الجزء 15 و 16
الجزء 15 و 16
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. إخواني وأخواتي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم في الجلسة الثالثة عشرة من مسابقة "تبياناً لكل شيء".
قبل البدء بأسئلة اليوم، نعلن أسماء المتصدرين في المسابقة حتى الآن:
من الناس من إذا لم تيسر له أسباب طاعة من الطاعات فإنه يُسرُّ ولا يرجو حصول أسبابها، بل يقول في نفسه: "عملت ما علي"، بينما يوجهنا القرآن إلى أن لا نفوت فرصة الأعمال القلبية، بل نرجو تيسير أسبابها التي لم نتمكن منها. اذكر آية فيها هذا المعنى.
الجواب: قوله تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا} [الإسراء: 28].
اللمحة التفسيرية: يقول ابن عاشور رحمه الله: "وفي ضمن هذا الشرط تأديب للمؤمن إن كان فاقداً ما يبلغ به إلى فعل الخير أن يرجو من الله تيسير أسبابه، وأن لا يحمله الشح على السرور بفقد الرزق للراحة من البذل، بحيث لا يعدم البذل الآن إلا وهو راجٍ أن يسهل له الله في المستقبل حرصاً على فضيلته". وهذا يذكرنا بقوله تعالى: {تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ}.
وكذلك حديث النبي ﷺ: "من سأل الله الشهادة مخلصاً من قلبه، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على سريره" (رواه مسلم). وحديث الأربعة نفر الذين ذكرهم النبي ﷺ، ومنهم رجل قال: "لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان (المتصدق)، فهو بنيته، وهما في الأجر سواء".
هناك آية يؤدي سوء فهمها إلى الظن بخلاف مراد الله (كأن يظن البعض أن الله يأمر بالفسق)، ما هي هذه الآية؟
الجواب: قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16].
اللمحة التفسيرية: بين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي أن في الآية ثلاثة مذاهب، أظهرها: أن "أمرنا" هو الأمر الشرعي (ضد النهي)، والمتعلق محذوف لظهوره، أي: أمرناهم بالطاعة والإحسان فخالفوا وفسقوا. وهذا كقولك: "أمرته فعصاني"، أي أمرته بالطاعة فعصى. فالله لا يأمر بالفحشاء سبحانه.
قال النبي ﷺ: "إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه". اذكر آية كريمة فيها مثل هذا العوض في حق نبي من الأنبياء.
الجواب: قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم: 49].
اللمحة التفسيرية: يقول الإمام السعدي: "لما كانت مفارقة الإنسان لوطنه وأهله من أشق شيء على النفس، وكان من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وهبه الله إسحاق ويعقوب وجعلهم أنبياء". ويضيف ابن القيم أن العوض قد يكون معنوياً وهو أجلّ، كالأنس بالله وطمأنينة القلب.
أهل الباطل اتباع هوى، فلا ينبغي للمؤمن أن يضعف يقينه بدينه إذا رأى كثرتهم وصلابتهم، ولا أن يرهن مصيره بمصيرهم فيهلك معهم. اذكر آية فيها هذا المعنى.
الجواب: قوله تعالى: {فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرَدَّىٰ} [طه: 16].
أي لا يصرفنك عن الإيمان بالساعة والاستعداد لها هؤلاء الذين لا يؤمنون بها واتبعوا أهواءهم، فإنك إن تبعتهم هلكت وسقطت (تردّيت) كما تردّوا.
آية يستدل بها البعض لإبطال حد الردة، زاعمين أن الإسلام يعطي الحرية المطلقة بلا تبعات، بينما خاتمتها ترهيب مخيف، وهي آية مكية. ما هي؟
الجواب: قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...} [الكهف: 29].
اللمحة التفسيرية: الآية ليست للتخيير "المتساوي"، بل هي للتهديد، بدليل الوعيد الشديد في نهايتها. كما أنها نزلت في مكة حيث لم يكن للمسلمين دولة تقيم الحدود، فهي تصف واقع الاستكبار القرشي وتبين مصيرهم عند الله.
آية يتخذها أهل الإلحاد شبهة في أمور الفلك، لكن فعلاً ماضياً فيها يدحض دعواهم. ما هو هذا الفعل؟
الجواب: الفعل هو: {وَجَدَهَا}.
اللمحة التفسيرية: قال الله تعالى في قصة ذي القرنين: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86]. يدعي الملحدون أن القرآن يقرر حقيقة علمية خاطئة بأن الشمس تغوص في عين ماء، ولكن اللفظ القرآني دقيق جداً؛ فقد قال "وجدها" ولم يقل "كانت تغرب". يقول ابن كثير رحمه الله: "أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه". فالفعل "وجدها" يصف رؤية الناظر وانطباعه البصري عند الأفق، لا الحقيقة الفلكية لموقع الشمس.
الإنسان قد يعصي الله، لكن من جماليات الإسلام أن التوبة تمحو الذنب. هناك أناس أذنبوا، فلما حسنت توبتهم عبر الله عن فعلهم بصيغة المبني للمجهول بدلاً من المعلوم، مراعاةً لمشاعرهم لئلا يكون فعلهم عاراً عليهم مدوناً في القرآن. ما هو هذا الفعل؟
الجواب: الفعل هو: {خُلِّفُوا}.
اللمحة التفسيرية: قال الله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118]. كان المتوقع لغوياً أن يقال "تخلفوا" لأنهم هم من قعدوا عن الغزو، لكن الله عز وجل استخدم صيغة المبني للمجهول "خُلِّفُوا". يقول الإمام السعدي رحمه الله في لطيفة بيانية: "من لطف الله بالثلاثة أن وسمهم بوسم ليس بعار عليهم، فقال (خُلِّفُوا) إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، أو خُلِّفوا عمن بُتَّ في قبول عذرهم أو رده، ولم يقل (تخلفوا) لأن التخلف قد يوحي بالرغبة عن الخير والزهد فيه، وهم لم يكونوا كذلك". وهذا من كمال توبة الله عليهم، حيث استقبلهم النبي ﷺ بالبشر والسرور، وقال لكعب بن مالك: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك".
بهذا نكون قد انتهينا من مسابقة اليوم وأسئلة الجزأين الخامس عشر والسادس عشر. جزاكم الله خيراً على متابعتكم وتفاعلكم، ونسأل الله أن ينفعنا بما علمنا.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.