ليسوا سواء: مشكلة التعميمات الجائرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إخوتي الكرام.
من أكبر مشاكلنا التعميمات الجائرة، وهي من أهم أسباب الفتنة الحالية بالشام. كمثال على ذلك، بعد نشر كلمة "إن كانوا كابن سلول فكونوا لهم كالرسول"، كان أبرز اعتراضات المعترضين عليها قولهم: "كيف تشبه هؤلاء الصحوات بأنهم كابن سلول، مع أنهم هاجموا المجاهدين في المنازل واغتصبوا نساءهم.. إلى آخره؟".
ولا أدري أيظن هؤلاء أن العبد الفقير فقد العقل والدين معاً حتى يدعو إلى معاملة هؤلاء معاملة المنافقين؟ الحقائق التي يجهلها أو يتجاهلها هؤلاء المعترضون هي:
أولاً: التمييز بين الخصوم
أن خصوم "الدولة" ليسوا قطاع الطرق وتجار المخدرات والصحوات المستأجرين حقاً فحسب، بل من خصومها من فيهم خير كثير كالنصرة والأحرار وغيرهم. فمن الجهل المطبق المساواة بين خصومها جميعاً بعلة أنهم جميعاً "خصوم الدولة". وإطلاق لفظ "الصحوات" عليهم جميعاً هو الظلم ذاته الذي يدفع إلى إطلاق القول بأن جماعة الدولة كلها جماعة "خوارج"؛ تعميمات يضيع فيها الحق ويؤخذ الصالح بجريرة الطالح.
ثانياً: التفاوت في المواقف الميدانية
كيف يُسوّى بين الأوباش الذين استغلوا القتال الدائر للإضرار بالمجاهدين عموماً من جهة، والفصائل التي أعلنت تأمينها لمن يأوي إلى مقراتها من المهاجرين الذين لم يتورطوا بدم؟ لكن التسوية بينهم جميعاً ظلم قاد إلى هذه الفتنة العمياء.
ثالثاً: إمكانية الاستنقاذ والتحييد
ينبغي أن يُفهم جيداً أني لا أدافع عن كل هذه الفصائل بعجرها وبجرها، وإنما أدافع عن إمكانية استنقاذ كثير منها من مؤامرات التطويع والاحتواء الدولية، والتعاون معها على دفع العدو الأصيل والأوباش الذين يستغلون الفتنة للاعتداء على المهاجرين وغيرهم، أو في أقل الأحوال تحييدها عن القتال ضد المجاهدين.
رابعاً: أثر خطاب التخوين (الصحوانة)
الكلمة "إن كانوا كابن سلول" تتناول ظاهرة كان لها دور في شحن الأجواء أصلاً وقبل القتال الدائر، ثم استمرت هذه الظاهرة أثناءه؛ وهي ظاهرة "الصحوانة" والتخوين، والتي تستخرج من أخيك أسوأ ما فيه، وتطمس على الخير الذي فيه، وتسلمه لعدوه وتعين الشيطان عليه. وهذا يدفعه عند وقوع الفتنة إلى أن لا ينضبط بالشرع في تصرفاته.
وهذا ما حذرت منه مراراً، إذ بينت أن وقود الفتنة يكون بحسن علاجها لا بإهمالها والدفاع عن الجاني، كما في كلمة "إجراءات ملحة" إذ قلت وقتها: "وصاحب التجارب يعلم كم كان عدم إنصاف صاحب الحق سبباً في انفجار الفتن وانفلاتها بلا عقال".
جدلية "البيضة أم الدجاجة" والخطاب المتناقض
من اعتزل الفتنة في بداياتها لكنه جُرّ إليها جراً ممن يتساهلون في "صحوانة" و"سلولة" غيرهم، ثم ليتهم عاملوهم على أساسه، بل قاتلوهم كأنهم مرتدون! لذا فمن يقول: "كيف تريدنا أن نعاملهم كابن سلول وقد قاتلونا؟" أقول له: بـ "سلولتكم" إياهم ظلماً، ثم معاملتهم بأسوأ مما يعامل به السلوليون، جررتموهم إلى قتالكم جراً.
وإن أردنا أن نخرج من جدلية "البيضة أم الدجاجة" أولاً، فلننظر إلى الفرق الكبير في الخطابات بين من يقول: "إخواننا المهاجرين، ألم نفتح لكم قلوبنا ونسكنكم ديارنا وزوجناكم من نسائنا؟ دماؤكم دماؤنا وأعراضكم أعراضنا" -يقول هذا أثناء الفتنة- ومن يقول في المقابل: "لا تلينوا معهم، رصدنا جائزة لمن يقطف رؤوسهم، من هم هؤلاء الصحوات؟ وما تعرف الصحوات؟ من قاتل ضدنا؛ إذ أن القتال ضدنا ردة وكفر لأننا الحق المبين، لا يأتينا الباطل من بين أيدينا ولا من خلفنا، فمن عادانا فقد كفر بالله من فوق سبع سماوات".
وإن كانوا لا يقولونها بألسنتهم، لكن هذا لسان حالهم. كل عقلاء المسلمين ولشهور يطالبون بمحكمة مستقلة، ثم يكون الخطاب بأنك "أيها الجندي محكمة مستقلة"! بل أصبحت ردة الفعل على هذا كله -منضبطة أو غير منضبطة- تُفسر بأنها تنفيذ لمخططات "جون ماكين" وممانعة لقيام دولة إسلامية وقتال من أجل دولة مدنية، وبالتالي فهي ردة! "لا تفسير لقتالنا إلا هذا"، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الخاتمة: ضرورة التفكيك لا التعميم
لذا إخواني، فليسوا سواء. أعلم أن في الشام صحوات حقيقية وعصابات إجرامية تقاتل الدولة، لكن ليس كل خصوم الدولة صحوات. وهذه التعميمات مميتة على الجهتين، فلا بد من تفكيك عناصر المشكلة وتمييز المرتد عن ضعيف الإيمان عمن فيه خير كثير لكنه جُرّ جراً إلى القتال.
وإلا فإن بقينا على التعميمات المميتة، فلكل من طرفي الصراع رفد بشري لا ينقطع لأنه يمثل افتراقات منهجية في الأصل، وستستمر الحرب العمياء. لا بديل عن الدعوة إلى الكف عن الاقتتال، ثم يكون بعد ذلك الحديث عن تفاصيل الأخطاء والجنايات، ومن اعتدى وتجاوز ومن هو المخطئ. أما في معمعة القتال، فإن مبررات كل طرف ستزداد ولن تنقص، وجنايات كل طرف ستزداد ولن تنقص.
وأنصح بقراءة رسالة الشيخ أبي محمد المقدسي "توجيهات تربوية" والتي بيّن فيها أنه حتى الكفار والمنافقون حقيقة لا يعاملون معاملة واحدة.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.