السلام عليكم. أحد أصحاب الحسابات المتابعة على انستجرام طرح سؤالاً يقول فيه: "ما حكمة ربنا من أنه لم يوقف الإبادة التي تحدث لحد اليوم؟ مخي توقف عن الاستيعاب، ما الحكمة من أن فوق عشرين ألف طفل ماتوا بدون سبب، ومنهم من لم يعش يوماً واحداً؟ يعني منهم أطفال حديثو الولادة لم يكملوا يوماً من حياتهم".
لا شك أن هذا السؤال يجول في خاطر كثيرين: لماذا يقدر الله المصائب والبلايا والقتل على أطفال غزة، وأطفال السودان، وأطفال أركان في بورما وغيرهم؟
بدايةً، ماذا لو لم تعرف جواب هذا السؤال؟ هل إيمانك متوقف على معرفة الحكمة من ذلك؟ الأصل أنك كمسلم لديك أدلة عظيمة على كمال الله تعالى وحكمته ورحمته، فإذا لم تفهم الحكمة في فعل من أفعاله، فهل يعني أن الأدلة الأخرى بطلت؟
إن عدم فهمك بعقلك القاصر للحكمة الربانية من ابتلاء الأطفال لا يعني أن الحكمة غير موجودة. أنت عبد تتعامل مع رب، ومقام العبودية يعني أنك تسلم بأن لله تعالى حكمة من كل أفعاله وإن لم تفهمها. وإذا اشترطت أن تعلم كل الحكمة، فأنت تشترط أن تعلم كعلم الله، وتدعي أن بإمكانك أن تعلم ما يعلمه سبحانه، وهذا تعدٍ على مقام الربوبية: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}.
نحن في حياتنا اليومية نقر لأهل التخصص في تخصصهم دون أن نناقشهم في كل الجزئيات؛ مثل الطبيب حين يصف دواءً أو عملية، أو المهندس حين يضع مقادير معينة في الإنشاء. لا نناقشهم في كل شيء لأن مستوانا العلمي لا يسمح لنا بفهم كل ما يفعلونه، فكيف برب البشر أجمعين؟ وسورة الكهف التي نقرأها فيها أحداث كثيرة ظاهرها الشر، لكن كان فيها الخير الذي أخفاه الله حتى عن نبي من أنبيائه وهو موسى عليه الصلاة والسلام.
النقطة الثانية: ابتلاء الأطفال ليس عقوبة لهم لأنهم ليسوا مكلفين فلا ذنب عليهم، بل هو رحمة. من كانت نظرته مقصورة على الدنيا يحسب أن القصة تبدأ وتنتهي هنا، فإذا تعكرت دنياه فقد خسر؛ وهذه طريقة من وصفهم الله بقوله: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.
نحن كمؤمنين لا نفكر بهذه الطريقة أبداً، بل نعلم أن الدنيا دار بلاء لا دار جزاء، ونعلم أن هذه الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأننا فيها كمسافر استظل بظل شجرة ثم راح وتركها.
لاحظ أن الله تعالى تكلم عن "المؤودة" فقال: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}. والمؤودة طفلة بريئة مسكينة توضع في حفرة ويلقى عليها التراب حتى تموت خنقاً؛ ميتة أليمة بشعة. ومع ذلك لم يتكلم الله عن حكمته في ترك هؤلاء الآباء المجرمين يفعلون فعلتهم، ولم يكن لدى المسلمين استشكال على الحكمة الربانية في هذا لأنهم فهموا أن الدنيا دار بلاء والآخرة هي دار الجزاء.
تقول في سؤالك: "مخي بطل يستوعب.. ماتوا بدون سبب ومنهم ما عاش يوم". هؤلاء الأطفال كلهم في الجنة؛ فهناك إجماع على أن أطفال المسلمين الذين يموتون فهم في الجنة. وحين تقول: "منهم ما عاش يوم"، فماذا سيفعل بالعيش في الدنيا وهو ينتظر الخلود في الجنة بدلاً منها؟ أما الألم والحرق وما يعانونه قبل الوفاة، فكله يُنسى بغمسة واحدة في الجنة.
ثالثاً: من حكم الله تعالى في ابتلاء الأطفال أن يبتلي بهم والديهم وغيرهم ممن يشفق عليهم ويرحمهم، فإذا صبروا كان لهم أجر عظيم. قال نبينا ﷺ: "ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (أي لم يبلغوا سن التكليف) إلا جيء بهم يوم القيامة حتى يوقفوا على باب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم". تصور والدين يموت لهما ثلاثة من الأولاد، هو أمر مؤلم جداً، ومع ذلك فهو ضمانة لدخول الجنة بفضل الله وكرمه.
رابعاً: من حكم الله في ابتلاء الأطفال -خاصة كما يحصل في غزة والسودان وبورما- أن يبتلينا نحن بهم، ليستخرج منا عبودية مجاهدة المجرمين والظالمين، وعبودية نصرة المستضعفين بما نستطيع، وأن نصحو من غفلاتنا رجاء أن يرفع الله الذل عنا.
ولا يظن أحد أن كلامنا عن الحكمة يعني "اتركوهم يُقتلون ما داموا سيذهبون للجنة"؛ بل إذا خذلناهم ووالينا أعداءهم ولم نسعَ في رفع الظلم عنهم، فما الفائدة أن يذهبوا هم إلى الجنة ونذهب نحن إلى النار -لا قدر الله-؟
خامساً: كيف ينزل الله سكينته على هذه القلوب الصغيرة الطرية؟ كم رأينا من أطفال غزة من يصبر ويحتسب، وهؤلاء حجة على من لا يصبر من الناس. هؤلاء يبرهن الله بهم أنه يثبت هذه القلوب الصغيرة على ما يزلزل الجبال، وهذا من مظاهر حكمته ورحمته. وأنا أقول ذلك وأنا أب لطفلة مرضت بالسرطان وعانت منه معاناة شديدة حتى فتك بها، وهي صابرة محتسبة بفضل الله تعالى.
سادساً وأخيراً: أنت يا من تسأل هذا السؤال، ماذا فعلت لما رأيت هؤلاء الأطفال يقتلون؟ تتساءل عن أفعال الله تعالى وقد علمت أنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
أنت أيها "المشهور" الذي تطرح سؤالك هذا أمام المتابعين، هل معاناة الأطفال أحدثت في نفسك يقظة إيمانية بحيث يرتفع مستوى ما تنشره للناس ليكون منضبطاً بشرع الله؟ هل أصبح محتواك بعد الأحداث مختلفاً عما قبلها؟ هل أصبحت تضع نصب عينيك رضا الله وإبراء ذمتك وألا تكون من الخاذلين لإخوانك؟
كل ما ذكرناه هو جزء يسير من حكمة الله، و {لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}. الخلاصة: الله تعالى له الحكمة البالغة، وهو أرحم بالأطفال منا، وسيجزي من يصبر منهم الجزاء الأوفى الذي سيتمناه أهل العافية منا يوم القيامة. المهم أن ننشغل بما علينا فعله.
نسأل الله أن يرحم إخواننا في غزة والسودان وأركان وفي كل مكان، وأن يعيننا على نصرتهم. والسلام عليكم ورحمة الله.