لماذا نحتاج نحن إلى المقاطعة؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لماذا نتحدث عن المقاطعة مجددًا؟ الحقيقة أن هناك أكثر من سبب يستدعي ذلك:
- أولًا: طالت المدة فأصبح البعض يتراخى عن المقاطعة. ففي الأردن مثلًا، هناك مغتربون يعودون في الصيف حاملين معهم ثقافة الاستهانة بالمقاطعة من بعض الدول التي كانوا فيها، مما يؤثر على عزيمة أهل الأردن.
- ثانيًا: حدثني بعض الإخوة من طلاب العلم في بلاد الحرمين مثلًا، أن بعض زملائهم في الكليات الشرعية لا يقاطعون، بل ويقولون إن هذه المقاطعة غير مفيدة ولا معنى لها.
لذا، نحتاج أن نجدد الهمة، ونرد على المعترضين، ونبين أننا نحن من يحتاج المقاطعة أكثر من أي أحد آخر؛ فأثرها علينا قد يكون أكبر من أثرها الاقتصادي على أعدائنا. سنركز اليوم على مبدأ المقاطعة، وسنرجئ الحديث عن الضوابط التي تجعلها أكثر معقولية واستمرارية لكلمة أخرى بإذن الله.
المال: العمود الفقري للأمم
بدايةً يا كرام، المال هو العمود الفقري للأمم، قال الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}. فلو توفي رجل وترك خلفه مليون دينار مثلًا، فلا يجوز أن يُعطى هذا المال لابنه الصغير الذي لا يحسن التصرف؛ لأن الله جعل المال "قيامًا" لنا، أي عمودًا فقريًا للمجتمعات.
إن كثيرًا من تسلط النظام الدولي المجرم على المسلمين، والتلاعب الصهيوني بوعي الشعوب ومواقف الدول، يتم من خلال المال. فإذا كان لا يجوز إهدار المال بإعطائه لطفل مسلم لا يحسن التصرف، فكيف بمن يعطيه لمن يساعد عدوك على قتل إخوانك وتعذيبهم وتشريدهم؟
ما وراء الأثر الاقتصادي: الفوائد النفسية والاجتماعية
هل المقاطعة مفيدة بالفعل؟ وهل مطلوب منا مقاطعة كل شيء؟ لا أرى صحة الإطلاقات العامة في هذا الباب، بل ينبغي التفصيل الدقيق. لكني أرى مبدأ المقاطعة حسنًا ونافعًا في الجملة.
الأهم عندي ليس الجدل حول التأثير الاقتصادي المباشر (الذي لا يخلو من مبالغات أو تهوينات ساذجة)، بل التأثير النفسي والاجتماعي على المسلمين أنفسهم، ودور ذلك في ترسيخ:
- الحمية للإسلام وأهله.
- الغضب لله ورسوله وللمسلمين.
- موالاة المؤمنين والبراءة من أعدائهم.
هذه المعاني العظيمة ما عادت تُدرّس في مدرسة ولا جامعة، ولا يُسمح بالحديث عنها في كثير من المنابر، والمقاطعة تربي فينا هذه المرتكزات الكبرى.
فوائد المقاطعة الست للمسلم
يوضح الدكتور كريم تفاصيل استفادتنا نحن من المقاطعة في نقاط ست:
- التبني العملي: المقاطعة سلوك يخرجك من "منطقة الراحة" إلى تحمل المسؤوليات والمشاركة، وهذا يعمق مشاعر الولاء والبراء؛ فنقش الفعل على حجر النفس أعمق من نقش المشاهدة والسماع.
- نسج الاستمرارية: المشاعر تخبو مع الوقت، واستدعاء موضوع المقاطعة عند شراء حاجياتك يُبقي قضيتهم (التي هي قضيتك) حية في كيانك.
- تقويم النفس: توظيف المشاعر في تهذيب النفس و"الاخشوشان" والتخلص من الإدمانات السلوكية. إن من أسباب ذلنا التعلق بالماديات والحياة الاستهلاكية، فالتضحية ببعض السلع هي تحرر من العبودية للمادة.
- الانعتاق النفس-اقتصادي: التحرر من التعلق بالعلامات التجارية العالمية (الفرنشايز)، مما يشجع الصناعة المحلية أو الشراء من بلاد غير معادية. كما يجعل المستثمرين يحسبون ألف حساب للمواقف التاريخية للشركات تجاه قضايا الأمة.
- الرمزية السهلة: عندما يجتمع الأصدقاء ويختارون بدائل للمقاطعة، فإنهم يمارسون معاني العزة والأنفة والولاء والبراء بسلوك بسيط يربي النفس والأبناء.
- إشعار إخوانك في غزة بأنك معهم: تصور لو أن أخاك في غزة يراك تستمتع بسلعة لشركة تتباهى بدعم الصهاينة الذين يسحقونه! أين هذا من حديث النبي ﷺ: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد"؟
المقاطعة كإنكار للمنكر
من أعظم المعاني الشرعية الحث على إنكار المنكر ولو مع ظن عدم الاستجابة؛ لأن مجرد الرفض الاجتماعي مطلوب شرعًا. إنكار المنكر يحتاجه "المُنكِر" لكي لا يستمرئ المنكر مع الوقت بحجة عدم الجدوى.
حتى الإنكار بالقلب (وهو أضعف الإيمان) واجب، لأن قلبك يحتاج إلى سماع إنكارك ولو لم يسمعه الناس. والمقاطعة هي إحدى الوسائل العملية لإنكار الجرائم التي تحدث لإخواننا.
لذلك يا إخواني، لا بد للمقاطعة أن تستمر، ونذكر المسلمين في كل البلاد بضرورتها وأن يتقوا الله فيها. والسلام عليكم ورحمة الله.