أخواتي وإخواني، حياكم الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نلتقي اليوم في جلستنا السادسة من شهر رمضان المبارك، ومعنا مجموعة من عشرة أسئلة نرجو أن تكون ممتعة ونافعة. نؤكد دائماً أن الهدف الأسمى هو الفائدة والعمل بالعلم، فالعلم يُتعلم ليُعمل به. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم بما نتعلم.
من حكمة الله تعالى أنه يشرع للمؤمنين تشريعات فيها يسر، فيبيح لهم التعامل مع المشركين في الأمور الدنيوية التي ليس فيها تنازل عن حق أو مبدأ. ولكن يجب التنبه إلى أن هذه الإباحة لا تقتضي إقرار صاحب الباطل على باطله، ولا يعني أن صاحب الباطل يتساوى مع المؤمن في المنزلة.
المطلوب: جزء من آية من الجزء السادس ينبه على هذا الأمر.
الإجابة: قول الله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5].
الفائدة التفسيرية: سياق الآية يتحدث عن إباحة طعام أهل الكتاب والزواج من المحصنات منهم، ولكن الله ختمها بهذا التنبيه. يقول ابن عاشور رحمه الله: "المقصود التنبيه على أن إباحة تزوج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهم، ولكن ذلك تيسير على المسلمين". وقد ذكر القرطبي أن نساء أهل الكتاب قلن: "لولا أن الله رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا"، فنزلت الآية رداً عليهن، لتؤكد أن الإيمان بالتوحيد وبمحمد ﷺ هو المعيار، ومن يكفر بذلك فعمله حابط.
ذكرنا سابقاً أن المعصية تحرم من الخير. هناك آية تشير إلى أن المعصية تجر المعصية، وأن الله قد يعاقب العبد بذنبه بصرفه عن الحق.
المطلوب: آية تدل على أن المعصية سبب في الصد عن قبول الشرع.
الإجابة: قول الله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49].
الفائدة التربوية: المعصية لها شؤم، ومن عقوبتها العاجلة أن يُحرم الإنسان من التوفيق لقبول الحق أو الاحتكام إلى كتاب الله. فالله عز وجل يطمس على قلوب البعض بسبب ما أسلفوا من ذنوب كالكذب والتحريف.
كلما استقام الإنسان على أمر الله ازداد انتفاعه بالقرآن وفهمه له.
المطلوب: آية تدل على أن التقوى تجلب العلم والهدى.
الإجابة: قول الله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} [المائدة: 16].
الفائدة: كما أن المعصية تجر المعصية، فإن الطاعة تجلب الطاعة. والتقوى مفتاح للعلم النافع، كما في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}.
هناك جزء من آية في الجزء السادس (مكون من ثلاث كلمات)، فسره ابن تيمية بما يلازم أهل الكفر في الدنيا قبل الآخرة من الآلام النفسية والغم وظلمة القلب.
الإجابة: قول الله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [المائدة: 37].
لطيفة لابن تيمية: يقول ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم": "قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية غماً وحزناً وقسوة وظلمة قلب وجهلاً، فإن للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم. ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يطيبون عيشهم إلا بما يزيل العقل ويلهي القلب من تناول مسكر أو سماع مطرب ونحو ذلك".
ينبغي على العبد التسليم لحكم الله، فهو أعلم بمصالحنا من أنفسنا، سواء فهمنا الحكمة أم لم نفهمها.
المطلوب: خاتمة آية من خمس كلمات تشير إلى هذا المعنى.
الإجابة: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1].
الفائدة: جاءت هذه الخاتمة بعد ذكر أحكام الحلال والحرام في بهيمة الأنعام والصيد، لتؤكد أن الله هو الحكيم العليم، وعلينا التسليم لأمره سواء ظهرت لنا الحكمة أم خفيت.
الموقن هو الذي يعرف الفرق بين حكم الله وغيره، ويميز بقلبه ما في حكم الله من الحسن والبهاء.
المطلوب: آية تدل على أن الموقن هو من يدرك حسن حكم الله.
الإجابة: قول الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
هناك آية في سورة الحديد فسرت آية في الجزء الخامس (جزء أمس) تتعلق بمخادعة المنافقين لله عز وجل.
الإجابة: الآية من الجزء الخامس هي: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]. والآية التي تفسرها من سورة الحديد هي: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجَعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا...} [الحديد: 13].
وصف الله المنافقين بأنهم يبتغون العزة عند الكافرين بمداهنتهم.
المطلوب: آية تبين أن مكانتهم في الآخرة ستكون على النقيض تماماً مما طلبوا.
الإجابة: قول الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145].
البعض قد يتستر على خطأ أو اختلاس بدافع "الرحمة" الموهومة، لكن الشرع يأمر بالعدل حتى على أقرب الناس.
المطلوب: آية تأمر بالقيام بالقسط والشهادة لله ولو على النفس أو الوالدين.
الإجابة: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ...} [النساء: 135].
توجيه تربوي: هذا الموقف ينطبق على الموظف في عمله، والطالب في امتحانه. لا يجوز تسمية المحاباة أو الغش "رحمة"، بل هو اتباع للهوى. الله أرحم بخلقه منا، والعدل مقدم على كل اعتبار.
في زمننا يستخدم الظالمون سياسة "إن لم تكن معنا فأنت علينا"، أما الإسلام فيراعي من لا يريد محاربة المسلمين ولا يريد محاربة قومه.
المطلوب: آية تراعي هذه الفئة المسالمة.
الإجابة: قول الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ...} [النساء: 90].
خاتمة: هذا هو سمو الإسلام ورحمته؛ فما داموا مسالمين كارهين لقتالكم، فقد جعل الله لهم مخرجاً، وأمركم بتركهم.
نختم حلقتنا اليوم بهذه الوقفات التدبرية التي تظهر عظمة القرآن الكريم في معالجة النفوس البشرية، سواء في باب العبادات أو المعاملات أو السياسة الشرعية.
بمناسبة الحديث عن الأمانة والشهادة لله، نذكر أبناءنا الطلاب الذين يؤدون امتحاناتهم من البيوت عبر الإنترنت: تذكروا أن غياب الرقيب البشري لا يعني غياب رقابة رب البشر. اجعلوا من دراستكم وامتحاناتكم عبادة تتقربون بها إلى الله بالصدق والأمانة، فما عند الله لا يُنال بمعصيته.
نشكر لكم طيب المتابعة، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال.
نلتقي غداً إن شاء الله في الحلقة السابعة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.