل مشاكل المسلمين في العالم؟ هل سيؤدي ذلك إلى تكوين دافعية وروح إيجابية أم سيكون له أثر عكسي؟
لذلك، عندما أتكلم عن مشاكل المسلمين، أضع معايير معينة: ما الفائدة التي أريد تحقيقها؟ يجب أن نخلص النية لله أولاً، ثم نسأل: هل الحديث عن هذا الخبر يخدم توعية المسلمين حول كيد أعدائهم؟ هل يحمي هويتهم من الذوبان؟ هل يوضح مبدأً عقدياً؟ هل يرفع الهمم ويبث الروح المعنوية كما فعلنا في موضوع ريان؟
أما ذكر الأخبار المؤلمة لمجرد حصد "الإعجابات"، فهذا يجعل الإنسان أداة في يد من يستغلون مآسي المسلمين. فمثلاً، قضية الطفل فواز القطيفان -فرج الله عنه وعن كل المخطوفين- ليست جهداً فردياً، بل هو عمل منظم ممنهج لإرهاب أهل السنة وإخراجهم من سوريا. وهناك "تجار مآسي" يطلقون حملات تبرع وهمية؛ ولذلك طلبت من القائمين على صفحتي حذف أي تعليق فيه كلمة "تبرع" منعاً للاستغلال، وقد خرج والد فواز وأكد أن العشيرة ستتكفل بالمبلغ وحذر من الجمع باسم ابنه.
لماذا لم يستجب الله دعاء الملايين لريان؟
نأتي الآن للموضوع الأهم: لماذا لم يستجب الله دعاءنا في ريان؟ ألم تدعُ الأمة؟ مئات الآلاف بل الملايين دعوا بخروجه سالماً، ومع ذلك مات. وقبل أن أجيب، تذكروا أن ابنتي الكبرى "سارة" -رحمها الله- عانت سنتين معاناة شديدة، ودعا لها مئات الآلاف ولم تُشفَ؛ فلا يقل أحد إنني لم أجرب مرارة الابتلاء، لقد جربنا وسلمنا لله رب العالمين.
السؤال هو: أين استجابة الله للدعاء؟ معقول كل هؤلاء الملايين ليس فيهم مستجاب الدعوة؟
دعوني أسألكم: أبناء النبي ﷺ كلهم ماتوا في حياته إلا فاطمة. ألم يكن المجتمع النبوي يدعو لهم بالشفاء؟ وفيهم أبو بكر وعمر وخديجة، الذين يزن إيمان أحدهم إيمان الأمة! توفي القاسم، وعبد الله، وزينب، وأم كلثوم، ورقية، وإبراهيم. إبراهيم توفي في عمر سنة وستة أشهر، وهو أجمل سن للأطفال، وبكى عليه النبي ﷺ. هل شك الصحابة وقالوا لماذا لم يستجب الله دعاءنا؟ لا طبعاً؛ لأنهم كانوا يفهمون سنن الله، وأن الدعاء عبادة، والله تعالى يختار الأصلح: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}.
صور استجابة الدعاء الثلاث
الصحابة كانوا يفهمون قول النبي ﷺ: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها".
إذن الاستجابة ليست دائماً كما تريد أنت، بل كما يريد الله. أنت عبد لله، فوضت أمرك إليه، ومن فوض أمره لله لم يتعقب تدبيره. إذا اعترضت لأن الله لم ينجِ ريان، فكأنك تعبد الله "على حرف" وبشرط مسبق، وهذه ليست عبادة حقيقية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ}.
أسألكم سؤالاً وخلينا نفكر بمنطق وعقلانية: عندما كان المسلمون يخرجون إلى الغزوات مع النبي ﷺ، ألم يكن أبناؤهم ونساؤهم وآباؤهم وأمهاتهم يدعون لهم أن يعودوا سالمين غانمين؟ بلى، ومع ذلك كان يُقتل منهم من يُقتل. هل كان هؤلاء الصلحاء يأتون إلى النبي متشككين قائلين: أين استجابة دعائنا؟ لا طبعاً، مع أنهم كانوا يسألون النبي ﷺ في أمور كثيرة، لكن هذه المسألة كانت واضحة ومحسومة عندهم.
الصحابة لما خرجوا يريدون العمرة فمنعهم المشركون، ولا شك أنهم كانوا قد دعوا الله أن يوصلهم البيت الحرام، لم يعترضوا على النبي قائلين: أين ذهب دعاؤنا؟ وإنما تحرج بعضهم من صلح الحديبية، ثم ظهر لهم أن الله جعل في عدم وصولهم الكعبة وفي الصلح فتحاً عظيماً.
العبد الضعيف عندما عملت سلسلة وكتاب "حسن الظن بالله"، كانت إحدى الحلقات بعنوان "الحمد لله أنه لم يستجب لي"، بحيث أقول: الحمد لله الذي اختار لي أفضل مما اخترته لنفسي. هذه سنن الله يا جماعة؛ كما أن الله وعد باستجابة الدعاء، فقد وعد بالابتلاء. لو كانت المسألة بهذه السطحية، لكان كل مسلم يدعو بألا يُبتلى، ونأتي كلنا كمسلمين ندعو الله قائلين: "اللهم لا تُصب مسلماً بمرض ولا بلاء ولا موت ولا شقاء، واقضِ على جميع الأعداء"، ونقول أكيد سيستجيب الله لنا، وبذلك نعيش مخلدين في هذه الدنيا! هل يقول عاقل بذلك؟ لا.
هناك سنن؛ فكما وعد الله باستجابة الدعاء بالطريقة التي يريد عز وجل، وعد بالابتلاء. لذلك إياك أن تقول: "دعونا لريان على الفاضي"، لا، ليس "على الفاضي"؛ أنت تكسب الحسنات ويُدفع عنك من الشرور بقدر ما دعوت، والله اختار له الوفاة وهو سبحانه أعلم بأن هذا هو الأصلح، ويكفيه أن يدخل الجنة إن شاء الله.
أطفال المسلمين في الجنة
هذه نقطة يجب أن تحكوها لأبنائكم حتى تحببوا الله عز وجل إليهم: أجمع العلماء -وهذا شيء معروف من الدين- أن أطفال المسلمين في الجنة. وبالتالي ريان يُرجى له الجنة، ويُرجى لوالديه بدعائنا أن يصبرهم الله ويدخلهم الجنة، ويُرجى له بدعائنا رفعة الدرجات في الجنة.
هذه المصيبة تهون لما تكون الجنة حاضرة في حسنا؛ الجنة التي غمسة واحدة فيها تُنسي الإنسان كل آلام الدنيا. في الحديث العظيم الجميل الصحيح الذي رواه النسائي، قال الصحابي: كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه. (صورة عاطفية لصحابي يجلس حول النبي ﷺ ومعه ابنه يلاعبه).
قال الراوي: فهلك الولد، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه. صار يتجنب المواضع التي تذكره بهذه اللحظات الجميلة، ومنها حلقة النبي ﷺ. ففقده النبي ﷺ -وكان يتفقد أصحابه- فقال: "ما لي لا أرى فلاناً؟" قالوا: يا رسول الله، بنيه الذي رأيته هلك. فلقيه النبي فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه ثم قال: "يا فلان، أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك، أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟" قال: يا نبي الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي، لهو أحب إلي.
تصوروا هذا الأب الحنون، الذي لا شك أنه كان يتمنى الحياة لابنه ودعا له بالشفاء، خُيّر بين بقاء ابنه معه وبين الجنة، فاختار الجنة. فقال له النبي ﷺ: "فذاك لك".
ما ذنب الأطفال في المعاناة؟
ستجد من يقول: "لكن ما ذنب ريان وما ذنب أطفال المسلمين حتى يعانوا؟". ركز معي؛ كلمة "ما ذنب" تقال عندما يكون البلاء عقوبة، لكن من قال إنه عقوبة أصلاً؟ هذا بلاء يصيب الصغير والكبير لحكم كثيرة يعلمها الله ويطلعنا على بعض منها. فهذا البلاء لطفل صغير ليس عقوبة حتى نقول "ما ذنبه".
حقك أن تستغرب أيها المتسائل لو كان الإسلام يقول لك: "إذا أسلمت فستكون الدنيا دار حياة كاملة ليس فيها حزن"، لكن الله وعدنا عكس ذلك تماماً، قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}. وقال نبينا ﷺ: "وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم".
الدنيا يا جماعة دار بلاء حقيقةً، ومهما حاولت أن تتهرب منها لن تتغير. المسلم الحق يتساءل عما ينبغي عليه فعله، ولا يحاكم أقدار الله تعالى ولا يقترح على الله عز وجل.
تربية الأبناء على الرضا بالقدر
بما أننا نعاني كثيراً لأننا لربما لم نُربَّ على هذا المفهوم بما فيه الكفاية، فعلينا أن نربي عليه أبناءنا؛ نوطن نفوسهم ونعودهم أنك ستُبتلى. قد يقول قائل: "معقول هذا الابن ذو السنوات السبع أقول له ستُبتلى؟". نعم، تقول له عليك أن تصبر، لكن في الوقت ذاته تعطيه البشارة، وتقول له: "يا بني، هذه الدنيا دار بلاء، لكن الله الرحيم الكريم لا يبتليك أكثر من طاقتك، ويأجرك ويكون معك إذا استعنت به".
هذا الكلام إن كنا نحن قد تشربناه واقتنعنا به، ستنتقل القناعة من عيوننا ولهجة ألسنتنا إلى قلوب أبنائنا بإذن الله. أخبركم عن شيء حصل معي؛ ابنتي -رحمها الله- لما أجرت عملية وكانت تذهب للعلاج الطبيعي، كنا نلتقي بطفل اسمه "عبد الرحمن"، مصاب بسرطان غريب يصيب الشبكية والعظام. أُزيلت عينه بالكامل ووُضعت له عين صناعية، وأصيبت عينه الثانية بضعف شديد، ثم أصيبت ركبته.
كنت أكلم والده في الانتظار، فقال لي: "يا دكتور إياد، عبد الرحمن يقول لي: يا أبتِ، إذا كنت سآخذ أجراً على هذا الذي يصيبني سأصبر، وإذا لم أكن سآخذ أجراً فلن أصبر، فهل عندك جواب له؟". الولد عمره 9 سنوات! قلت له: "تعال يا عبد الرحمن أحكي لك ماذا لك من الأجر"، وصرت أحدثه عن رضا الله ومعيته والجنة، والولد مبسوط.
هذه المعاني العظيمة تؤثر في أبنائنا؛ لذا وطنوا أبناءكم أن الكل يمكن أن يُبتلى، لكن الله معك وسيخفف عنك ويقلب البلاء إلى نعمة.
خاتمة
ختاماً يا كرام، أحسنوا الظن بربكم، ولا تقترحوا على ربكم عز وجل، فهو أعلم وأحكم وأرحم وأحلم سبحانه وتعالى. وحتى نعمق هذه المعاني، سأضع لكم في الوصف رابطاً لمحاضرة عملتها بعد وفاة ابنتي -رحمها الله- عنوانها: "كيف نوطن أنفس أبنائنا على الرضا عند البلاء".
وسأعيد نشر حلقة بعنوان: "لكن ألم ندعُ لسارة بالشفاء؟"؛ فقد دعا لها مئات الآلاف وتوفيت، وكنت حريصاً على الرد على هذا السؤال حتى لا أترك للشيطان منفذاً إلى قلوب المسلمين، ولأبين كم من الحكم والرحمة رأيناها في قدر الله. ومحدثكم بصراحة، أتذكر ميتتها المباركة وأتمنى لنفسي مثل ميتتها لما رأيت فيها من بركات.
أحسنوا الظن بربكم، فهو سبحانه أحكم وأرحم وأعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.