السلام عليكم ورحمة الله أحبة الكرام.
مع اقتراب يوم 30-6 الذي تحشد له بعض القوى ضد حكم الرئيس محمد مرسي، ماذا ينبغي أن يكون موقفنا؟ بداية، من الواضح أن الأمور في تصعيد قد يؤدي إلى قتل وقتال. هنا على المسلم أن يفكر على أي شيء يقاتل، لأن هذا يحدد ما إذا كان دفاعه ومناصرته في سبيل الله.
وهنا لابد من التفريق بين مكانين:
أما في الساحات التي نزاعها على بقاء الرئيس أو إسقاطه، كمحيط قصر الاتحادية مثلاً، فقد بينا عبر السنة الماضية أن الحكم الجديد رفع شعار الإسلامية التي تحقق للناس خير الدنيا والآخرة، ثم لم يفِ به، بل كرس منظومة الحكم الوضعي وخذل الشريعة. وكفانا إخواني تميعاً وضبابية بعبارات مثل "توجه إسلامي" و"مسحة إسلامية" و"خطوة على الطريق". قد بينا أنه ليست هناك خطوات على الطريق، بل العكس تماماً، كما في حلقات كثيرة منها "لا الشريعة أقمتم ولا الشعب سودتم".
ثم إن المسلم لا يقاتل من أجل ظنون مستقبلية وآمال عاطفية، فيدافع عن واقع مشوه على أمل تحقق هذه الآمال من خلال هذا الواقع. المسلم إنما يقدم روحه وجهده من أجل نصرة الحق الواضح، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
لذا، فمعركة بقاء أو إسقاط الرئيس ليس أحد نتيجتيها رفع كلمة الله وشريعة الله، بل في الحالين الشعار المرفوع أن تكون كلمة الشعب هي العليا، والحقيقة رفع مصالح حزبية ورفع إرادة النظام الدولي المعادي لله ولأمة الإسلام، والذي تتنافس الأطراف على خدمته وتقديم نفسها كمنفذ طيع لسياساته.
لذا، فليست هذه معركتنا ولا ينبغي التواجد في الساحات التي هذا محل نزاعها، فالقتال فيها ليس ليكون الدين كله لله. وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". إذن فمن قاتل أو مات لغير ذلك فليس في سبيل الله.
هذا عن الساحات التي محل خلافها بقاء أو إسقاط الرئيس. وأما خارج هذه الساحات، إن وقع عدوان على مسلم، فإن حق الأخوة الإيمانية يوجب علينا الدفاع عنه، لا نصرة لهذا الحكم غير الشرعي، بل وقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه". تشتد الحاجة لوضوح هذه المسألة ونحن نرى مجرمين يهددون باستهداف كل صاحب مظهر إسلامي، فإيماننا يحتم علينا حينئذ ألا نخلي بينهم وبين ما أرادوا.
طيب، ماذا لو وقع ظلم من بعض أنصار الرئيس على من ليس مستهزئاً بالدين ولا معادياً للشريعة، لكنه معترض على سياسات الرئيس؟ حينئذ ننصر هذا المظلوم أيضاً ونكف يد ظالمه. بل وعلى فرض أن ظلماً وقع على غير المسلمين، فإننا ندفعه لأن الظلم منكر نحن مأمورون بتغييره.
ويكون دفاعك ونصرتك وقتالك في هذه المواطن التي تنصر فيها المظلوم أياً كان، يكون هذا كله في سبيل الله. كل هذا بعيداً عن الساحات التي يتنازع طرفاها على تثبيت هذا الحكم غير الشرعي أو استبداله بحكم غير شرعي آخر.
إذن فأنصح من يهمه رأيي من إخواني أن لا يصطف مع أي من الصفين. ولن أتطرق هنا لموضوع التسوية وعدم التسوية بين أفرادهما على الصعيد الشخصي، فالعبرة بالمنهج الذي يناصره كل فريق. ومع تباين المنهجين وعدم تسويتنا بينهما، فليس أي منهما بالمنهج النقي الحق الذي تبذل من أجله الأرواح.
وأعتقد أن هذا يحل إشكالية لدى الكثير من إخواننا الذين يتفقون معنا في عدم شرعية هذا الحكم، لكن يدعون إلى الوقوف مع أنصار الرئيس تفضيلاً لهم على الفريق الآخر الذي كثر فيه أعداء الشريعة الصرحاء. هذه الأفضلية إخواني لا تبرر نصرتهم على قضية باطلة. في حديث "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره"، ولم يقل عليه الصلاة والسلام تناصره على باطله إن كان أخف من باطل غيره.
النقطة الثانية المهمة جداً إخواني أنه لابد في هذه الآونة أن يظهر وبقوة حراك إسلامي يتمايز عن الصفين ويتبرأ من طرحهما، وهو ما بقيت أدعو إليه منذ خرجت من الأسر قبل سنة ونصف، لكنهم متفرقون وجهودهم غير منسقة، وقد آن الأوان أن ينسقوا جهودهم وينزلوا للساحة.
أهمية ظهور هذا الحراك وعمله بفاعلية في الساحات تكمن في عدة نقاط:
اصطفافنا في جانب مؤيدي الرئيس سيسهل مهمة الفريق الآخر الذي يريد اختزال المشروع الإسلامي في هذا النموذج الفاشل، فإنه يسيطر على تفكيره كيف يحمي نفسه في هذه المعركة التي يريد فيها الآخرون استئصاله. بينما جدير بنا أن نمتثل قول الله تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}.
كيف نخشى الله؟ بنصرة الشريعة التي خذلها كثير منا وشوه صورتها في أذهان الناس. نصرتها توبة إلى الله من تقصيرنا. هذا الذي ينبغي أن يسيطر على أذهاننا عندما نريد اتخاذ موقف. وحينئذ فإن الله يدافع عن الذين آمنوا. أما إن صدرنا في الترقيع والتميع خوفاً على أنفسنا، فحينئذ يكلنا الله إلى أنفسنا ويسلط علينا من خشيناه كخشية الله، أو أشد خشية.
نصرة الشريعة تستلزم في هذا الموقف حركة ونشاط تيار ثالث نقي متمايز، لا يتاجر بالدين كما لا يتاجر بقلة الدين. تيار يعلن براءته من منهج الفريقين، لا لحسابات دنيوية ولا لعدم وفائهما بالمصالح المعيشية، بل ديانة وحفاظاً على جعل الأمر كله والحكم كله لله رب العالمين.
تيار متجرد من حظوظ النفس بحق، يعيد صياغة الشعارات المعظمة للشريعة على وجه يخلصها مما علق في أذهان الناس من متاجرة البعض بها لكسب الأصوات الانتخابية، ويبين أنها لا يجوز أن تكون مجرد شعارات وإنما هي منهج حياة وبرنامج حقيقي للحكم، ويعمل على صياغة هذا البرنامج ودعوة الناس إلى تبنيه عبودية لله أولاً، وتحقيقاً للعزة والبركات الموعودة ثانياً، ولو بذلت في سبيله الأرواح.
هذا التيار هو الذي يستحق حينئذ أن يكون ممن ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء". قيل: من يا رسول الله الغرباء؟ قال: "هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي". يصلحون ما أفسد الناس وفيهم من تسمى بالإسلامية، يصلحون ما أفسدوه مما سنه النبي من دين وشريعة. سيبدأون غرباء، لكننا مستبشرون أنهم بعد مخاض سيكسبون قلوب الناس وثقتهم ومحبتهم ويقودونهم إلى خير الدنيا والآخرة.
اللهم اجعلنا منهم. ربنا استعملنا في طاعتك واجعلنا من أنصارك واجعلنا ممن يحببك إلى الناس ويحبب الناس إليك. والسلام عليكم ورحمة الله.