السلام عليكم ورحمة الله. منذ أيام توفي الطفل محمد إسلام النبالي -رحمه الله- بعدما نهشه كلب في رأسه. لو كان هناك تقدير حقيقي لكرامة الإنسان، لأُعلنت على إثر هذه الحادثة حالة الاستنفار القصوى لمنع تكرار مثل هذه الفواجع.
لكن للأسف، ومع تكرار حالات تهجم الكلاب وأذيتها للناس، لم تتخذ التدابير المناسبة. لذا، لا بد من وقفة جادة لمحاسبة المتورطين في هذا الملف، وهم كثر كما سنرى. إن كرامة الإنسان أعظم من أهواء ومصالح العابثين، وآن الأوان أن يُدان هؤلاء ويأخذ المجتمع على أيديهم.
لقد قال والد الطفل يحيى كلمة بليغة: "والله لو اتبعنا شريعة ربنا ما وصلنا إلى هذا الذي وصلنا إليه". وصدق الله سبحانه وتعالى إذ يقول: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. تعالوا نرى كيف أوصلتنا مخالفة الشريعة إلى هذا الحال في قضية اعتداء الكلاب.
الشريك الأول هو من يسمح باستيراد هذه الكلاب وبيعها لغايات الترفيه وتقليد الغرب. نحن لا نتحدث هنا عن اقتناء الكلاب لسبب مشروع، بل عن المتاجرة بها للترفيه والتكسب. وفي الحديث الصحيح: "أن رسول الله ﷺ حرم ثمن الكلب". فلا يجوز المتاجرة بالكلاب بيعاً ولا شراءً، لأن هذا يؤدي إلى تكثيرها وخروجها عن السيطرة.
الشريك الثاني هو البائع الذي يسعى لتحصيل المال دون مبالاة بحرمته، وهناك من يقوم بتهجين الكلاب وإكثارها وبيعها في بلادنا بشكل غير منضبط.
الشريك الثالث هو الشاب أو الفتاة الذين يقلدون الأفلام الأجنبية في اقتناء الكلاب ومخالطتها دون وعي بهوية أو عقيدة، ودون اعتبار لمسائل النجاسة والصلاة.
قد يقول البعض: "هذه الاعتداءات تأتي من الكلاب الضالة لا المملوكة". والحقيقة أن الكلاب المملوكة جزء أصيل من المشكلة. فمن خلال تاصلي مع مختصين في إيواء الكلاب في الأردن، تبين أن بعض الملاك يتخلصون من كلابهم في الشوارع عندما تكبر أو تمرض أو تزداد تكاليفها، فتتحول إلى كلاب ضالة ومفترسة.
لقد وضع النبي ﷺ ضوابط واضحة لاقتناء الكلاب، فقال: "من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان". يجوز الاقتناء للحراسة أو الصيد، لكن ليس للتباهي بها في الشوارع. ما يحدث اليوم هو "اقتناء جائر"؛ حيث يشتري أحدهم كلباً ثم يمل منه، أو يعجز عن تكاليف علاجه، فيقوم برميه في الشارع. هذا الفعل يجمع بين معصية الله في الاقتناء غير المشروع، ومعصيته في إيذاء الناس بإطلاق هذه الحيوانات.
بل إن هناك مراكز خاصة تدرب الكلاب على الشراسة، بحيث إذا عضت لا تفتح فكها إلا بتمزيق اللحم، وكل هذا يحدث دون متابعة لأعداد هذه الكلاب أو مصيرها.
الشريك الرابع هم أولئك الذين يرفعون شعار الرفق بالحيوان للاستهانة بحياة الإنسان. نحن كمسلمين، لا نقبل تعذيب الحيوان أو قتله وحشياً، فنبينا ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
لكن عندما تنتشر الكلاب "العقورة" (المؤذية والمفترسة)، فإن الشريعة تأمر بدفع أذاها. وفي الحديث المتفق عليه: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا". فكيف يأتي من يحارب قتل الكلب العقور الذي يهدد حياة الأطفال؟ هؤلاء مرجعيتهم ليست الشريعة، بل مؤسسات أجنبية تساوى بين قيمة الإنسان والحيوان.
الشريك الخامس هو الإعلام الذي يبث التفاهة في نفوس الشباب ويحض على تربية الكلاب كنمط حياة عصري. عندما ذهبت لعزاء الطفل يحيى -رحمه الله- أخبرني أحد أقربائه أنه في الوقت الذي كان يُبث فيه تقرير عن وفاة يحيى، كانت إحدى القنوات المعروفة تبث تقريراً عن "التعامل اللطيف مع الكلاب"، وتستضيف الكلاب في الاستوديو للتطبيع مع فكرة اقتنائها للترفيه، ضاربةً بعرض الحائط مشاعر المكلومين وسلامة المجتمع.
الشريك السادس هو الجهات المسؤولة عن السيطرة على هذه الظاهرة والتي تهمل في أداء وظيفتها. حدثني مختص برعاية الكلاب عن وجود محمية في عمان مخصصة للكلاب، مهمتها إحداث العقم فيها وإعطاؤها المطاعيم اللازمة وعلاجها.
يقول هذا المختص: "هذه المحمية كلفت في إنشائها سبعة ملايين دينار، وعندما زرتها قبل أربع سنوات، لم أجد فيها إلا كلباً أو كلبين فقط! رغم وجود طاقم إداري وستة أو سبعة أطباء بيطريين".
فأين تذهب هذه الأموال الطائلة؟ ويلٌ للمطففين الذين يضيعون الأمانات. كما أخبرني عن حالات فساد تتعلق بسرقة المواد المخدرة التي تُستخدم في بنادق التخدير للإمساك بالكلاب الضالة ومعالجتها، مما يعيق العمل الميداني ويفاقم الأزمة.
انظروا كم من أوامر الله ورسوله ﷺ انتهكت في هذه الظاهرة. وكما قال والد يحيى: "والله لو اتبعنا شريعة ربنا ما وصلنا إلى ما وصلنا إليه".
يجب أن يقال لكل هؤلاء: شريعة الله أولى من أهوائكم ومصالحكم. كرامتنا وسلامة أبنائنا أولى من رفاهيتكم بكلابكم ومن فسادكم المالي. هذا مثال حي لقول نبينا ﷺ في حديث السفينة: "فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً".
عندما ننكر المنكر ونقول إن هذا الفعل حرام، فنحن نحمي المجتمع كله لأننا في سفينة واحدة. رأيت مقطعاً لطفل صغير تهاجمه أربعة كلاب وتنهشه حتى سقط أرضاً؛ لن ننتظر حتى يتكرر هذا مع أبنائنا أو بناتنا في الطرقات.
ارفعوا أصواتكم يا كرام، وانشروا الوعي حول هذا الموضوع. ليس مقبولاً أن نصل لمرحلة يُطلب منا فيها السكوت عن الفساد، بل والسكوت عن اعتداء الكلاب الناتج عن هذا الفساد واتباع الأهواء.
والله المستعان، والسلام عليكم ورحمة الله.