يا أخي لا أريد منك أن تنصحني، ولا أريد أن أعرف غلطي، ولا شأن لك بي إن كان الأمر حلالاً أم حراماً!
كلمات صادمة قد نحكم فوراً بأن قائلها متكبر على الحق أو متبع لهواه، لكن هل سألنا أنفسنا إن كنا نحن "الفتنة" التي دفعت به إلى هذا الانفجار؟
هل تعرفون ما سبب هذا الانفجار الذي قد نواجهه أحياناً؟ السبب كثيراً ما يكون "البخل بالثناء".
أنت تتوقع من ابنك مستوى معيناً من الأخلاق والجد والاجتهاد والالتزام الديني، وتتوقع من زوجتك مستوى معيناً من الاهتمام بك وبراحتك وتربية الأبناء وتدبير شؤون البيت، وتتوقعين أنتِ من زوجك مستوى معيناً من العاطفة والاهتمام، وكذلك من زميلك أو موظفك.
قد يكون الطرف الآخر قد بذل جهداً حقيقياً وتحسناً ملموساً، وكان يتوقع منك ثناءً على هذا التحسن ليرتفع في عينك، لكنك لم تشبع هذه الحاجة للمدح ولم تقدر هذا التحسن؛ فالعين لا تقع إلا على النصف الفارغ من الكوب. حين يراك لا تقدر جهده، وبدلاً من أن تشجعه وتعززه تلومه وتشعره بنقصه، سيصاب بخيبة أمل شديدة تعبر عن نفسها بتلك العبارات: "أنا حر"، "لا أريد أحداً أن ينصحني"، "خلي نصيحتك لك".
تتعقد الأمور عندما تفسر سلوكه بأنه يتكبر على الحق، أو لا يريد معرفة خطئه، أو يرفض قال الله وقال رسوله، بينما هو في الحقيقة يزداد قناعة بأننا لا نرى فيه إلا السوء، فيزداد الشرخ بينك وبينه. وهنا نقع في المحذور الذي حذر منه النبي ﷺ حين قال: "أفتانٌ أنت يا معاذ؟ أفتانٌ أنت يا معاذ؟".
فالبخل بالمدح قد يكون فتنة تصد الناس عن الاستماع للحق. وبالطبع، رفض النصيحة ليس عذراً للمخطئ أمام الله، فلا يخدعن أحد نفسه بأن الناس دفعوه لهذا، فكلهم آتيه يوم القيامة فرداً.
تأملوا في المنهج النبوي الراقي؛ في صحيح البخاري، عندما قصت حفصة رضي الله عنها رؤيا أخيها عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعاً على النبي ﷺ، قال عليه الصلاة والسلام: "نِعْمَ الرجلُ عبد الله، لو كان يصلي من الليل".
لاحظوا، النبي ﷺ رأى أن عبد الله بن عمر يناسبه مستوى عالٍ من العبادة، لكنه لم يقل له: "يا عبد الله أنت مقصر في قيام الليل"، بل بدأ بالثناء: "نِعْمَ الرجلُ عبد الله". فانفتح قلب هذا الشاب، ثم لم يعتبر النبي عدم القيام نقصاً يُذم عليه، بل جعله كمالاً يتمناه له ليزداد رفعة. وكما قال ابن حجر في "فتح الباري": قوله "لو كان" للتمني لا للشرط.
ماذا كانت النتيجة؟ قال عبد الله بن عمر عن نفسه: "فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً". لقد حلق في سماء القيام بكلمة تشجيع واحدة.
لم يكن النبي ﷺ يبخل بالثناء حتى على من وقع في كبيرة، ليبقي لهم خط رجعة ويشعرهم بأنهم كبار في عينه. انظروا إلى "نُعيمان" الذي كان يُجلد في الخمر، فقال ﷺ: "لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إلا أنه يحب الله ورسوله".
انظر إلى هذا التعزيز والثناء والحافز الذي وضعه النبي ﷺ في قلب النعيمان، لتبقى له كرامة أمام نفسه وأمام المجتمع، والنبي يقول هذا الكلام أثناء معاقبته على شرب الخمر!
وحين أرسل حاطب بن أبي بلتعة رسالة لقريش يخبرهم بمسير النبي ﷺ لفتح مكة -وهو ما يعرف عسكرياً بالخيانة العظمى- قال ﷺ: "إنه قد شهد بدراً". ذكر النبي ﷺ الفضل القديم لحاطب، موقف حدث قبل ست سنوات! أراد أن يوصل له رسالة: "يا حاطب أنت إنسان كريم، لك موقف عظيم ومرتبتك عالية، فحافظ عليها".
كل الناس لديهم حاجة للتعزيز وتقدير الجهود، لا تتوقع أن يطلبوا منك هذا الثناء، لكنهم سيحزنون أو يغضبون إذا لم يجدوه. أحياناً قد نخشى أننا إذا أثنينا على تحسن جزئي فكأننا نقرهم على بقية الأخطاء، وهذا غير صحيح؛ بل هذا الثناء هو الوقود الذي يعينهم على إكمال المسير.
فيا كرام، لا تكونوا بخلاء في ثنائكم، فالله تعالى يقول: وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا
ابحث اليوم عن فعل جميل لأحد ممن تعاملهم، عن تحسن أنجزه، وأثنِ عليه بصدق، وشاهد كيف ستفتح لك مغاليق القلوب بإذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله.