لماذا لا يسمع منك أحد؟
"يا أخي لا بدي تنصحني، ولا بدي أعرف غلطي، ولا إيش الصح وإيش الغلط، حرام حلال ما إلك فيه!".. كلمات صادمة قد نحكم فوراً بأن قائلها متكبر على الحق أو متبع لهواه، لكن هل سألنا أنفسنا إن كنا نحن الفتنة التي دفعت به إلى هذا الانفجار؟
طيب يا إخواننا، ما سبب هذا الانفجار الذي ممكن أن نواجهه أحياناً؟ السبب كثيراً ما يكون "البخل بالثناء".
مشكلة البخل بالثناء
أنت تتوقع من ابنك مستوى معيناً من الأخلاق والجد والاجتهاد والالتزام الديني، وتتوقعين من زوجك مستوى معيناً من العاطفة والتعبيرات اللطيفة والاهتمام، وتتوقع من زوجتك مستوى معيناً من الاهتمام بك وبراحتك وتربية الأبناء وتدبير شؤون البيت.. توقعات متنوعة ممن حولك من زميلك في الجامعة، في العمل، موظفك، مديرك.
ممكن الطرف الآخر بذل جهداً حقيقياً وتحسن تحسناً حقيقياً، وكان يتوقع منك ثناءً على هذا التحسن وأنه ارتفع في عينك، لكن أنت ما أشبعت هذه الحاجة للمدح وما قدرت هذا التحسن؛ عينك فقط على النصف الفارغ من الكوب. فلما يراك لم تقدر جهده، تتعقد الأمور عندما تفسر سلوكه بأنه يتكبر على الحق، ولا يريد أن يعرف غلطه، ولا يريد أن يسمع النصيحة، ولا يريد أن يسمع "قال الله وقال رسوله"، وأنه فقط يتبع هواه.
هنا يزداد قناعة بأننا لا نرى فيه إلا السوء، ويزداد الشرخ بينك وبينه، ونقع في المحذور الذي حذر منه النبي ﷺ حين قال: «أفتانٌ أنت يا معاذ؟ أفتانٌ أنت يا معاذ؟». فالبخل بالمدح قد يكون فتنة تصد الناس عن الاستماع للحق.
طبعاً الذي يرفض النصيحة ليس له عذر أمام الله بأننا ما عززناه، فلا تضحك على نفسك بأن الناس دفعوني لهذا بأسلوبهم، فكلهم آتيه يوم القيامة فرداً.
المنهج النبوي في التعزيز
تأملوا في المنهج النبوي الراقي؛ في البخاري عندما قصت حفصة رضي الله عنها رؤيا أخيها عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعاً على النبي ﷺ، قال عليه الصلاة والسلام: «نِعْمَ الرجلُ عبدُ الله لو كان يصلي من الليل».
لم يعتبر النبي ﷺ عدم القيام نقصاً يُذم عبد الله عليه، بل جعله كمالاً يتمناه له ليزداد رفعة؛ يعني أنت رائع يا عبد الله وتكتمل روعتك بهذه الخصلة. كما قال ابن حجر في فتح الباري: "قوله (لو كان)؛ (لو) للتمني لا للشرط"، يعني هو نعم الرجل ولكن نريد أن يضاف له قيام الليل.
ماذا كانت النتيجة؟ قال عبد الله بن عمر عن نفسه: "فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً". يصف نفسه بأنه بعد هذه الكلمة من رسول الله ﷺ ما عاد نام الليل إلا قليلاً، اجتهاداً وتحليقاً في سماء القيام.
الثناء حتى في الأزمات
بل لم يكن ﷺ يبخل بالثناء حتى على من وقع في كبيرة، ليبقي لهم "خط رجعة"، ليشعرهم بأنهم كبار في عينه فيحرصون على أن يبقوا كباراً. انظروا إلى "النعيمان" الذي يُجلد في الخمر، فيقول ﷺ: «لا تلعنوه، فإنه يحب الله ورسوله». انظر إلى التعزيز، انظر إلى الثناء، انظر إلى الحافز الذي وضعه النبي ﷺ في قلب النعيمان لتبقى له كرامة أمام نفسه وأمام المجتمع.
وانظروا إلى حاطب بن أبي بلتعة، في موقف يُعرف في المصطلح العسكري بـ "الخيانة العظمى"، ومع ذلك قال عليه السلام: «إنه قد شهد بدراً». ذكر النبي ﷺ الفضل القديم لحاطب؛ موقف مرّ عليه ست سنوات ما بين غزوة بدر وفتح مكة، عززه وأوصل له رسالة: "أنك يا حاطب إنسان كريم، لك موقف عظيم، مرتبتك عالية فحافظ عليها".
الخاتمة: وقود المسير
كل الناس لديهم حاجة للتعزيز، لديهم حاجة لتقدير جهودهم والثناء على إنجازاتهم. لا تتوقع أن يشحذوا منك هذا الثناء، لكنهم سيحزنون أو يغضبون إذا لم يجدوه منك.
أحياناً قد نخاف أننا إذا أثنينا على التحسن الجزئي لدى شخص ما فكأننا نقره على الأخطاء أو على النقص المتبقي، وهذا غير صحيح؛ بل هذا الثناء هو "الوقود" الذي يعينهم لإكمال المسير.
فيا كرام، لا تكونوا بخلاء في ثنائكم، فالله تعالى يقول:
وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا
ابحث اليوم عن فعل جميل لأحد ممن تعاملهم، عن تحسن أنجزه، وأثنِ عليه بصدق، وشاهد كيف ستفتح لك مغاليق القلوب بإذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله.