صليت العشاء أول أمس في مسجد بالمنطقة، وقام إمام المسجد -الله يكرمه- بعد الصلاة وأعطى درساً ذكر فيه موقفاً نبوياً أعرفه من قبل، لكن هذه المرة أثر فيّ بشكل عجيب. فتعالوا نسافر بقلوبنا إلى العهد النبوي لنسمع هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
"سَمِعَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَوْتَ خُصُومٍ بالبَابِ عَالِيَةً أصْوَاتُهُما، وإذَا أحَدُهُما يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ ويَسْتَرْفِقُهُ في شيءٍ، وهو يقولُ: واللَّهِ لا أفْعَلُ، فَخَرَجَ عليهم رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: أيْنَ المُتَأَلِّي علَى اللَّهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟ فَقالَ: أنَا يا رَسولَ اللَّهِ، وله أيُّ ذلكَ أحَبَّ".
يعني رجلان يختصمان؛ لماذا؟ واحد له دين على الثاني، والمدين يقول له: "خفف عني الدين، ترفق بي، أمهلني"، والآخر يقول: "والله لا أفعل"، فقد حان الوقت. فسمعهما رسول الله ﷺ فخرج عليهما وقال: "أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟".
أين هذا الذي يحلف بالله ألا يفعل المعروف الذي يحبه الله؟ طبعاً كان بإمكان الصحابي أن يقول: "أنا يا رسول الله، وخلاص لن أحلف، لكن أعطني ديني"، لكن ماذا كان موقف الصحابي؟ قال: "أنا يا رسول الله، وله أي ذلك أحب". يعني ما دمت يا رسول الله تحب أن أعمل هذا المعروف مع أخي؛ فلك ما أردت، حاضر على رأسي وعيني، "له أي ذلك أحب"؛ يحب أن أضع عنه جزءاً من المال أنا حاضر، يحب أن أترفق به أو أؤجله أنا حاضر.
علماً بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره ولا طلب منه طلباً صريحاً، وإنما لمح تلميحاً، بل مجرد إشارة من النبي عليه الصلاة والسلام كانت كفيلة بحل المشاكل.
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أيضاً عن كعب بن مالك رضي الله عنه: أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ فنادى: "يا كعب بن مالك"، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن "ضَع الشطر" (يعني أشار إليه بيده أن يضع نصف الدين)، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال النبي لابن أبي حدرد: "قم فاقضه".
تصوروا يا جماعة، النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر أياً من الرجلين -لا المذكور في الحديث الأول ولا كعب بن مالك- أمراً صريحاً بالتساهل في الدين، وإنما لمح مجرد تلميح. لو أنهما لم يضعا من الدين لم يكونا آثمين، لأن النبي ﷺ جاءهما بـ "المونة"، يعني: "معلش بمون عليكم".
تصوروا يا جماعة كم هي الحياة جميلة لما يكون للناس "كبير"، ولما يكون الكبير هو شخص النبي محمد ﷺ، الذي يمون بالكلمة، ويمون بالإشارة، والكل يسمع ويطيع. تصوروا حب الصحابة وإجلالهم للنبي واحترامهم وتقديرهم لمقامه عليه الصلاة والسلام.
الآن، أنت قد تقول: "يا ليتني كنت في ذلك العهد، يا ليتني أرى النبي عليه الصلاة والسلام يبتسم لي ويشير لي بتلك الحركة، والله لأتركن الدين كله".
طيب ممتاز، نحن فيها يا أخي! الأحاديث تبلغك عن النبي ﷺ، وأنت مخاطب بها فيما يتعلق بحسن عشرة الرجل مع زوجته، والزوجه مع زوجها، وترك الفجور في الخصومة. تصور أن النبي شخصياً ﷺ هو الذي يأمرك بهذا الأمر، يا ترى هل ستقول له: "حاضر يا رسول الله، سمعاً وطاعة، تكرم على رأسي وعيني"؟
هذا هو اختبار المحبة الحقيقي. لعل الله سبحانه وتعالى يحشرنا تحت لوائه، ويسقينا من حوضه، ويدخلنا الجنة من غير حساب ولا عذاب معه.. اللهم آمين.